من سلاح النقد إلى نقد السلاح
(هذه هي المقالة الأخيرة من فصل تحت عنوان : في سردية ماركسية جديدة)
برهنت الماركسية الكلاسيكية لنهاية القرن التاسع عشر عن حدودها التاريخية في ثلاثة قضايا رئيسية:1-تصور سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي وتعميمه على المعمور، حيت سادت النزعة المركزية الأوروبية في قراءة وتمثل العولمة الرأسمالية، وعدم رؤية الاستقطاب الرأسمالي العالمي بين المركز والمحيط 2-الفصل بين مالكي وسائل الإنتاج والمديرين التنفيذيين لتنظيم الإنتاج ومراقبته على مستوى القطاع الخاص والقطاع العام، 3-عدم إدراك تطور قوة الإنتاج من أجل تجديد النظام الرأسمالي، في مسألتين: ضرب الطابع المادي للإنتاج، أي خلق قطاع ثالث كبديل عن قطاعي إنتاج وسائل الإنتاج ووسائل الاستهلاك، بالاعتماد على الثورة التكنولوجية للمعلوميات والاتصال والآثمة والربو هات، ثم عدم تتمين قوة عمل العمل البيتي الذي يساهم في إعادة قوة العمل الطبقة العاملة لصالح الرأسمال.
بينما عبرت النظرية اللينينية عن حدودها التاريخية في مسألتين رئيسيتين:فقدان الطابع المركزي للطبقة العاملة بمعناه الكلاسيكي في قيادة النضال الثوري بعد بروز العمل المعرفي، والشكل السياسي-التنظيمي لتأطير وتنظيم وهيمنة الطبقة العاملة بالمفهوم الجديد، على ضوء تحولات الرأسمالية وسيادة المرحلة الجديدة من النيو-لبرالية، ثم الفصل بين نظام الشغل في الرأسمالية ومحاولة تطبيقه في النظام الاشتراكي.من خلال تكريس النزعة الإنتاجوية،المدمرة لقوة العمل والأرض.
انطلاقا من هذه التحديدات النظرية والسياسية، يتعين على الماركسيين في القرن الواحد وعشرين، الانتقال من سلاح النقد إلى نقد السلاح ، من أجل بلورة رؤية أكثر مطابقة لتحولات الرأسمالية وأشكال تنظيم الطبقة العاملة الجديدة، من أجل تجاوز إخفاقات الفترة السابقة، فالمرحلة الراهنة تقتضي ضمن ما تقتضيه الإسهام في توضيح والبرهنة على تصور جدير بالتغيير الثوري، استفادة من النقد البناء الذي خلفه عدد من الماركسيين المجددين في تطوير النظرية الماركسية.
نهاية دورة تاريخية كبرى
من نهاية دورة تاريخية كبرى إلى دورة أخرى
منذ نجاح الثورات البرجوازية الأوروبية خلال سنوات 1848 إلى فشل أول ثورة اشتراكية التي جسدتها كمونه باريس سنة 1871 ثم نجاح الثورة البلشفية في أكتوبر 1917 وما أعقبها من ثورات اشتراكية في أوروبا الشرقية ثم الثورات المماثلة في الصين وفيتنام وكوريا الشمالية وكوبا، إلى سيادة نمط "الاشتراكية الديمقراطية "بعد الحرب العالمية الثانية في البلدان الرأسمالية الغربية، وهيمنة حركات التحرر الوطنية في أغلب بلدان العالم الثالث منذ الستينات، حتى انهيار كل هذه التجارب التحررية مع نهاية الثمانينات من القرن الماضي، تكون دورة تاريخية كبرى قد انتهت وحلت محلها دورة تاريخية جديدة لم تكتمل بعد شروط تشكلها النهائية، وإن كانت الغلبة تظفر بها اليوم النيو-لبرالية، التي تؤثر بشكل عميق في السياسات العامة لمختلف بلدان المعمور، وترهن مستقبل الشعوب لمصائر التفكك الاجتماعي والحروب الأهلية وأزمة المناخ والتفقير المضاعف للحلقات الضعيفة في النظام العالمي الجديد، خاصة شعوب إفريقيا الجنوبية.
هذه التحولات العميقة غيرت بشكل جذري البدائل التي مورست في القرن الماضي، وأصبحت الضرورة الموضوعية تستدعي إعادة النظر في الخطاطات الكلاسيكية من أجل التحرر الاجتماعي والسياسي، هذا لا يعني عدم إدماج بعض العناصر التي ما تزال تحافظ على راهنيتها، لكن في إطار تصور أكثر شمولية.
سيكون من الأهمية بمكان تمثل التفكيك الممنهج والتدريجي لأنظمة الشغل الحالية، التي تقوم على هدم الطابع المادي للإنتاج، وتعميم أسلوب للإنتاج يتميز بالهشاشة والمرونة، وسيادة قطاع الخدمات عبرا لاستعمال المكثف لتكنولوجيا الإعلام والتواصل والأتمتة، ناهيك عن تقسيم الطبقة المنتجة الأساسية التي تنتج الثروة، وتفكيك أدوات المقاومة الكلاسيكية: النقابة والحزب، وتبعا لذلك تفترض الشروط الموضوعية للإنتاج الرأسمالي الجديد، وتغير الهوية الاجتماعية للطبقة الرئيسية المنتجة للثروة، التفكير بجدية في الرهان السياسي الذي يوحد هذه الطبقة الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير الثوري، عبر اجتراح الوسائل والأشكال التنظيمية القمينة بانتقال هذه الطبقة من طابع الكمون إلى طابع الوجود بالفعل، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال تجاوزالترسيمة الكلاسيكية التي دأب على تفعيلها اليسار منذ انهيار "الاشتراكية الفعلية" لكن دون جدوى، ولعل أكبر تحدي يواجهه اليسار في هذه المرحلة هو كيفية بلوغ الشكل الأكثر قدوة والأكثر تعبئة للطبقات الشعبية ، من خلال أدوات التنظيم النقابي والسياسي التي تستوعب بشكل أقوى تحولات النيو-لبرالية، وتطور أخلاق جديدة لتأهيل الحقل النقابي والسياسي، متجاوزة آفات العمل النقابي والسياسي المحجوزين.وبدون انتقال مشعل هذا الطموح للتغيير إلى الأجيال المقبلة كشرط ضروري ، ثم تجاوز الصيغ التنظيمية، الكلاسيكية في البناء التنظيمي التي أفقرت الموارد البشرية للتنظيمات اليسارية، لن يكتب النجاح لهكذا تحول في أداء وممارسة اليسار الذي يعرف ضعفا فضيعا من خلال نتائج السيرورات الثورية الجارية.
من أجل التنوير السياسي
عبرت روزا في مؤتمر شتوتغارت سنة 1896 على"أن النوع الوحيد من القوة التي ستقود إلى النصر هو الكفاح اليومي من أجل التنوير السياسي" هذا التنوير السياسي بالمعنى الكانطي أو انطلاقا من تأويل ماركسي لإرث فلسفة الأنوار، حكم رؤيتها السياسية إزاء مسألة'نقل الوعي السياسي إلى الطبقة العاملة" عبر الأداة السياسية المجسدة في:"الأمير الحديث" حسب تعبير غرامشي والذي اشتغلت عليه المدرسة النقدية الألمانية منذ الثلاثينيات من القرن الماضي، ومجموع المثقفين الماركسيين في الأمميات الأربع والأحزاب اليسارية بعد إخفاق "الاشتراكية الفعلية"، ظل هذا التأويل منسيا أو مأخوذا برؤية سياسية غير مبدعة ، بسبب الفشل الذريع منذ المحاولات الأولى للحزب الشيوعي المغربي مرورا بتجربة الحركة الماركسية-اللينينية، إلى المحاولات الجديدة لليسار الماركسي بمختلف مكوناته. تطرح هذه المهمة التاريخية اليوم في ظل مناخ سياسي وجدل فكري يغيب عجزا أو كسلا فكريا مجموع الإشكاليات التي طرحت في الماضي التي تكمن في إخفاق"الاشتراكية الفعلية" كما يتم تغييب الشروط الجديدة لوضعية الطبقة العاملة وعموم الكادحات والكادحين، في ظل هيمنة الطور الجديد من الرأسمالية الجديدة، ومن المؤشرات الدالة عن هذا الغياب لعقود من الزمان هو هزالة الإنتاج الفكري من طرف قيادات هذا اليسار الجدري، سواء تعلق الأمر بتجديد أدوات التحليل الماركسي التي اغتنت بمجموع الأبحاث النقدية في عدة مجالات تاريخية واقتصادية وسياسية ولسانية وثقافية وعلمية، أو بتعميق النقاش النظري حول التشكيلة الاجتماعية ومركزية الدولة في إعادة إنتاج الطبقات الاجتماعية، وإذا كانت تجارب اشتراكية القرن الواحد والعشرين تطرح مقاومة الاستغلال الرأسمالي والإمبريالية والصهيونية والعنصرية والنظام الأبوي(البطريركي) وتدمير البيئة، ففي المشاريع المقدمة لا نعثر على اجتهادات تمس مفاهيم الحرية والديمقراطية الشاملة والتحول الإيكولوجي للإنتاج وأساليب الحياة في المجتمع البديل كما تفتقد لمشروع مجتمع لا ينتج ميكانيزمات السلطة التي تعيدنا القهقرى .












