عاش المغرب خلال الشهرين الماضيين أوضاعا طبيعية استثنائية لم يشهدها منذ عقود، حيث اجتاحت فيضانات عارمة وسيول جارفة مناطق واسعة من الشمال، مخلفة خسائر بشرية ومادية جسيمة، وعازلة عشرات الدواوير والمناطق القروية عن العالم الخارجي. وبينما اجتاحت المياه المدن والأحياء وقطعت الطرق وهدمت الجسور، كانت الجبال والبوادي تدفع الثمن الأفدح في صمت، وسط سؤال يتردد بإلحاح لماذا يتم إقصاء المناطق الأكثر تضررا من قوائم التعويض، وعلى رأسها إقليم تاونات و وزان وشفشاون ودواوير القصر والحسيمة ؟
في هذه المقالة سنركز على تاونات في افق انجاز تغطية باقي المناطق المذكورة.
منذ أواخر يناير 2026، شهدت جهة طنجة تطوان الحسيمة والمناطق المجاورة تساقطات مطرية قياسية تجاوزت في بعض الأماكن 600 ملم خلال أسابيع قليلة، بعد سنوات من الجفاف، حيث حولت الأمطار الطوفانية الأودية إلى أنهار هادرة، وغمرت المدن والقرى، وتسببت في نزوح عشرات الآلاف من سكان الشمال، خاصة من مدينة القصر الكبير والقرى المحيطة بها، اذ تحولت أحياء بأكملها إلى بحيرات مائية وتعرضت مناطق فلاحية شاسعة لخسائر كبيرة في المحاصيل والماشية.
غير أن الصورة الأكثر قسوة تجسدت في إقليم تاونات، الذي يمكن اعتباره الإقليم المقصي بامتياز، رغم أن الكارثة فيه اتخذت أبعادا إنسانية واجتماعية وبيئية مركبة.
التقارير الميدانية وثقت انهيار عشرات المنازل الطينية والإسمنتية، وتهديد مئات أخرى بالسقوط، خاصة في أحياء مدينة تاونات مثل أولاد عبو، السلام، لعمور، الدومية، وحي أحجر دريان الذي شهد انهيار منزلين متلاصقين خلال أقل من أسبوع، رغم كونهما مبنيين بالإسمنت.
وفي دوار تازغادرة بجماعة البيبان، سقط ضحيتان تحت أنقاض منزل متهالك، بينما نزحت أسر أخرى بسبب التشققات الكبيرة وتهديد الانهيار.
الأرقام الرسمية المعلنة من اللجنة الإقليمية لليقظة في تاونات تحدثت عن مئات التدخلات تجاوزت 1500 عملية، همت إغاثة الأسر المهددة، وإيواء حوالي 230 أسرة في مراكز بديلة أو خيام أو لدى الأقارب والجيران.
إلا أن هذه الأرقام، وفق تقارير محلية، لا تعكس حجم الكارثة الحقيقي في الجبال، حيث تتحدث معطيات ميدانية عن أكثر من 25 منطقة متضررة بشكل كبير داخل الإقليم، تضم أزيد من 17 دوارا قرويا وبعض دواوير قرية با محمد و8 أحياء حضرية عفساي واد مديونة.
كما سجلت عزلة شبه كاملة لدائرة تيسة التي يقطنها أكثر من 15 ألف نسمة، بسبب انهيار الطرق والقناطر وانجراف التربة، فضلا عن غمر منازل بالكامل وضياع أثاث ونفوق ماشية ودواجن بالجملة ومحاصل الزيتون بنسبة 80فالمية حسب سكان المنطقة.
إلى جانب ذلك، تضررت محاور طرقية حيوية، من بينها مقاطع من الطريق الوطنية رقم 8، ما فاقم من صعوبة وصول الإسعاف والتموين وعمق عزلة السكان.
وفي عدد من الجماعات القروية، وجد المواطنون أنفسهم محاصرين بين الانهيارات الأرضية وارتفاع منسوب الأودية، في ظل هشاشة البنيات التحتية وضعف التجهيزات الوقائية، رغم أن المنطقة مصنفة منذ سنوات ضمن الأقاليم المهددة بالكوارث الطبيعية.
الصورة في القصر الكبير والقرى المحيطة بها، ووزان وتازة والحسيمة، لا تقل قسوة، لكنها تختلف في مستوى الحضور الإعلامي والتعاطي الرسمي.
فقد عاشت القصر الكبير أياما سوداء مع تحول عدة أحياء إلى بحيرات مائية، ما أدى إلى إجلاء آلاف السكان نحو مخيمات إيواء مؤقتة. كما تكبدت المناطق الفلاحية المحيطة خسائر فادحة في المحاصيل والماشية، خصوصا في سهول اللوكوس والغرب ومناطق جبالة. وتم تخصيص اعتمادات مالية لدعم الفلاحين المتضررين، غير أن جزءا من القرى الجبلية والبوادي ظل في وضع أكثر هشاشة وإقصاء من حيث المواكبة والتعويض.
في تازة، أدت الأمطار الطوفانية في جماعات واد أمليل وغياثة الغربية وأولاد تاونزة وأولاد عبد الله لمكارك وغيرها إلى خسائر فادحة في صفوف صغار المزارعين، وتضرر منازل وانقطاع حركة السير وعزلة مناطق بكاملها. وفي وزان والحسيمة، تكررت صور انهيار المنازل وتشققها، وقطع الطرق وعزل الدواوير الجبلية، دون أن تحظى هذه الوقائع بنفس مستوى المتابعة الرسمية والإعلامية الذي حظيت به بعض المناطق الأخرى.
ورغم هذا الحجم الكبير من الخسائر في تاونات وباقي الأقاليم الجبلية، فوجئ سكان هذه المناطق باستثنائها من لائحة "المناطق المنكوبة" التي تتيح تفعيل صندوق الكوارث الطبيعية ومنح التعويضات للمتضررين.
هذا الاستثناء أثار موجة استنكار واسعة، خاصة أن القانون المنظم لصندوق الكوارث الطبيعية يمنح لكل متضرر من كارثة طبيعية حقا في التعويض عن فقدان المسكن وإعادة البناء، لكن ذلك يبقى مشروطا بصدور قرار رسمي بإعلان المنطقة "منكوبة". وهنا مكمن الإشكال فإلى حدود اليوم، لم يصدر قرار مماثل يشمل تاونات وشفشاون وتازة ووزان والحسيمة، رغم أن الأضرار فيها كبيرة وموثقة.
تبريرات رسمية تحدثت عن "اعتبارات تقنية وقانونية" مرتبطة بطريقة تفعيل مرسوم إعلان المناطق المنكوبة، دون تقديم معايير واضحة وشفافة لاحتساب حجم الضرر وتحديد حدود الأقاليم المعنية وحسب تصريح وزير التجهيز والماء نزار بركة ان عدم ادراج هذه المنطقة راجع بالاساس الى ماهو تقني بحيث لم تسجل المنطقة العدد المحدد من ساعات تساقطات المطرية وهذا ما يطرح سؤال هل نحن امام تدبير للازمة يراعي فيها الراسمال البشري اي الانسان ام اننا امام تدبير تقني يعتمد على باراميتر المطر ويقيس من خلاله حجم الكارثة والنكبة دون النظر الى واقع الحال واوضاع الساكنة وهل هكذا تدار الازمات ضمن ما يسمى( بالدولة الاجتماعية ). هذا الغموض زاد من شعور سكان الجبل بأنهم يؤدون ثمن الهشاشة والتهميش مرتين، مرة حين تضربهم الكارثة في غياب بنية تحتية قوية وخدمات أساسية لائقة، ومرة ثانية حين يجري استثناؤهم من التعويض والإنصاف بعد وقوع الكارثة.
في هذا السياق، برزت مبادرات شعبية ولجان محلية تحاول سد الفراغ ورصد الحقيقة:
في تاونات، سارع فاعلون محليون وأبناء الإقليم إلى تأسيس لجان لمتابعة الكارثة والوقوف على حجم الأضرار بالدواوير والقرى، من خلال إعداد تقارير مفصلة تتضمن أسماء الدواوير المعزولة والمتضررة، وعدد المنازل المنهارة والمتشققة، والطرق المقطوعة والقناطر المنهارة، والخسائر الفلاحية والحيوانية، وعدد الأسر المشردة والمهددة. هذه التقارير تهدف إلى الضغط من أجل الاعتراف الرسمي بحجم الكارثة وتمكين المتضررين من حقوقهم القانونية في التعويض والمواكبة، مع المطالبة بمساءلة الجهات المسؤولة عن تدبير الأزمة.
في المقابل، تتحدث مصادر محلية عن صعوبات في وصول بعض مساعدات المجتمع المدني إلى المتضررين، وإجراءات غير مفهومة في المنع، ما يطرح أسئلة ملحة حول طريقة تدبير الإغاثة ومعايير توزيع الدعم، ومن يقرر الأولويات في ظل محدودية الإمكانيات وغياب رؤية مندمجة لتنمية الجبل وحمايته من الكوارث المتكررة.
هذا الوضع يعيد إلى الواجهة سؤال "الهامش والمركز" في السياسات العمومية، إلى أي حد يتم إشراك سكان الجبال والقرى في وضع الأولويات، وكيف يتم تمثيلهم حين يتعلق الأمر بتوزيع موارد الصناديق العمومية وبرامج إعادة الإعمار؟ما حدث في تاونات خلال هذه الفيضانات يتجاوز كونه حدثا طبيعيا عابرا، ليطرح سؤال العدالة المجالية والاجتماعية في التعامل مع الكوارث.
فحين تتضرر مناطق معينة، تتحرك الدولة بسرعة وتفعل اليات التعويض والصناديق الخاصة، بينما حين يتعلق الأمر بأقاليم جبلية مصنفة أصلا ضمن مناطق الهشاشة التاريخية، يكون الحضور أضعف والاعتراف أقل.
سكان تاونات اليوم لا يطالبون فقط بإعادة بناء البيوت المتصدعة والمنهارة، بل يطالبون قبل ذلك بالاعتراف الرسمي بأن ما عاشوه كارثة حقيقية تستوجب ردا سياسيا ومؤسساتيا في مستوى حجم الألم والخسارة.
إن ما جرى في تاونات وباقي الأقاليم الجبلية المتضررة يختزل معادلة قاسية، الهامش يدفع الثمن مرتين، مرة لأنه مهمش قبل الكارثة، ومرة أخرى لأنه مقصي بعدها. وبين الفيضانات التي تجرف التربة وتكشف هشاشة البنية التحتية، والقرارات التي تستثني مناطق بأكملها من لوائح التعويض، تتكرس قناعة لدى سكان الجبل بأن عليهم الاعتماد على تضامنهم الذاتي ولجانهم المحلية، في انتظار أن تعيد السياسات العمومية الاعتبار لهذا "الجبل المنسي" وتضعه في قلب معادلة التنمية والإنصاف، لا في هامشها.
المصادر المستند إليها في إعداد هذا التقرير:
الجزيرة نت، يورونيوز، أنفاس بريس، فاس نيوز، مدار 21، الحدث تيفي، مغرب تايمز، موقع تاونات نت، جريدة العاصمة، الأسبوع الصحفي، المنصات الرسمية الحكومية المتعلقة بصندوق الكوارث الطبيعية والتصريحات الوزارية، وتقارير محلية وبيانات صادرة عن فاعلين مدنيين من إقليم تاونات والمناطق المتضررة الأخرى مثل اللجنة
حوارات ونقاشات











