الحركات الاجتماعية

أجساد في مواجهة الفيضان: النساء والهشاشة في كوارث مُدارة سياسيًا

أجساد في مواجهة الفيضان: النساء والهشاشة في كوارث مُدارة سياسيًا

جميلة سعدون
لم تعد الفيضانات مجرد ظواهر طبيعية عابرة يمكن فصلها عن السياق السياسي والاقتصادي الذي يُنتجها، بل أصبحت نتيجة مباشرة لسياسات عمّقت التدمير الإيكولوجي وراكمت الهشاشة البيئية. فاضطراب المناخ، الناتج عن نماذج إنتاج واستهلاك ، أعاد تشكيل دورة المياه ورفع من وتيرة الظواهر المتطرفة، وعلى رأسها الأمطار الغزيرة والفيضانات المدمرة. ومع ذلك، تستمر الخطابات الرسمية في التعامل مع هذه الكوارث بمنطق الطوارئ بدل الاعتراف بمسؤولية الخيارات السياسية التي همّشت البعد البيئي وأضعفت آليات الوقاية والاستعداد.
إن الارتفاع غير المسبوق في حرارة الغلاف الجوي، المرتبط بالانبعاثات الناتجة عن السياسات الصناعية، يزيد من قدرة الهواء على احتجاز بخار الماء، مما يحول الأمطار إلى أداة تدمير جماعي للبنى التحتية والمجتمعات الهشة. ويأتي التوسع العمراني غير المنظم، الذي يفرضه منطق الربح والمضاربة العقارية، ليقضي على التربة القابلة للامتصاص ويحوّل المدن إلى مصائد مائية، حيث يتفاقم الجريان السطحي وتصبح فيضانات الأنهار أكثر عنفًا وسهولة تحت ضغط العواصف. كما أن الاهمال وسياسات التكيف مع الجفاف أدى إلى تصلب التربة ومنع تغذية الفرشات المائية، في حلقة مفرغة تُظهر بوضوح أن الفيضانات ليست قدرًا طبيعيًا، بل نتيجة سياسية بامتياز.
تربط هذه الشروط الظاهرة بالبعد الإيكولوجي في ارتباطه المباشر بما لحق الطبيعة من تدمير ممنهج بفعل النهب الرأسمالي وافتراس الموارد، وما يترتب عن ذلك من اختلالات عميقة في التوازن البيئي، وتكثيف انبعاث الغازات السامة، وتلويث متسارع للغلاف الجوي. ولا يمكن فصل هذه الكارثة عن السياسة التي لا تكتفي بغضّ الطرف عن الفساد، بل تعمل على تشريعه وتحويله إلى قاعدة بنيوية تُحكم من خلالها السيطرة على مصائر المواطنين.
وتُسهم هذه العوامل مجتمعة في جعل الفيضانات غير متكافئة في آثارها، إذ لا تضرب جميع المناطق بالحدة نفسها، ولا تُخضع الساكنة للنتائج ذاتها. فالمناطق الأكثر تضررًا غالبًا ما تكون أحياءً هامشية، محكومة بمنطق صراع اجتماعي يعكس أبعادًا طبقية وجنسية ومجالية متداخلة. وتكون تداعيات الفيضانات أشد قسوة على الفئات الفقيرة، التي تُشكّل غالبية سكان العالم، والتي تُترك لمواجهة الكوارث في ظل غياب الحماية، وهي أصلًا غارقة في صراع يومي من أجل تأمين الحد الأدنى من شروط العيش.
لقد أكدت فاجعة مدينة آسفي هذا المنحى بجلاء، إذ شهدت المدينة فيضانات غير مسبوقة أغرقت المدينة العتيقة بأكملها وأحياءً هامشية أخرى، مخلفةً وفيات وخسائر مادية جسيمة. فمع أولى التساقطات المطرية القوية، تحولت أحياء كاملة إلى مساحات مائية راكدة، في مشهد كشف عجز البنيات التحتية، حيث فشلت البالوعات في تصريف المياه بسبب انسدادها بالأوحال والأتربة والنفايات، نتيجة الإهمال وغياب الصيانة، رغم التحذيرات المناخية المسبقة.
وعندما تحل الكارثة وتنهار البنيات، يتحول المهمَّش، الذي كان بالأمس عبئًا في نظر المارة، إلى مواطن كامل العضوية، لا باعتراف الدولة المسؤولة عن إنتاج المواطنة، بل بفعل الضرورة. يُوكل إليه الإنقاذ، وتصريف المياه، وتحمل الكلفة الإنسانية والمادية للفاجعة، في مقابل منظومة تخطيط عاجزة أو غير معنية بمواكبة ما يجري على الأرض.
ولا تتحول الفيضانات إلى كوارث إلا حين تُدار بمنطق الصراع. فالتهميش الذي طال المدينة، ونهب تراثها وثرواتها واحتقار ساكنتها التي يُنظر إليها كوقود للاستهلاك أو كأفواه فائضة عن الحاجة، يتقاطع مع بنية تحتية كان من المفترض أن تحمي السكان من الغرق، لكنها هي الأخرى خاضعة لمنطق التراتبية والانسحاب التدريجي للدولة. وفي هذا الفراغ، يُدفع المهمَّش ليحل محل الدولة، مجبرًا على مواجهة المصير وسدّ العجز بأدواته الهشة.
إن فيضانات آسفي لم تكن مجرد حدث طبيعي عابر، بل شكّلت اختبارًا فاضحًا لمستوى الفساد وتهالك المنظومة، فالكوارث لا تصبح كوارث إلا في ظل الهشاشة البنيوية، واستشراء الفساد، وتآكل البنيات، حيث يتحول المطر من نعمة إلى أداة إدانة سياسية واجتماعية.
في سياق إحدى الندوات الصحافية التي نُظمت بالمدينة، قدّم أحد التجار المتضررين شهادة تختزل عمق المأساة حين قال: «واد الشعبة ما دار لينا والو، البشر اللي دار لينا»، وهي عبارة تُحمّل المسؤولية بشكل مباشر لمنظومة الفساد التي فرضت على المدينة ان تجابه مصيرها، بشبكات صرف مهترئة وخدمات شبه منعدمة. وتكشف هذه الشهادة أن الخطر لم يكن طبيعيًا بقدر ما كان سياسيًا وبنيويًا، ناتجًا عن الإهمال المتراكم وغياب المحاسبة.
ويتجسد الصراع هنا بكل أبعاده، ليظهر بأوضح صوره داخل الأحياء الشعبية وبين الفئات المُفقَرة، الأكثر عرضة للغرق بسبب الهشاشة البنيوية التي فُرضت عليها. ففي ظل الرأسمالية النيوليبرالية، تُفرض سياسات التقشف عبر الخوصصة، وتُعمَّق أشكال التمييز المجالي، وتُنتَج البطالة كآلية إفقار، ليس فقط لإقصاء البشر، بل لإعادة استثمار هشاشتهم. وهكذا لا يُعاد إنتاج النظام إلا عبر نشر الخوف والموت، سواء من خلال الأمراض والأوبئة أو الحروب أو الكوارث «الطبيعية» التي تُدار بمنطق غير طبيعي.
إن ما شهدته المدينة من غرق، وما خلّفته الأمواج من أرواح مهدورة وأرزاق مدمَّرة، لا يمكن اختزاله في منطق الصدفة أو عزوه إلى قوى طبيعية عمياء. بل هو نتاج مباشر لبنية غير عادلة في توزيع الثروة والمخاطر، حيث لا تقع الكوارث على الجميع بالقدر نفسه، وإنما تُنتَج وتُدار وفق اعتبارات طبقية وجندرية ومجالية واضحة. وبهذا المعنى، تغدو الفيضانات أكثر من مجرد حدث مناخي؛ إنها كاشف فاضح لنظام قائم على الإقصاء والإهمال، يحوّل الحياة اليومية للفئات المُفقَرة إلى صراع مستمر مع الهشاشة والموت.
ما تكشفه فيضانات آسفي اليوم ليس سوى امتداد لما كشفه من قبل زلزال الحوز والحسيمة؛ فحين تُغرق المياه المنازل أو تُسوّى بالأرض، ويغيب المسؤول ولا يُحاسَب الإهمال ولا يُسائل التهميش، فإننا لا نكون أمام حادث عابر، بل أمام تعبير صارخ عن فشل منظومة كاملة.
إن ما جرى بمدينة آسفي لا يمكن اختزاله في أمطار غير معتادة، ولا إرجاعه ببساطة إلى التغيرات المناخية التي غالبًا ما تُربط بخطاب القدر لتبرير العجز. بل إننا أمام لحظة سياسية كاشفة، عرّت منطقًا رأسماليًا حوّل المدينة إلى حاوية نفايات، دمّرت التربة والهواء، وكشفت في الآن ذاته عورة الوكلاء المحليين الذين يستشرون في الفساد، ويُدبّرون الإهمال باعتباره حصة مدروسة تُخصَّص لكل رقعة جغرافية بحسب موقعها في سلّم التهميش.
إذا كانت الكوارث لا تتوزع بشكل متكافئ، بل تحكمها علاقات الهيمنة، فإن البعد الجندري يبرز بوصفه محدِّدًا أساسيًا لموقع النساء داخل الأزمات. إذ ترتفع احتمالات وفاة النساء والأطفال مقارنة بالرجال، ليس بفعل الطبيعة في حد ذاتها، بل نتيجة بنية هيمنة ذكورية تُراكم أوضاع الهشاشة وتُعمّقها. وتشير الإحصائيات على الصعيد العالمي إلى أن أربعة من كل خمسة أشخاص نزحوا بسبب تغيّر المناخ هنّ نساء، ما يكشف الطابع الجندري للتهجير القسري المرتبط بالكوارث.
كما تؤدي الكوارث إلى تعطّل الخدمات الأساسية، ولا سيما الصحية منها، وهو ما يخلّف آثارًا أشد وطأة على صحة النساء، سواء في ما يتعلق بالرعاية أو الصحة الجسدية والنفسية عمومًا.
وفي السياق نفسه، تتحمّل النساء في الأوضاع العادية مسؤوليات الأعمال المنزلية وتوفير الغذاء داخل دائرة إعادة الإنتاج الاجتماعي، غير أنّ الكوارث تُضاعف من حدّة هذه الأعباء. إذ تُضاف إلى المهام اليومية أعمال الترميم، والعلاج، والتأقلم مع شروط العيش الجديدة، وتدبير سبل البقاء. وهكذا تُلقي الكارثة بثقل رعاية المرضى والجرحى، ودعم الأسر المنكوبة، على عاتق النساء، في ظل انسحاب الدولة وتراجع أدوارها الحمائية.
إن نساء آسفي خلال الكارثة التي ألمّت بالمدينة لسن استثناءً، بل يتقاسمن المصير ذاته مع نساء المناطق الأكثر تهميشًا. فالأحياء التي طالها الضرر هي نفسها الأحياء المُقصاة تاريخيًا، حيث تحتل النساء مواقع متقدمة في سلّم الهشاشة، بين فقدان السكن وضياع سبل العيش. ويجعل هذا الواقع أجساد النساء أكثر عرضة للجوع، والأمراض، والاضطرابات النفسية، في تراكب عنيف بين الفقر والكوارث والهيمنة.
فالنساء اللواتي يحملن أطفالهن والمياه تبلغ الصدور، وأخريات يشاهدن منازلهن وهي تطفو فوق الماء، لا يمثّلن مجرد صور للمعاناة، بل يجسّدن لحظات كثيفة من المقاومة الصامتة. مقاومة ستُغرقها العتمة ذاتها التي وسمت تاريخًا نسويًا طويلًا منسيًا، حيث تُمحى الأجساد الصامدة من الذاكرة، وتُختزل الكارثة في أرقام بلا وجوه..
إن اعتصامات سيكوم سيكوميك، ومواجهة أجساد العاملات للظلم الطبقي وعسف التدمير الإيكولوجي، لا يمكن فصلها عن مأساة النساء اللواتي ضحين من أجل لقمة العيش: شهيدات دوار بولعلام، النساء الدواب عند معابر الذل، ضحايا معمل الخياطة بطنجة، نساء الفراولة في إسبانيا، العاملات المنزليات في السعودية، ضحايا مستشفى الحسن الثاني بأكدير، أمهات شهداء القليعة، المعتقلات بسبب احتجاج أو تدوينة، ضحايا انهيار العمارتين بفاس، وفيضانات آسفي.
عند كل محطة، تُقدَّم أجساد النساء كقرابين للرأسمال، لتصبح المعاناة اليومية جسدًا سياسيًا يُظهر الوجه القاسي للهيمنة، ويكشف استمرار استغلال النساء كحلقة ضعيفة في شبكة الظلم الاجتماعي والاقتصادي.
في جانب أخر هنالك سباق مع الزمن لتعزيز مفهوم الاحسان والاعمال الخيرية والحيلولة دون إعلان المدينة القديمة كمنطقة منكوبة رغم الخسائر البشرية والمادية، لتخليص الدولة من مسؤولياتها ، فالإعلان عن منطقة منكوبة ما، يمكن الساكنة من تعويضات لتغطية الخسائر. ورفضه يجعل المهمشين وعلى رأسهم النساء دون حماية بعد توقف التعاطف العفوي والمنظم .كل هذا يضاعف مسؤولية النساء عند مواجهة الكارثة وعند الرعاية الاجتماعية الموكولة لهن بحكم التقسيم الجنسي للعمل .هذا السباق مع الزمن هو اقتطاع من الأجساد المهمشة وعلى رأسها الأجساد الانثوية ،فالترميم والكنس والتنظيف ،كل هذا يشكل اقتطاع من الزمن وسلب لرصيد الحياة ، رصيد غير معترف به في القاموس الرأسمالي حينما يخص هذا الرصيد الجسد المهمش .

جميلة سعدون

عن الكاتب

جميلة سعدون

جميلة سعدون

كاتبة يسارية

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *