السياسة

المقاومة بين الشرعية الدولية وطبيعة الدولة 🇱🇧

المقاومة بين الشرعية الدولية وطبيعة الدولة 🇱🇧

حين يُطرح مطلب اعتقال أفراد يحملون السلاح لمواجهة قوة احتلال خارجية، فإن النقاش لا يبقى في حدود الأمن الداخلي أو تطبيق القانون الجنائي فحسب، بل يتحول إلى مسألة أعمق تتعلق بطبيعة السلطة السياسية، وبالعلاقة بين الدولة والمجتمع في سياق صراع تاريخي مع قوى الهيمنة. فالقانون الدولي ذاته، الذي يُستدعى عادة لتبرير إجراءات الضبط والسيطرة، يتضمن في بنيته مبادئ تعترف بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال والعدوان.

لقد أكدت قرارات الجمعية العامة لـالأمم المتحدة، خصوصًا تلك الصادرة في سياق حركات التحرر الوطني في القرن العشرين، على شرعية نضال الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية أو الأجنبية. هذا الاعتراف لم يقتصر على أشكال الاحتجاج السياسي أو الدبلوماسي، بل شمل أيضًا الكفاح المسلح بوصفه أحد الوسائل التي تلجأ إليها الشعوب عندما تُغلق أمامها سبل الدفاع الأخرى. في هذا الإطار يصبح الحق في المقاومة امتدادًا مباشرًا لمبدأ تقرير المصير، وهو أحد المبادئ المؤسسة للنظام القانوني الدولي المعاصر.

كما أن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تعترف بالحق الطبيعي للدول في الدفاع عن النفس إذا تعرضت لعدوان مسلح. غير أن الفقه القانوني الدولي تطور لاحقًا ليشير إلى أن هذا الحق لا يظل حكرًا على الأجهزة الرسمية للدولة وحدها، خاصة في الحالات التي تتعرض فيها الدولة نفسها لخلل بنيوي في قدرتها الدفاعية، أو حين تصبح مؤسساتها عاجزة عن حماية السكان من تهديد خارجي مباشر. في مثل هذه الظروف يظهر ما يُعرف في الأدبيات القانونية بـ"المقاومة الشعبية"، حيث يتحول الدفاع عن المجتمع إلى مهمة تتجاوز احتكار الدولة التقليدي للعنف.

من هنا يبرز معياران أساسيان في التقييم القانوني: الضرورة والتناسب. فإذا كانت الدولة قادرة فعليًا على حماية أراضيها وسكانها وتأمين وسائل دفاع فعالة، فإن احتكارها للسلاح يمكن تبريره ضمن منطق السيادة والتنظيم القانوني. أما إذا كانت غير قادرة على ذلك، فإن ملاحقة المواطنين الذين ينخرطون في الدفاع عن مجتمعهم قد تُفسَّر قانونيًا بوصفها تعطيلًا لحق أساسي هو الحق في الحياة والبقاء، وهو حق يسبق من حيث المبدأ كثيرًا من القيود الإجرائية التي تفرضها القوانين الداخلية.

ويزداد هذا التعقيد حين نتذكر أن حق تقرير المصير يُصنف في القانون الدولي ضمن القواعد الآمرة التي تسمو على التشريعات الوطنية. أي أن أي قانون داخلي أو إجراء إداري يحول دون قدرة شعب ما على حماية وجوده الجماعي في مواجهة عدوان خارجي يصبح موضع مساءلة قانونية وأخلاقية. فالقانون الدولي، في هذه الحالة، لا ينظر إلى المجتمع بوصفه موضوعًا للضبط فقط، بل بوصفه أيضًا فاعلًا يمتلك حق الدفاع عن كيانه التاريخي.

ضمن هذا الإطار يمكن فهم حمل السلاح في ظروف العدوان الخارجي تحت مفهوم "حالة الضرورة" المعروفة في النظرية القانونية. هذه الحالة تعني أن الفعل الذي قد يُعد جريمة في الظروف العادية يفقد صفته الجنائية عندما يكون الهدف منه دفع خطر جسيم وحالّ لا يمكن تفاديه بوسيلة أخرى. وهنا لا يعود السؤال قانونيًا مجردًا حول مشروعية السلاح، بل يصبح سؤالًا حول ما إذا كانت الظروف الموضوعية تفرض على المجتمع أن يتحول إلى قوة دفاعية في مواجهة تهديد وجودي.

بهذا المعنى، لا يمكن اختزال النقاش في ثنائية الأمن والفوضى. القضية في جوهرها تتعلق بالصراع بين حق مجتمع في الدفاع عن نفسه وبين منطق احتكار القوة داخل الدولة. وعندما يتقاطع هذا الصراع مع واقع احتلال أو عدوان خارجي، فإن القانون الدولي نفسه يفتح المجال لقراءة تعترف بشرعية المقاومة باعتبارها تعبيرًا عن حق الشعوب في حماية وجودها وتقرير مصيرها.