السياسة

الطائفية ليست قدراً: راهنية استعادة تحذير مهدي عامل

الطائفية ليست قدراً: راهنية استعادة تحذير مهدي عامل

يتعايش اليوم التيار التقدمي عموما و اليساري خاصة مع أخطر الأوهام التي استقرت في وعينا السياسي : أن الطائفية قدر تاريخي، وأن مجتمعاتنا محكومة ببنيتها المذهبية و الطائفية، بحيث لا يمكن تخيل السياسة خارجها. هذا التصور، الذي يبدو في ظاهره توصيفاً واقعياً، يخفي في عمقه تبريراً لبنية سلطة ولصيغة صراع تخدم، في نهاية المطاف، مشاريع التفتيت والتخلف . هنا بالضبط تتجدد راهنية تحذيرات مهدي عامل، الذي رأى في الطائفية شكلا من أشكال الوعي الزائف، ينتج ويعاد إنتاجه سواء داخل بنية الأنظمة القائمة أو حتى حركات المقاومة و الممانعة.

لم يتعامل مهدي عامل مع الطائفية كمعطى ثقافي ثابت، بل كصيغة سياسية ـ أيديولوجية تتجذر في نمط إنتاج كولونيالي تابع. في قراءته للحالة اللبنانية، و بالضبط في كتابه "في الدولة الطائفية"، اعتبر أن الطائفية ليست تجليا لتنوع ديني، بل آلية لإعادة إنتاج السيطرة الطبقية عبر قناع مذهبي. بهذا المعنى، تحوّل الطائفية التناقض الاجتماعي إلى تناقض طائفي، فتخفي الصراع الطبقي الحقيقي خلف ستار الهوية.

ما قاله مهدي عامل عن لبنان يمكن تعميمه على تجارب أخرى في المنطقة. فحين أُعيد تأسيس النظام السياسي في العراق بعد 2003 على قاعدة المحاصصة، لم يكن الأمر مجرد "اعتراف بالتنوع"، بل إعادة صياغة الدولة كغنيمة طوائف. هكذا تختزل السياسة في تفاوض دائم بين زعامات مذهبية، بينما تهمّش قضايا التحرر والتنمية والعدالة. الدولة لا تعود إطاراً جامعاً، بل ساحة توزيع حصص. والمواطن لا يعرَّف بصفته فرداً ذا حقوق، بل كائنا في جماعة مذهبية.

المفارقة أن الطائفية لم تقتصر على أنظمة و سلط حاكمة، بل تسللت حتى إلى بنيات و خطاب المقاومة. فحين يعاد تعريف المقاومة ضمن أفق مذهبي، وتبنى شرعيتها على تمثيل طائفة بعينها، فإنها تخاطر بفقدان بعدها التحرري الجامع. المشكلة ليست في الخلفية الاجتماعية أو الدينية لأي حركة، بل في تحويل الطائفة إلى وحدة سياسية مغلقة. عندها يصبح الاصطفاف المذهبي جزءاً من تعريف الذات، ويتراجع الأفق الوطني أو القومي الأوسع.

بهذا المعنى، تخدم الطائفية – و إن دون قصد – المشروع الصهيوني. فوجود كيان استيطاني في قلب المنطقة يحتاج إلى محيط مفكك، ليستمر وجوده. فكلما تعمّق الانقسام الطائفي، تراجعت إمكانية بناء جبهة تاريخية واسعة تعيد تعريف الصراع في المنطقة باعتباره صراعا تحرريا ضد استعمار استيطاني مدعوم من قوى الهيمنة العالمية.

و أهم ما يقدمه لنا مهدي عامل ليس التشخيص فقط، بل الإمكانية النظرية للتجاوز. إذا كانت الطائفية بنية سياسية تاريخية، فهي قابلة للتفكيك. تفكيكها يمر عبر إعادة بناء السياسة على قاعدة المواطنة والعدالة الاجتماعية، وربط الصراع الداخلي بصراعه الخارجي. أي استعادة الترابط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، بدل تفكيكهما في هويات متناحرة.

الطريق إلى مواجهة المشروع الصهيوني لا يمر عبر إعادة إنتاج خطاب مذهبي مضاد، بل عبر كسر منطق الطائفة كوحدة سياسية. المطلوب هو إعادة بناء فضاء سياسي يرى في التنوع ثراء اجتماعياً، لا أساساً للتقاسم أو الاحتراب.

حين نعود إلى مفهوم التحرر الحقيقي الذي يربط جدليا بين تحرير الأرض و تحرير الإنسان، يتراجع الوهم الطائفي. لأن الصراع يُعاد تعريفه في مستواه التاريخي الصحيح: صراع شعوب ضد مشروع استيطاني ـ إحلالي. أما حين تختزل السياسة في هويات جزئية، فإننا نعيد إنتاج شروط ضعفنا بأيدينا.

تحذير مهدي عامل لم يكن مجرد قراءة في حرب أهلية لبنانية، بل تنبيهاً مبكراً إلى مسار إقليمي كامل. واليوم، بعد عقود من التفكك والاستقطاب، يبدو أن استعادة هذا التحذير ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً ضرورياً لإعادة بناء مشروع تحرري جامع. الطائفية ليست قدراً. هي أداة. وكما بُنيت، يمكن أن تُفكك. لكن ذلك يبدأ بإعادة تعريف السياسة نفسها: من صراع طوائف إلى صراع تحرر.

عن الكاتب

محمد السفريوي

محمد السفريوي

مناضل يساري

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *