لطيفة زهرة المخلوفي
دأبت الدارسات النسوية ومختلف الكتابات المهتمة بقضايا النوع الاجتماعي على نقد البطريريكية، وإدانة ما تنتجه من واقع اللامساواة، من خلال دراسة أوضاع النساء، وتتبع البناء الثقافي للمؤنث كمعطى اجتماعي ينتج ويعاد إنتاجه بماهية سياسية ترعى العنف المنظم مما يضمن ديمومة التفاوت والتمايز الجندري.
وغالبا ما كان يتم الحديث عن سيرورة بناء الذكورة كمعطى اجتماعي بشكل عرضي، يستدعيه سياق بناء المؤنث فقط. فالحديث عن تربية النساء على الضعف والسلبية والتبعية يقابله تنشئة الرجال على القوة والايجابية والاستقلالية والقيادة.
وهنا تستدعي النسوية الفرنسية سيمون دي بوفوار من خلال كتابها "الجنس الآخر"، كأحد الكتابات التي كان لها السبق في تعقب الكيفيات التي تصير بها النساء نساء، فمثال الدمية الذي وظفتها، هو في الحقيقة ترميز لواقع المصير المعد للمرأة.
ترعى الطفلات الصغيرات الدمى، ويقمن برعايتها وكأنهن يتدربن عن البناء الإجتماعي لوظيفة بيولوجية هي الأمومة.
رغم الأهمية البالغة لهذا الكتاب باعتباره أحد المراجع الهامة والتي أرخت لبدايات الكتابات النسوية في علوم الجندر، لكنه محكوم بسياقه وشروطه. ولعل التراكم الحاصل اليوم في الدراسات الجندرية يدفعنا إلى القول أنه مثل العديد من المؤلفات ركز على دراسة قضية اخضاع المراة في المجتمع من زاوية أحادية أغفلت العلاقة الجدلية بين بناء الذكورة وأوضاع النساء.
كما أن التغيرات الإجتماعية الحاصلة اليوم على حياة النساء، لها دورها في بناء الذكورة. والأنماط التي تعيد بها الذكورة بناء نفسها بما يضمن استمرار واقع الاضطهاد.
إن الرأي الذي كان سائد ولازال له صدى كبير هو أن البحث يجب توجيه صوب النساء باعتبارهن الرازحات تحت وطاة القهر الأبوي، وهذا القول يغفل أهمية توجيه الجهود لفهم وتفكيك الهوية الذكورية. خاصة وأن تأثيرات العولمة والتغييرات التي طرأت على المجتمعات لم تستثني حتى المجتمعات التي تصنف على أنها الأكثر اغراقا في الذكورية والتقليدية.
هي تغيرات ترتبط أساسا بنظام اقتصادي، يجدد من آليات سيادته وهيمنته.
إن ملحاحية ما تطرحه التغيرات من أسئلة جعلت الدراسة النقدية تخوض غمار البحث في الذكورة والرجولة مع أواخر الثمانينات من القرن العشرين.
وقد مست هذه التحولات مختلف الأصعدة، والأكيد أن لها تأثير بالغ في تنظيم العائلة ودور النساء في المجتمعات الصناعية. وهو ما استفز تساؤلات عديدة حول الذكورة.
كيف تنتج ويعاد إنتاجها اليوم ؟. وهل يمكن الحديث عن نموذج موحدا للذكورة ؟. وهل يعيش بنيان الذكورة تصدعا ؟. وما الكيفيات التي يعبر من خلالها الرجال عن الدور التقليدي المطلوب منهم؟.
بداية، يحيل مفهوم الذكورة إلى مجموع الصفات وأنماط السلوكات، وكذلك الأدوار التي تحددها كل بيئة اجتماعية وثقافية للرجل. كما تشير إلى حجم وشكل الجسد ومهاراته. حيث يفترض أن تكون أجساد الرجال قوية، وصلبة وقادرة على تحمل الألم وبذل المجهود الشاق، ودورها فاعل في الأنشطة الإجتماعية التي يفترض أنها معدة للذكور. وفي المقابل أجساد النساء يجب أن تكون ناعمة ورقيقة ومتناسقة، بما يترجم معايير القوام المثالي التي تصوغها كل ثقافة على حدة.
كما يفترض فيها أنها غير فاعلة في الأشغال اليومية، خاصة تلك التي تتطلب مجهودا بدنيا وقوة جسدية.
ورغم التقاطعات بين المجتمعات في خاصية مركزية الذكورة، وهامشية الأنوثة. لكن صفات الذكورة تتباين من ثقافة لأخرى، فكل مجتمع يحدد صفات ذكورته الخاصة. وقد يضم المجتمع الواحد عدة أنماط للذكورة. كما يتأثر مفهوم الذكورة بمعيار الزمن، فتتشكل بعض أو جل خصائصه انسجاما مع روح كل حقبة.
إن الذكورة جزء من البنية الاجتماعية الأبوية التي تنتج وترعى ديمومة الثنائية الجندرية ( رجال / نساء ).
وفي سيرورة البناء الإجتماعي للجندر. ينتظر المجتمع من النساء ثقافيا أن يتصفن بكل ما هو نقيض للصفات الرجولية.
ومن منطلق الحرص على هذا التقسيم الجندري، يتم وصم النساء "بالاسترجال". إذا أظهرن ما يخالف معايير بناء المونث.
وأحيانا يتم الثناء عليهن بالقول "مرجلة تبارك الله".
والرجال أيضاً إذا تصرفوا عكس معايير الرجولة، يتم وصمهم بعبارات عديدة من قبيل مناداتهم بأسماء إناث أو نعتهم ب"مريوة" وهو تصغير لكلمة "مرا". ويستعمل في العامية المغربية للتحقير.
ومن سمات الرجولة المرتبطة بالذكور، نستحضر صفات القوة المادي منها والمعنوي، حيث يفترض فيه المجتمع أن يكون عقلانيا، ومتحكما. وغير مسموح له بالتعبير عن ضعفه وهشاشته أو حتى حزنه، بسلوكات من قبيل البكاء.
أيضاً عليه أن يكون "غيورا" على قريباته من النساء، فهن شرفه، ومن الواجب عليه أن يفرض سيطرته على حياتهن، كأن يتحكم في مظهرهن واختياراتهن وسلوكهن، وغيرها من الصفات الأخرى، ومن لا ينضبط لهذا يسمى "ديوثيا". ويطلق عليه بالعامية المغربية؛ "ماشي راجل". وهذه العبارة تصنف على أنها درجة عالية من التحقير، غالبا ما يتم الرد عليها باستعراض بعض سمات الرجولة من قبيل: افتعال الشجار والصراخ وكذلك الاعتداء، واستدعاء قاموس الشتائم ذات الايحاءات الجنسية، والتي توجه عادة للأم وقريبات الطرف الآخر بغرض النيل منه معنويا.
فضلا عن هذا تُلزم الذكورة الرجل بمهمة إعالة عائلته، فهو الراعي لنساء أسرته حتى ولو كن أكبر منه سنا.
ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن التغييرات الحاصلة على منظومة التقسيمات الجندرية، جعلت اليوم مفهومة الذكورة يعيد ترميم نفسه، وانتاجها في لبوس جديدة لضمان استمرار الاخضاع وفق الشروط الحالية. فمثلا الضرورة الاقتصادية، واحتياجات السوق الشره إلى المزيد من مراكمة الأرباح فتح الباب لولوج النساء إلى سوق الشغل وتأنيث قطاعات بأكملها، وهو ما وفر جيشا من اليد العاملة الرخيصة والمتصالحة لحد بعيد مع الاستغلال، هذا من جهة ولكن من جهة أخرى أحدث تصدعا في الصرح الذكوري خاصة في المجتمعات التقليدية، كما أن الأزمات الاقتصادية وتعميم البطالة أصبح اليوم يسائل بإلحاح النمط التقليدي للذكورة في مجتمعاتنا.
يكفي أن نشير إلى أن الاحصائيات الرسمية الأخيرة في المغرب أشارت أن 21 ٪ من الأسر المغربية تعليها نساء.
إن أهمية الجدل حول تحولات الذكورة، تفسر نزوع مجموعة من الدراسات والتحليلات إلى تعقب وتحليل الأزمة التي تعصف بها، وفي هذا السياق سنتوقف عند مساهمة عالم الاجتماع "روبورت كونل"، والذي قام بطرح نظرية شاملة عن العلاقات الجنوسية، مكنته من صياغة تحليل شامل للنظام الجنوسي.
ومن منطلق أن التفاوت في السلطة بين العلاقات الجنوسية أساسه هو نسق تبريرات وافتراضات تدعمها مؤسسات اجتماعية سلطوية. جاءت نظرية كونل في اثنين من مؤلفاته هما: الجنوسة والقوة الصادر سنة 1987، وأنواع الذكورة الذي رأى النور سنة 1995.
يحلل كونل النظام الجنوسي من خلال تفكيك ممارسات يومية، وأنماط سلوكات يتم إنتاجها بوثيرة لا تنقطع وهي التي تعزز بقاء تراتبية النظام الجنوسي.
من بين الاسئلة الهامة التي ركزت عليها نظرية كونل هي الكيفيات التي تتمكن فيها القوة الإجتماعية التي يتمتع بها الرجال في خلق اللامساواة الجنوسية والحفاظ عليها.
ويرى أن العلاقات الجنوسية في المجتمعات الرأسمالية الغربية مازالت خاضعة للسلطة الأبوية، حيث أن أنماط الذكورة والأنوثة في مستوياتها الفردية وكذا الموسسية خاضعة لمسلمة هيمنة الرجال على النساء.
ويطرح العلاقة الجنسانية في ارتباطها بالنظام الجنوسي من خلال الإشارة إلى الجوانب المؤثرة والفعالة في هذا النظام، والتي حددها كونل في: العمل، والقوة ثم العلاقة الشخصية أو الجنسية.
تتمظهر في العمل من خلال توزيع المسؤليات داخل المنزل أو في سوق العمل بما يتضمنه من تقسيم للمهن الذكورية والأنثوية وتفاوت الأجور.
بينما القوة تتجلى في طبيعة العلاقات الاجتماعية من خلال محاورها: السلطة والعنف والايديولوجيا في المؤسسات، والدولة وكذا مجال الحياة العسكرية والبيتية.
أما العلاقات في الخاصة والشخصية، فتبرز من خلال الفروق في ممارسات الأنشطة الشخصية أو الجنسية للأفراد على اختلافات جندرية.
اكتسبت نظرية كونل أهميتها لأنها جمعت مفاهيم البطريركية والذكورة في نظرية شاملة عن العلاقات الجنوسية.
لقد انصب اهتمام كونل على دراسة وتحليل الذكورة بشكل كبير بحيث يرى تجليات الذكورة تشكل جانبا محوريا في نظام الجنوسة، ولا يمكن الفصل بينهما أو فهم وتفكيك الذكورة بمعزل عن تأثيرات هذا النظام، وهو ما يتوافق بالضرورة مع الوقوف على مختلف تمظهرات الأنوثة في ماهيتها الإجتماعية.
ينطلق كونل في معرض حديثه عن الذكورة كمفهوم اجتماعي، من أن ثنائيتي الأنوثة والذكورة، تتخدان أشكالا متنوعة باختلاف المجتمعات والثقافات، وقد تعدد تجلياتهما داخل المجتمع الواحد، وعلى المستوى المجتمعي. وهو ما يجعل الحديث عن نموذج واحد للذكورة والأنوثة غير ممكن.
حيث يرى أن هناك الأشكال المتباينة، يوحدها نظام تراتبي تشتغل كل مستوياته على ديمومة هيمنة الرجال على النساء. استخدم كونل نموذج مثاليا للذكورة والأنوثة في الهيكل التراتبي الذي وضعه. حيث وضع في قمة هذا الهرم ما أطلق عليه مفهوم "الذكورة المهيمنة"؛ ويقصد بها النموذج والمعيار الذي تخضع لها جميع أنماط الذكورات والأنوثات الأخرى في المجتمع.
الهيمنة هنا تحيل فى إلى السطوة الاجتماعية التي تمارسها مجموعة ما في المجتمع، ليس بالقوة المادية بل عن طريق نسق متكامل من القيم الثقافية التي تتغلغل في جزئيات الحياة الخاصة، كما ميادين الأنشطة الاجتماعية المختلفة.
تنتج وتسيطر هذه الهيمنة كما يعاد إنتاجها عبر قنوات متنوعة منها؛ وسائل الإعلام والاتصال ومختلف مؤسسات التربية والتعليم والتوجيه الثقافي والمذهبي.
يؤكد كونل على أن الهيمنة الذكورية تبدأ من العلاقة الجنسية والزواج، لتواصل ممارسة السلطة والقوة، والعمل المأجور، والقوة الجسدية المادية.
كما أشار إلى تجلي بعض مظاهر الهيمنة الذكورية في نماذج عديدة من نجوم السينما الحديثة.
إن الفئة التي تمثل الذكورة المهيمنة في حياتنا الواقعية هي في الحقيقة قلة قليلة من الرجال، في حين الأغلبية، فهي تنتمي إلى النموذج النمط الثاني من الذكورة، وهو ما أطلق عليه كونل "الذكورة المتواطئة". وهي فئة تستفيد من الوضع العام في المجتمعات الأبوية.
أما النمط الثالث، فهو "الذكورة المهمشة"، أهم سماتها هو أنها تقبع في الحضيض، فهي تحيل إلى جماعة الرجال من ذوي الميول الجنسية المثلية، وهي الفئة توصم من جانب من ينتمون إلى النموذج الأعلى اي "الذكورة المهيمنة"، بحيث بعتبرونهم مفتقدين للرجولة الحقة، وذكورتهم غير أصيلة مما يبرر احتقارهم ونبذهم ومحاصرتهم بالوصم الاجتماعي.
إن تعقب تجليات بناء الذكورة، وتتبع تمظهرات أزمتها، وكيفيات تعبيرها عن نفسها في مجتمعاتنا المعاصرة. مهمة لا يمكن أن تتم دون التوقف الرصين عند الأنوثة كمعطى اجتماعي غير جاهز، بل يخضع في عملية بنائه لسيرورة إنتاج موجَّهة.
هذه السيرورة التي تخلق المؤنث المعيار، وبتأثير التغيرات الإجتماعية كسمة متأصلة في تاريخ البشري.وما يرافقها من تداعيات تلقي بظلالها على هندسة المجتمع الذكوري. فتحدث تصدعا، وهو ما يجعل من الحديث عن نمط واحد للأنوثة مجانب للحقيقية.
وفي معرض حديثنا السابقةعن أنماط الذكورة ( المُهيمِنة/ المتواطئة/ الخاضعة)كما وضعها "كونيل". من المفيد أن نشير إلى أن تنوع أنماط الأنوثة لا يغير حقيقة احتلالها مواقع متدنية خاضعة في هرم الترتيب الإجتماعي، بفعل سيادة نظام ذكوري.
وتتمحور خصائص النساء وتصنيفاتهن حول أنساق قيمية تدور كلها في فلك تلبية مستلزمات هيمنة الرجال وخضوع النساء، وتتصف في العموم بصفات الامتثال والانصياع والرعاية والتعاطف والتضحية.
يعمل البناء الذكوري على إضفاء الطابع الحميمي على مختلف أشكال التبعية والسلبية، وهو ما يجعل النساء يتحملن أعباء مجانية ومضنية من منطلق أن نوعهن الإجتماعي، سماته التحلي بالصبر، لتكون أما مثالية، وزوجة مثيرة ومطيعة، وأختا خلوقة، كما عاملة نشيطة…الخ.
هذه الصفات تقدم على أنها اعتراف بمجهوداتهن، فيجبلن على السعي وراء بذل مزيد من الجهد، وتقديم مزيد من التضحيات ليحصلن على الرضى الإجتماعي حتى لم كان على حساب كرامتهن وراحتهن، هربا من معاقبتهن بالوصم، كنساء غير نموذجيات من خلال ترسانة معدة مسبقا : عانس - عاهرة - صاحبة الكيد - قبيحة- عاقر - مطلقة ….الخ.
وفي المفهوم العام السائد في قاموس الذكورية المهيمنة، ترتبط أنواع الأنوثة هذه في أوساط النساء الشابات بالجاذبية الجنسية، والمظهر الخارجي للمرأة.
بينما حالات النساء اللواتي تقدمن في العمر، تغلب على الأنوثة صفات الأمومة.
فاكتمال الأنوثة رهين بالانجاب. وغالبا ما تتم المفاضلة بين من أنجبت ذكورا، ومن ولدت إناثا.
وتقبع النساء غير قادرات على الانجاب في قاعدة هرم الأنوثة المرتكزة على القدرة الانجابية.
إن سيادة نظام اقتصادي، يجعل الربح غاية تبرر كل وسيلة، جعل التسليع آلية مثالية لفتح سوق مزدهرة.
ومن هنا يتم التأكيد والمبالغة في إبراز الأنوثة اليافعة الذي تركز على الجاذبية الجنسية، بحيث يتم استغلالها والاتجار بها عبر وسائل الإعلام والإعلانات ومختلف حملات الترويج والتسويق، عبر مفاهيم الموضة والجمال المعياري، بسمته العنصرية التي تعلي من شأن المرأة البيضاء على حساب المرأة السوداء.
كل ما سبق لا ينفي بروز نزعات التمرد والمقاومة في أوساط قطاعات وشرائح معينة داخل إطار الأنوثة الخضوعية، فيتم رفض مقاييس الهيمنة الذكورية السائدة، لتشق لنفسها طريقا مختلفا وأسلوب حياة متميزا.
ويرافق كل هذا ما أشرنا له سالفا، بخصوص تغير في طبيعة الهويات التي تتخذها مجموعات من النساء لأنفسهن.
وغالبا ما تتمظهر نزعات التمرد هاته في قطاعات وشرائح من النساء من قبيل الفئة النشيطة في سوق العمل أو النساء المبدعات في صنوف الفكر والآداب والفنون أو مجالات العمل العام.
إن تعدد أنماط الأنوثة، والتصدع الذي تحدثه التحولات الإجتماعية كما نزعات التمرد النسائي، لا يخفي حقيقة أن هوية المجتمعات اليوم هي سيادة نظام مهيمن اقتصاديا، ثقافيا، اجتماعيا، وسياسيا. وإن اختلفت وتفاوتت درجة هيمنته من ثقافة لأخرى، ومن حيز جغرافي لآخر.
في ذات السياق يستمد مفهوم الذكورة طباعه من البيئة الاجتماعية التي أنتجتها، ومن منطلق كون التغير هو السمة الثابتة في المجتمعات البشرية. فإن النوع الإجتماعي مفهوم دينامي يعاد بناؤه وتصورها اجتماعيا؛ حيث أن الذكورة معطى غير جاهز بل يتم بناؤه باستمرار، ومن الطبيعي أن يعرف تقلبات.
وفي هذا السياق أشار كونل في دراساته إلى ما أطلق عليه "الأزمات الثلاث"؛ ويعتبر كونل هذه الازمات تهديدا فعليا لنسق الهيمنة الذكورية الكاملة في جميع المجتمعات خاصة المجتمعات الغربية.
تعرضت التوجهات الجندرية العامة في المجتمعات المعاصرة للكثير من عمليات التغير والتبدل التدريجي البطيء التي ستظهر آثارها لا محالة على المدى البعيد.
ويرى كونل أن أزمة الجنوسة تتخذ ثلاثة أشكال :
الشكل الأول، هو أزمة المأسسة، المؤسسات بسماتها الحالية آلية إنتاج ورعاية للهيمنة، تعمل على اخضاع النساء مقابل سيطرة الرجال، لكن حدود تحكمها تراجعت، فمثلا مؤسسة الأسرة التقليدية، بدأت تفقد جزء من سطوتها.
ونستحضر هنا بدائل الزواج في المجتمعات الغربية كمظاهر تمس جوهر هوية الزواج كمؤسسة اجتماعية ناتجة عن الهيمنة، وتعيد انتاجها. مثال ذلك : العلاقات الجنسية المثلية، التي بدأت تبرز كعلاقات ارتباط طويل الأمد، تؤسس لنمط مغاير للأسرة عبر المساكنة، وتبني الأطفال.
كما نذكر ظاهرة المعاشرة؛ ويقصد بها عيش رجل وامرأة بالغان سويا، ولمدة طويلة نسبيا تحت سقف واحد حياة زوجية دون الارتباط رسميا برابطة الزواج، وقد ينجبان أطفالا. ويتم إضفاء الطابع القانوني على عدة جوانب من هذه العلاقة من قبيل؛ حقوق التملك، والارث.
وبحسب أحد المسوح الإجتماعية التي أجريت بدول الاتحاد الاروبي، ترتفع نسب الداعمين للمعاشرة في كل لوكسمبورغ، ألمانيا، اليونان.
إضافة إلى أن كونيل يعتقد أن شرعية سيطرة الرجال على النساء بدأت بالفعل في التآكل بسبب الجانب التشريعي أيضا، فما تعرفه القوانين بجميع المجتمعات مع تفاوت الدرجات في مجالات عدة منها : الطلاق والعنف المنزلي والاغتصاب ..الخ. فضلا عن الاعتبارات الاقتصادية الأخرى مثل قوانين الضريبة والتقاعد. أما ثاني شكل لهذه الأزمة كما أقره كونل، فيتمثل في النشاط الجنسي. ولعل أقوى مظاهرها ارتفاع منسوب وعي النساء بأن لهن كامل الحق في التمتع بالعلاقة الجنسية باعتبارهن فاعلا وشريكا وذاتا فاعلة لا مجرد متلق سلبي للفعل أو موضوعا له.
فالتحكم في أجساد النساء وامتلاكهن لطالما كان رهانا ذكوريا، يجرد النساء من كيونتهن ويقوقعهن في دائرة الحريم، ويؤطر هذا بمفاهيم براقة ظاهريا لكنها مهينة باطنيا ( الشرف / القيم / الأخلاق العامة ..).
والخطاب الذي يسوق نفسه كبديل لهذا الفهم التقليدي الذي يهيمن في الانماط الإجتماعية التقليدية، هو النموذج الرأسمالي التسليعي، الذي يطرح مفاهيم الحقوق الجنسية والانجابية في لبوس ليبرالي، لا يؤمن بجوهر سيادة النساء على أجسادهن كمطلب سياسي، وفي المقابل يؤسس للسيادة الاقتصادية والسياسية على أجساد النساء لتخضع لبورصة السوق، ويتم تداولها تحت قانون العرض والطلب في سيرورة السعي المحموم نحو مراكمة الأرباح.
بعيدا عن الفهم التقليدي بمرجعيته الرجعية، وكذلك خارج حدود قواميس التسليع، ننزع نحو الخيار الذي يشن حربه على الفهمين أعلاه بنفس الحده، لينتج نموذجا تحرريا ضامنا للكرامة الانسانية الحقيقية للمرأة.
وبخصوص الشكل الثالث والأخير لأزمة نظام الجنوسة حسب كونل، فهو تكوين المصالح، حيث نشأت مؤخرا مؤسسات وجمعيات واتجاهات ترفع شعارات معارضة للنظام الجنوسي القائم، وترفع مطالب حقوق النساء المتزوجات، في محاولات للحد من الميول التي تنتقص من قدر المرأة أو تهمش دورها حتى على مستوى استعمال اللغة المتداولة بين الناس بصيغة المذكر.
يقر كونيل أن هذه المؤثرات أو الأزمات الثلاث كما سماها، تحتاج وقتا طويلا لتحدث تغييرا حقيقيا في جوهر النظام الجنوسي، لكن الحقيقة المؤكدة هي أنها أكيد ستحرز نتائجها على المدى البعيد في علاقتها بالأفراد وتمثلاتهم، وكذلك الجماعات ونمط عيشها وقيمها. وذلك من خلال إحداث التصدع ثم الهدم عبر إلغاء مختلف جوانب التفاوت القائم بين الجنسين، وهو ما يعد مراكمة حقيقية لتحقيق المساواة والقضاء على الهيمنة الذكورية.
نيان الذكورة، سنتوقف عند صور لبعض نماذج تحول النزعات الذكورية.
إلى جانب كونييل تحدث علماء اجتماع آخرين عن أزمة الذكورة في العصر الحديث.
وقد شكلت مقارباتهم موادا تعقبت خطى هذه الأزمة، ليس رغبة في الانتصار للآخر أي المؤنث بغرض تعزيز هويته، بل وعيا منها بما يعتري الهوية الذكورية من ضعف وتآكل بفعل نتيجة الأزمات الاجتماعية البنيوية.
إن التحولات الحاصلة في النزعات الأبوية، تعلن عن نفسها من خلال العديد من التغيرات التي نلمسها في الظواهر الإجتماعية التي أصبحت سمة بارزة مثل: البطالة، والجريمة والتطور الحاصل في وسائل الإعلام في المجتمعات الحديثة.
وفي هذا السياق نستعرض إحدى الدراسات الهامة، والتي قامت بها عالمتا الاجتماع "ساره ویلوت" و "كريستين غريفن"، سنة 1996، وهو بحث راهن على تحليل أزمة الذكورة من خلال دراسة مجموعات من الرجال عانوا من البطالة لفترات طويلة في إنجلترا.
وقد استهدفت عينة البحث هاته هؤلاء الرجال، لأنهم يعيشون في منطقة بمقاطعة غرب ميدلاندز، المعروفة بارتفاع معدلات البطالة والفقر.
تعمل هذه المجموعة المعنية على البحث عن العمل لكسب القوت، والتمكن من إعالة انفسهم وعائلاتهم من خلال الدخل المحصل عليه. في محاولة منهم تجاوز الاعتماد على المساعدات والمعونات التي تقدمها الدولة، من منطلق أنها ترعى ديمومة البطالة، وتنتج العزوف الطويل عن العمل المنتج مما يعني تقويض النموذج المثالي للذكورة.
كما تؤدي إلى تصدع تقديرهم لذواتهم، فهي بذلك تمثلهم لنوعهم الإجتماعي، وتضعف مكانتهم لدى عائلاتهم ولدى أصدقائهم ورفاقهم، خاصة العاملين منهم.
هذا االوضع لم يقد إلى إنهيار سيطرة الرجال على النساء بشكل كامل، لكنه أدى إلى اختفاء الكثير من عناصر الذكورة التقليدية بين الرجال.
وإلى جانب البطالة، تحضر الجريمة كجانب آخر من أزمة الذكورة المعاصرة، حيث اتجهت عدة أبحاث في الدرس السوسيولوجي إلى الربط بين تصدع مفهوم الذكورة التقليدية من جهة وبين عدة ظواهر اجتماعية المترابطة من قبيل السلوك الجماعي العنيف، والفقر من جهة أخرى.
وفي هذا السياق أشارت الباحثة "بياتركس كاميل"، في دراستها المنجزة سنة 1993، إلى وجود تغير كبير في دور الرجال، خاصة الشباب؛ فالتصوّرات والتوقعات الاجتماعية المنتظرة منهم بحكم نوعهم الإجتماعي، في مختلف المناطق والأحياء التي تعرف انتشارا واسعا للجريمة في المجتمعات الحديثة تشكل بالنسبة لهم ضغطا وعبئا إضافيا أكثر من كونها امتيازا، بحيث أنها لا تتوقف عند سلطتهم على النساء بل يرافقها مسؤوليتهم تجاه هؤلاء النساء من إعالة ورعاية.
فإذا استحضرنا فترات سابقة من تاريخ المجتمعات الحديثة، نجد أن فئة الشباب كانت تطمح إلى أداء دورها التقليدي في المجتمع ( يصير شابا بالغا ويحصل على عمل يكسب منه رزقه، ويؤمن الدخل الكافي لنفسه ولعائلته ).
لكن التغيرات والتحولات الإجتماعية الحاصلة على المجتمعات المعاصرة، واذا توقفنا عند الأحياء الهامشية والاوساط الفقيرة نجد أن دور المعيل بدأ يتأكل ويختفي بفعل تعميم البطالة، وضعف فرص الحصول العمل، وارتفاع تكاليف العيش.
وفي ظل هذه التقلبات، يمكن الحديث على أن النساء حصلن نسبيا على مساحة أكبر من الإستقلالية نظرا لخروجهن لسوق الشغل، بل برزن كمعيلات لأسرهن إلى جانب اضطلاعهن بكافة شؤون الرعاية المنزلية التي توكل لهن في اطار التقسيم الجنسي للعمل بعض النظر عن كونهن عاملات أو لا.
إن كل ما سلف يلقي بظلاله على حياة النساء من جهة، فتصبح مكانتهن متجهة نحو ذاتهن بمعزل عن اعتمادهن على الرجال في المجتمع.









