حوارات ونقاشات

الهوية في المغرب: مسار التحول والنزاع

الهوية في المغرب: مسار التحول والنزاع

تتجلى الهوية في المجتمعات المعقدة والمتعددة، كإحدى أهم القوى المنظمة للواقع الاجتماعي. لكنها غالبا ما تفهم بشكل خاطئ، بوصفها ثابتة أو جوهرية أو كرمز ثقافي يستغل للسيطرة أو التمييز. في المغرب كما في غيره من المجتمعات، تظهر الهوية إزدواجية مستمرة، بين ما يقدم على أنه ثابت، وواقع متحرك يتشكل عبر الاحتكاك والتفاعل اليومي بين الأفراد والجماعات. إذ ليست الهوية شيئا يمتلك مرة واحدة، بل عملية دينامية تتجدد وتتطور، مشفوعة بالصراع والتفاوض، ومتحركة بين الرغبة في الاعتراف وبين التحديات المادية والاجتماعية التي تحدد شروط الوجود.

الهوية كسيرورة وصراع : من الامتلاك الى العلاقة

إذا كان التصور الجوهراني للهوية يغري بالوضوح والثبات، فإن ثمنه السياسي غالبا يكون الإنغلاق. في المقابل يتيح تصور آخر للهوية أقل راحة، لكنه أكثر صدقا، فهمها كسيرورة مفتوحة تتشكل عبر العلاقات والاحتكاكات والصراعات لا كملكية جاهزة تورث او تصان، الهوية بهذا المعنى لا تعطى مرة واحدة ولا تستنفد في تعريف، بل تعاد صياغتها باستمرار ضمن شروط تاريخية واجتماعية متغيرة.

التحول في زاوية النظر يغير السؤال من ما هي هويتنا؟ إلى كيف تتشكل هوياتنا داخل علاقات غير متكافئة؟ فالهوية لا تنشأ في الفراغ، بل داخل مجتمع محدد، بتوزيع معين للسلطة، وبحدود فاصلة بين المرئي وغير المرئي، وبين ما يعتبر طبيعي وما ينظر إليه كاستثناء أو انحراف. كل حديث عن الهوية، إن لم ينطلق من تحليل هذه العلاقات يظل معرضا للسطحية أو للتوظيف.

فهم الهوية كسيرورة، يعني الاعتراف بأنها نتاج احتكاك دائم بالغير، لا وجود لهوية نقية لم تتأثر بالهجرة، الاستعمار، التبادل، العنف أو المقاومة. فالاختلاف ليس طارئا بل شرط وجودها. من هنا لا يعود الاخر تهديدا، بل يصبح عنصرا بنيويا في تشكل الذات. الذات تتكون داخل العلاقة لا تسبقها.

غير أن هذا الفهم، لا يعني إنكار الصراع أو الدعوة إلى انسجام ساذج. بل إن تصور الهوية كسيرورة يضع الصراع في قلبها، باعتباره تعبيرا عن تناقضات حقيقية في المصالح والمواقع والتجارب. الصراع هنا ليس بين هويات متجانسة، بل بين أشكال مختلفة للعيش داخل نفس المجتمع، إنه صراع حول الأرض، والعمل، والجسد، واللغة، ومن يملك الحق في تعريف ما هو مشروع وما هو مرفوض.

الهشاشة كمنطلق تحليلي وسياسي ضد خطاب القوة والتمثيل

من أكثر المفاهيم قدرة على زعزعة التصورات السائدة حول الهوية، هو مفهوم الهشاشة. في الخطابات السياسية والثقافية، غالبا ما تقدم الهشاشة بوصفها نقصا أو ضعفا، يقابلها خطاب القوة والتمكين والتمثيل الصلب. كأن التحرر لا يمر إلا عبر إثبات الصلابة والسيطرة على السردية.

غير أن الهشاشة ليست حالة هامشية، بل تجربة مشتركة تعيشها فئات واسعة، وإن بأشكال مختلفة. الفقر والتمييز، والعنف الرمزي، والهشاشة القانونية والجسدية، والهشاشة المرتبطة بالنوع الاجتماعي أو بالمجال أو اللغة، كلها مكونات بنيوية لنظام اجتماعي غير عادل. ومن هنا فإن الهشاشة ليست نقيض السياسة، بل أحد مفاتيح فهمها.

اتخاذ الهشاشة منطلقا لتحليل الهوية يعني الإنطلاق من الأجساد والتجارب التي غالبا ما تقصى من التمثيل، فالهوية حين تقرأ من زاوية الهشاشة، تكشف ليس فقط ما يقال عنها، بل ما يمنع من أن يقال، وما يعتبر غير جدير بالتحول إلى قضية عامة.

سياسيا يفتح هذا المنظور إمكانا لبناء التضامن، بدل البحث عن تماثل قسري بين الهويات، يصبح الاعتراف المتبادل بالهشاشة أرضية لتحالفات عابرة للإنتماءات الضيقة. التضامن لا يقوم على التشابه، بل على وعي مشترك بأن شروط العيش غير العادلة تمس الجميع بدرجات متفاوتة، وأن مقاومة هذه الشروط تتطلب تجاوز منطق المنافسة على الضحية أو الشرعية.

الهوية والسلطة في المغرب، تقاطعات الاعتراف الأرض، الجسد، والطبقة.

لا يمكن التفكير في الهوية المغربية خارج شبكة معقدة من علاقات السلطة، التي تحدد من يرى ومن يقصى ومن يسمع ومن يطلب منه الصمت. الهويات لا توجد بوصفها اختلافات ثقافية محايدة، بل كمواقع ضمن بنية غير متكافئة، تتقاطع فيها الدولة والسوق، والمعايير الأخلاقية، والإرث الاستعماري و التقسيمات الطبقية والمجالية.

سؤال الهوية هنا يصبح من يملك القدرة على تحويل تجربته الى معنى عام؟ ليست كل التجارب متساوية في قدرتها على الظهور في الفضاء العمومي، هناك تجارب تقدم بوصفها طبيعية ووطنية، وأخرى توسم بالخصوصية المفرطة أو بالتهديد أو بعدم النضج. هذا التفاوت ليس صدفة بل نتيجة تاريخ طويل من إنتاج المركز والهامش، ومن توزيع غير عادل للشرعية الرمزية.

المسألة الامازيغية، على سبيل المثال ليست مجرد نقاش لغوي أو ثقافي، إنها صراع على الأرض والذاكرة والحق في تعريف التاريخ المشترك. الاعتراف باللغة إن لم يقترن باعتراف فعلي بحقوق المناطق المهمشة، وبحقها في الموارد والتنمية يتحول إلى إجراء رمزي قابل للاحتواء.

المسألة النسائية والجندرية كذلك، لا يمكن اختزالها في القوانين أو الصور النمطية، الفقر وتقسيم العمل والعنف اليومي والهشاشة الاقتصادية، كلها تحدد شروط عيش هذه الهويات، الطبقة الاجتماعية لا تلغي الهوية، بل تشكل إطارا يحدد شروطها. تجاهل هذا البعد يؤدي الى خطاب اعتراف مجرد لا يمس جذور الظلم.

الدولة ليست فاعلا محايدا، بل أحد المنتجين الأساسيين للهامش. سياسات التنمية غير المتكافئة، وإدارة المجال والقوانين التي تجرم بعض أشكال الوجود، كلها تساهم في رسم حدود الهوية المشروعة. الهوية هنا تتحول إلى أداة ضبط لا فضاء للتحرر.

حدود الخطابات الهوياتية السائدة

الخطابات الرسمية، غالبا ما تفرغ الهوية من بعدها السياسي عبر الاحتواء. بينما بعض الخطابات الاحتجاجية تقع في فخ الاختزال. فصل الاعتراف عن العدالة يؤدي الى تحويل الهوية إلى هدف رمزي، لا يصل الى جذور اللامساواة. كذلك تحول الهوية إلى خطاب تمثيلي مغلق، حيث تحتكر نخبة معينة الكلام باسم مجموعة معينة، وتستنسخ نفس آليات الهيمنة التي يفرض تفكيكها. وأخيرا التعدد، بدون سياسة يعيد انتاج التفاوت. ويصبح شعارا دون مساءلة القوة أو توزيع الموارد.

تجاوز هذه الاعطاب لا يمر عبر التخلي عن الهوية، بل عبر إعادة تسييسها، وربطها بالعدالة الاجتماعية، وبالنقد الذاتي، وبالاستعداد الدائم لفتح الأسئلة بدل إغلاقها.

التنظيم والممارسة : نحو فضاءات أفقية للتجربة المشتركة.

التحدي التنظيمي يكمن في تحقيق توازن بين الحرية الفردية والتاثير الجماعي، بين تنوع التجارب والقدرة على اتخاذ قرارات مشتركة. التنظيم التقليدي غالبا ما يكرر ديناميات الهيمنة. في حين أن الأفق التحرري يتطلب تنظيم مرن وأفقي يتيح الالتقاء والنقاش والممارسة المشتركة.

الاستماع المتبادل هو الأساس، فالنقاش السياسي والاجتماعي يصبح أداة لاكتشاف الإمكانات المشتركة، لا مجرد إعادة إنتاج السلطة. حماية الهشاشة داخل الممارسة الجماعية وضمان حضور الأصوات المهمشة يضمن إنتاج معرفة تحررية ويمنع تحول التنظيم إلى فضاء نخبوي.

ختاما، الهوية كمسار وليس كهدف..

إعادة التفكير في الهوية، ليست تقديم وصفة جاهزة، بل لجعلها أفقا للتحرر والمساءلة. الهوية هنا مسار مستمر مرتبط بالحرية. العدالة، التضامن واحترام الاختلاف، يجب ربطها بالسياسة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية، لتصبح أداة لفهم الواقع وتحويله لا مجرد شعار رمزي.

كل تجربة مهما كانت هامشية لها قيمة، كل صوت يسمع، وكل سؤال يطرح، وكل نقد يمارس هو خطوة نحو فهم اعمق للهوية، ليس كملك ثابت، بل كمسار يتحرك مع التاريخ والصراعات اليومية ومع رغبة الناس في العيش بكرامة، الهوية ليست قدرا مفروضا ولا أداة للتمييز بل حركة وتجربة مشتركة ومسارا نحو مجتمع أكثر عدلا وحرية.

عبدالله الحداد

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *