الحركات الاجتماعية

تقرير حول معركة اوطم القنيطرة والمعتقلين السياسيين

تقرير حول معركة اوطم القنيطرة والمعتقلين السياسيين

تأتي معركة أوطم موقع القنيطرة في سياق توتر متصاعد داخل الجامعة العمومية بالمغرب، على خلفية ما يسمى بمخطط "التخريب الجامعي" الذي يتجسد تشريعيا في مشروع القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي. هذا القانون ينظر إليه من طرف مكونات الحركة الطلابية كحلقة جديدة في مسار خوصصة الجامعة، إخضاعها لمنطق السوق، وضرب ما تبقى من استقلاليتها ووظيفتها العمومية، مقابل خطاب رسمي يقدم النص كـ"إصلاح بنيوي" و"قفزة نوعية" في حكامة الجامعة.
من داخل هذا التناقض، تتبلور رؤية فصيل الطلبة القاعديين التقدميين والاتحاد الوطني لطلبة المغرب: الجامعة ليست مجرد مؤسسة تقنية لإنتاج الشهادات، بل فضاء للصراع الطبقي، ولتنظيم الجماهير الطلابية كرافد من روافد حركة التحرر الشعبي والديمقراطي.
الحظر العملي المفروض على أوطم منذ 1981 يقرأ هنا كخيار سياسي ممنهج لقطع هذا الامتداد بين الحركة الطلابية والحركات الجماهيرية الأوسع.

_ الشرارة المباشرة للمعركة

هناك اسباب عديدة منها اضراب شامل عن الدراسة لمدة شهر بسلك الاجازة وشهر ونصف بسلك الماستر رفضا لهذا القانون وكذلك (الامتحانات ) التي يمكن اعتبرها
الشرارة المباشرة للمعركة و كان قرار إجراء الامتحانات في كلية العلوم (ومواقع أخرى بجامعة ابن طفيل) في ظل ظروف استثنائية مشحونة، مع رفض واسع في صفوف الطلبة الذين اعتبروا أن الشروط البيداغوجية والنضالية غير متوفرة، وأن تمرير الامتحانات في هذا السياق ليس سوى خطوة لفرض سياسة الأمر الواقع.
أمام هذا الوضع، اختارت الجماهير الطلابية خطوة نوعية: مقاطعة شاملة للامتحانات وهي الاخرى نتيجة لمسار وسلسلة طويلة من التماطل، خصوصا في كليتي العلوم والاقتصاد، واعتبار أي امتحان يمر تحت الحصار والترهيب امتحانا فاقدا للمشروعية الأخلاقية والتربوية.
من منظور الفصيل، هذه "امتحانات " تستعمل كأداة سياسية لكسر إرادة الطلبة، وتجريم الفعل النقابي، وإظهار الإدارة والوزارة بمظهر من "يستكمل السنة الجامعية بأي ثمن".

_ التدخل الأمني وبولسة الحرم الجامعي
رد الجهات المعنية والإدارة لم يكن عبر الحوار أو فتح قنوات تفاوض مع ممثلي الطلبة، بل عبر تدخل أمني عنيف داخل الحرم الجامعي.
تم "تدنيس الحرم الجامعي" وتحويله، كما جاء في البيان، إلى فضاء للقمع والاعتقال السياسي، حيث انتشرت القوات وعناصر البوليس السري بين المدرجات والممرات، وجرى دفع الطلبة بالقوة نحو قاعات الامتحان في محاولة يائسة لكسر خطوة المقاطعة.
التدخل ترافق مع إرغام الطلبة بالعنف على اجتياز الامتحانات تحت التهديد والترهيب.
اعتقال الطلبة من داخل الكليات على خلفية احتجاجهم ومقاطعتهم، في خرق واضح لحرمة الجامعة وحق الاحتجاج السلمي.
خلق جو رعب داخل الجامعة، يهدف إلى عزل المناضلين عن قاعدتهم الجماهيرية، وتحويل كل تعبير طلابي منظم إلى "جريمة".
من وجهة نظر الفصيل والبيانات "بولسة الجامعة" هنا ليست مجرد حضور ظرفي، بل خيار سياسي لتأديب الحركة الطلابية وفرض منطق التدجين على حساب منطق النقاش والديمقراطية.

_ الاعتقالات والمتابعات – من هم المعتقلون وما هي خلفية اعتقالهم؟

خلال التدخلات الأولى، تم توقيف سبعة مناضلين يوم الاثنين، وضعوا تحت الحراسة النظرية، مع برمجة تقديمهم أمام وكيل الملك لاحقا. في اليوم الموالي، جرى اعتقال أزيد من خمسة عشر طالبا وطالبة، أطلق سراح أغلبهم، مع الاحتفاظ بأربعة ستتم متابعتهم في حالة اعتقال.
في البيان الذي نشره الطلبة القاعديين يذكر بالاسم عددًا من المناضلين المستهدفين بالاعتقال السياسي: الرفاق سعيد بليوق وبلال بن طاطا وعبد المنعم كروش والعلمي حمان، في استمرار لسلسلة من الاعتقالات التي تستهدف مناضلي فصيل الطلبة القاعديين التقدميين وأوطم بموقع القنيطرة.
الاعتقالات تقدم في الخطاب الطلابي باعتبارها "جرائم سياسية في حق الجامعة العمومية وطلبتها"، لا مجرد تطبيق للقانون الجنائي، لأنها مرتبطة مباشرة بنشاط نقابي مشروع داخل الجامعة، وبمقاطعة الامتحانات احتجاجا على قانون 59.24.
في بيانات الفصيل والاتحاد، يربط هذا الاعتقال السياسي بطبيعة النظام القائم، الذي يعادي كل تنظيم جماهيري مستقل، ويرى في الجامعة فضاء يجب تدجينه بدل تركه كساحة للنقاش والنقد.
كما يتم التأكيد على أن هذا المسار ليس معزولا بل امتداد للحظر العملي المفروض على أوطم منذ 1981، ولتاريخ طويل من القمع الذي طال هذا الفصيل بالذات بموقع ابن طفيل.

_ خطوات الجماهير الطلابية ومسار المعركة ميدانيا

يمكن ترتيب خطوات المعركة في جامعة ابن طفيل بالقنيطرة كالتالي، في تسلسل يعكس التصعيد النضالي من الإعداد الداخلي إلى التوسع الوطني، بدأت المعركة بمرحلة الإعداد والنقاش الداخلي، حيث شهدت صفوف الطلبة نقاشا جماهيريا حول خطورة مشروع القانون 59.24 ومآلات تخريب الجامعة العمومية، مع التركيز على تراجع شروط التحصيل العلمي والاجتماعي. بلور فصيل الطلبة القاعديين التقدميين ومكونات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أوطم) بموقع القنيطرة موقفا موحدا يرفض تمرير الامتحانات في هذه الظروف، معتمدا مقاطعة الامتحانات كخطوة نضالية مركزية.
انتقلت الأمور إلى إعلان المقاطعة وتنفيذها، عبر دعوة شاملة لمقاطعة الامتحانات، مصحوبة بتعبئة جماهيرية في المدرجات والساحات لإقناع الطلبة بعدم اجتياز "الامتحانات". رافقت هذه الخطوة تنظيم حلقات نقاش وبيانات وملصقات داخل الجامعة، تشرح الخلفيات السياسية والتربوية للمعركة، وتربطها بالمخططات التشريعية الجارية مثل قانون 59.24.
ثم جاءت مرحلة التصدي، حيث استمر الطلبة في المقاطعة رغم تطويق الجامعة أمنيا، مما حول أيام 19 يناير فصاعدا إلى محطات ميدانية حامية بعنوان "الجامعة تحت الحصار". تصدوا سلميا لمحاولات دفع الطلبة بالقوة إلى قاعات الامتحان، مع تنديد بتدنيس الحرم الجامعي وفضح منطق القمع بدل الحوار.
تلت ذلك بيانات الإدانة والتأطير السياسي، أبرزها "بيان إدانة – الجامعة تحت الحصار" الذي يقدم تشخيصا سياسيا واضحا بأن الامتحانات لا يمكن ان تمر في هكذا اجواء، واستقلالية الجامعة منتهكة، والقمع خيار رسمي للدولة والإدارة.
كما صدر "بيان تنديدي – التحدي قائم والمسؤولية تاريخية" من فصيل الطلبة القاعديين التقدميين، يربط الأحداث بالسياق الوطني العام، خطاب "مغرب الاستثناء"، مصادرة الحريات، واستعمال شعار "دولة الحق والقانون" كغطاء لتجريم النضال.
مع تصاعد الضغط، انتقلت المعركة إلى توسيع النطاق خارج أسوار الجامعة، عبر التأكيد على أن الحركة الطلابية جزء لا يتجزأ من الحركة الجماهيرية الديمقراطية.
ربطت المعركة بمعارك أخرى مثل نضال جيل Z، نضالات عمال سيكوم-سيكوميك بمكناس، معركة المحامين ضد قانون 66.23، ونضالات ضحايا الفيضانات. وجه نداء إلى القوى الديمقراطية والتقدمية والهيئات الحقوقية والنقابية للاصطفاف إلى جانب الطلبة، باعتبار ما يجري داخل الجامعة مرآة لما يحدث في المجتمع ككل.
شهدت المعركة تطورا نوعيا بـتأسيس لجنة الدعم والمطالبة بإطلاق سراح معتقلي أوطم القنيطرة وكافة المعتقلين السياسيين، وهي خطوة رفعت القضية من حيز طلابي محض إلى مستوى قضية رأي عام وطني ومحلي.
جمعت اللجنة – عمليا أو عبر النداء – قوى ديمقراطية وتقدمية وحقوقية ونقابية، إلى جانب الطلبة والأساتذة والفاعلين المدنيين. أصدرت نداء لوقفة احتجاجية تضامنية أمام المحكمة الابتدائية بالقنيطرة يوم الخميس 29 يناير 2026 على الساعة 12 زوالًا، تزامنا مع محاكمة معتقلي أوطم وشباب جيل Z، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المعتقلين، ووقف تجريم العمل النقابي والسياسي، واحترام حرمة الجامعة وحقوق الطلبة في التنظيم والاحتجاج السلمي.
أكد بيان لجنة الدعم نجاح الوقفة أمام المحكمة، مع حضور وازن للقوى الديمقراطية والمحامين وعائلات المعتقلين، مما يعني انتقال المعركة إلى مستوى تضامن مجتمعي أوسع، وتعزيز موازين القوى لصالح الطلبة في مواجهة الاعتقال السياسي

إلى أين وصلت القضية إلى حدود هذا التقرير؟
إلى حدود أواخر يناير وبداية فبراير 2026، يمكن تلخيص مال الملف في تسلسل مترابط يعكس استمرارية التوتر والتصعيد:
تبقى المتابعة القضائية مستمرة، حيث قدمت مجموعة من الطلبة المعتقلين أمام النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة بعد وضعهم تحت الحراسة النظرية، على خلفية احتجاجاتهم ومقاطعتهم للامتحانات داخل جامعة ابن طفيل. عرفت جلسات المحاكمة تأجيلات متكررة، كتأجيل الجلسة إلى 5 فبراير بناء على ملتمس من الدفاع والمعتقلين أنفسهم، مما يعكس رغبة هيئة الدفاع في توسيع النقاش القانوني والحقوقي حول الملف لتسليط الضوء على طابعه السياسي.
وفي الوقت ذاته، يعزز الطابع السياسي للملف من خلال بيانات الطلبة، كـ"بيان الإدانة" وبيان الفصيل، التي تطر القضية كاعتقال سياسي وليس مجرد إخلال بالنظام العام، معتبرة متابعة الطلبة امتحانا حقيقيا لشعارات "الاختيار الديمقراطي" و"دولة الحق والقانون".
يربط الملف باعتقالات سابقة مرتبطة بنضالات جيل Z، مما يمنحه بعدا جيليا وسياسيا واسعا، ويضعه ضمن مسار عام لتجريم الاحتجاج الشبابي في المغرب.
يشهد التضامن اتساعا ملحوظا، إذ نجحت الوقفة أمام المحكمة وأسفر تأسيس لجنة الدعم عن تجاوب واسع من قوى حقوقية وديمقراطية، مما يوكد تتبلور قضية معتقلي أوطم القنيطرة كقضية رأي عام تتجاوز أسوار الجامعة.
تنفتح البيانات الطلابية على نضالات أوسع كمعارك العمال والمحامين وضحايا الفيضانات، في محاولة لتشكيل أفق وحدوي يرسخ قناعة بأن المعركة واحدة والحرية لا تتجزأ.
داخل الجامعة، تستمر المعركة رغم القمع، حيث يعلن الفصيل أنها دخلت "مرحلة جديدة" تهدد باتساع رقعة الغضب الطلابي داخل الجامعة وخارجها إن لم يتراجع عن منطق القمع.
تظل الدعوة قائمة لمقاطعة الامتحانات، مع اعتبار كل استمرارية نضالية – سواء وقفات أو حلقات نقاش أو بيانات – جزءا من مسار فرض الحوار وإعادة الاعتبار للجامعة كفضاء عمومي مستقل.
بهذا المعنى، يبقى الملف مفتوحا على ثلاثة أبعاد مترابطة: قضائيا مع توالي الجلسات والتأجيلات، سياسيا مع استمرار الضغط الحقوقي والطلابي، وتنظيميا مع توسع أدوار لجنة الدعم وبناء أشكال تضامن جديدة، في انتظار تطورات قد تحسم مساره قريبا.

عن الكاتب

ابن الجبل

ابن الجبل

مناضل يساري

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *