الحركات الاجتماعية

زرايب العبيد: السرد النسوي وإعادة كتابة التاريخ

زرايب العبيد: السرد النسوي وإعادة كتابة التاريخ

لطيفة زهرة المخلوفي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غالبا ما تُختزل التجارب السردية في خانة مواد امتاع، ولا يتم التقدم في رؤيتها إلى ما هو أبعد من جمالية اللغة ودرامية الأحداث، غير أن الدور التي لعبته الكتابة النسوية في حقل الإبداع الأدبي إبان مرحلة تحول النساء من الشفهي الى المكتوب خاصة في المنطقة المغاربية والعربية وعموم الجنوب العالمي، أظهرت الحاجة الملحة إلى تجاوز هذا الطرح الاختزالي؛ فالكتابة السردية ضمن بلدان تصنف ضمن قاعدة الهرم العالمي أصبحت مادة معرفية كاشفة عن كيفيات تشكل الهويات في ظل الاستعمار، والهرمية، الغطرسة الغربية البيضاء، التبعية، والتهميش البنيوي. وهو ما جعل السرد فعلا سياسيا وتاريخيا. وغذت نماذج الأدب النسوي خاصة تلك التي ترفض أحادية نموذج التحرير كما يضعه المُهيمِن، تمرينا مكتوبا لاستعادة الصوت المسلوب، وتأريخ بديل لما تم طمسه أو تزييفه. السرد هنا لا يخرج من المركز، بل من الهامش، فيتحدث المهمّشون بأصواتهم، ويؤرّخون أوجاعهم من وجهة نظر الألم لا الامتياز.
مال السرد الجنوبي إلى كشف التواطؤ التاريخي بين السلطة واللون والنوع والطبقة، وأعاد كتابة الحكايات من داخل القهر، لا من خارجه. ومن النماذج الرائدة تطالعنا تجربة الكاتبة والأكاديمية الليبية "نجوى بن شتوان"، ولدت سنة 1970 في مدينة "إجدابيا". حازت ماجستير في التربية، واشتغلت كمحاضرة في جامعة بنغازي. وتحصلت درجة الدكتوراه في العلوم الإنسانية من جامعة "لا سابينزا" في روما، عن أطروحتها حول "تجارة العبيد في ليبيا خلال الفترة العثمانية"
"نجوى بن شتوان" واحدة من الأصوات الأدبية النسوية الجريئة في المنطقة المغاربية والعربية، دمجت في نصوصها الإبداعية قضايا شائكة من قبيل العبودية، التهميش، والهوية في المجتمع الليبي. تُرجِمت أعمالها إلى عدة لغات، منها الإنجليزية والإيطالية، كما شاركت في برامج زمالة أدبية دولية.
لم يقتصر ابداعها على القصة والرواية بل امتد إلى المسرح والشعر. ومن أبرز أعمالها على سبيل الذِكر لا الحصر : "وبر الأحصنة" الصادرة عام 2005، رواية "زرائب العبيد"، الصادرة سنة 2016 عن دار الساقي. رشحت ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2017.
يحيل عنوان الراوية "زرايب العبيد" إلى اسم أماكن سكن العبيد. حيث يُعزلون عن المجتمع، وتُعامل أجسادهم/هن وأنوثتهم كأشياء لا تستحق الاعتراف. تُعيد الرواية لهذه الأماكن صوتها، وتُحوّلها إلى فضاء سردي مقاوم.
تناولت الرواية تاريخ العبودية في ليبيا، عبر تسليط الضوء على المسكوت عنه من العلاقات الاجتماعية بين السادة والعبيد، من خلال قصة حب محرّمة بين "محمد" ابن العائلة المالكة، و"تعويضة" المرأة المستعبَدة.
تقاطعت في النص الروائي ثلة من القضايا الملحة ضمن حدود الجنوب العالمي من قبيل: التمييز الطبقي والعنصري، قمع النساء المهمّشات، والسلطة الأبوية والتقاليد الاجتماعية. إلى جانب الحرمان من الحب والحرية، وتعبيرات الهوية المختلطة والنسب المسكوت عنه.
استعانت المؤلفة بلغة شاعرية، مع حضور لافت لتقنيات الاسترجاع، ودمجت الأغاني الشعبية باللهجة الليبية، وهو ما منح الرواية طابعا ثقافيا يعزز الارتباط بالهوية المحلية. حمل النص بين ثناياه مشروعا أدبيا تفكيكيا يعيد كتابة التاريخ الليبي من داخل الزريبة؛ هذا المكان الذي سُجِنت فيها الأجساد المُستعبدة، والنساء المقصيّات عن الخطاب الرسمي. الرواية ليست مجرد تأريخ للعبودية، بل تَنقيب في الآثار الثقافية والنفسية التي خلَّفها نظام التفوق العرقي. فحتى إن ماتت الزرايب لازالت تعيش في نفوس كل ما تم استعبادهم بشكل آخر، ولم تتوقف صناعة العبودية لحدود العصر الحالي؛ بل انتشعت وتنوعت بشكل أشرس؛ فالرأسمالية تُعيد إنتاج العبودية في أشكال جديدة داخل وحدتي الإنتاج وإعادة الإنتاج ومختلف مناحي حيواتنا، والتقسيم العالمي الذي يُخضع تنظيم البدان، الثقافات، الأعراق، والأجناس لبنية هرمية جائرة يرعى ديمومة الرِّق.
المنظور النسوي الجنوبي للسرد، يتميز بأنه لا يقارب الجندر بشكل أحادي، بل ينطلق من تقاطعات الهيمنة؛ الطبقة، العرق، النوع، الاستعمار. وفي هذا النص تظهر "تعويضة"، كمرآةً عَاكسة لتداخل مختلف أنماط الهيمنة، حيث تُحرَم من الحب، والجسد، والصوت، وكل مُستلزمات الإنسانية الكاملة. وجسدها في الرواية ليس فرديا فقط، بل جسدا سياسيا، تُمَارس عليه مختلف أشكال الضبط الاجتماعي؛ من التشييء والحرمان من الحب، وصولا إلى حيف التراتبية الطبقية والجنسية. لكن "تعويضة" تستعيد من خلال الحكي جسدها كمساحة للكلام والرفض، وهو ما يكشف استلهام شخصية "شهرازاد" كنموذج للذات الفاعلة لا الضحية الصامتة.
ختاما، إن"الزرايب" مكان له رمزية عميقة في النص، فهو ليس مجرد سجن مادي، بل سجن سردي واجتماعي. حيث يتحول إلى رمز للطمس، لكن يُعاد كتابته عبر صوت المرأة، لتصبح الزريبة مساحة تذكّر ومواجهة ومقاومة. ويتجلى ذلك في توظيفه كآلية سردية لفهم البُنى الخفية، فالزريبة مرادف للعزلة الاجتماعية. والبيت الكبير يترجم سلطة السيد. أما المقبرة، فهي نهاية السرد الرسمي وبداية ذاكرة الهامش. وكل هذا يدفعنا إلى القول أن الرواية ليست مجرد سرد تاريخي عن حيوات العبيد؛ بل هي عمل متفرد يفكك ويتعقب أنظمة القهر المتعددة في قالب سردي لا يخلو من رؤية تحليلية نقدية واعية بأسس الهيمنة، ولأجل خَلْقِ التصدع في نسق الهيمنة تُعيد كتابة الهامش من داخله، لا من فوقه؛ فيتغير موقع "تعويضة" من مجرد امرأة مستعبَدة، إلى مؤرخة بديلة، وفاعلة سردية تُعيد للجنوب صوته وذاكرته ومكانته في التاريخ.

عن الكاتب

لطيفة زهزة المخلوفي

لطيفة زهزة المخلوفي

مناضلة يسارية

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *