السياسة

لماذا لم يفلح اليسار في توظيف الوسائط التواصلية الجديدة كما فعل سابقا مع الجريدة المركزية؟

لماذا لم يفلح اليسار في توظيف الوسائط التواصلية الجديدة كما فعل سابقا مع الجريدة المركزية؟

فشل التنظيمات السياسية، خصوصا تلك المتشبثة بالبنية الكلاسيكية الهرمية، في إدماج الوسائط التواصلية الحديثة. ليس مجرد تأخر تقني أو ضعف طارئ يعيق الحضور الرقمي. بل إنه عجز بنيوي يمس جوهر التصور التنظيمي نفسه، و حدود نقله من سياقه التاريخي إلى واقع راهن تغيّرت فيه بنية المعلومة وآليات إنتاج السلطة داخل المجتمعات و بشكل جذري.

لينين صاحب أشهر تصور تنظيمي لم يشتغل خارج شروط عصره، بل بالعكس اشتغل بالمتاح آنذاك. و هو الجريدة المركزية. التي أدرك جيدا إمكانيتها فمنحها موقعا محوريا في مشروعه للتنظيم، واعتبرها «منظما جماعيا» يؤدي دور هيئة أركان سياسية وفكرية. عبرها يوحّد الخط السياسي، ينسّق بين الخلايا، تضمن وحدة الخطاب، ويجري الربط بين النظرية والممارسة. لم تكن الجريدة بالنسبة له أداة تواصل فقط، بل جزءا عضويا من بنية حزب مركزي، منضبط، وهرمي.

طبعا هذا الاختيار الواعي كان يعي طبيعة الوسيط نفسه. فالجريدة الورقية تقوم على انتقال المعلومة من الأعلى إلى الأسفل، من باعث مركزي إلى متلق جماعي. علاقة أحادية الاتجاه تسمح بتراكم الوعي، وبناء الانضباط، وإنتاج سلطة سياسية مركزية متماسكة. القارئ أو المتلقي هنا ليس شريكا في إنتاج الرسالة التواصلية ، بل موضوعاللتوحيه و للتأطير والتكوين. وهنا تحديدا تكمن قوة الجريدة المركزية: عقل جماعي منظم، لا ساحة نقاش مفتوحة.
أما اليوم و بعد أن فقد الإعلام المكتوب دور الصدارة في إيصال المعلومة ، و أصبحت الجريدة و المجلة و الدورية جزءا من منظومة تواصلية أكثر تعقيدا و متعددة الوسائط، فهل ما زالت المعادلة اللينينية قائمة اليوم؟.
وسائل التواصل الاجتماعي أعادت صياغة حركة المعلومة من جذورها. نحن أمام وسائط لا تنتقل فيها المعلومة عموديا، بل أفقياً وتبادليا. الباعث يتحول إلى متلق، والمتلقي يصبح منتجا للمحتوى، ومشاركا في صياغة الخطاب وتوجيهه. هكذا يتحول “الجمهور” إلى مجتمعات رقمية تفاعلية، سريعة، لامركزية، يصعب إخضاعها لمنطق الانضباط والضبط المركزيين.

هنا يتجلى مأزق التنظيمات ذات البنية العمودية. فهي تحاول، دون وعي كاف، إسقاط منطق الجريدة المركزية على وسائط لا تعترف بالمركز ولا بهيئة الأركان. والنتيجة حضور مرتبك، خطاب أحادي في فضاء تفاعلي، وخوف دائم من فقدان السيطرة على المعنى والرسالة.

الخلاصة بسيطة لكنها جذرية: لينين نجح لأنه كيف التنظيم مع المتاح في زمنه، لا لأنه فرض نموذجا فوق التاريخ و الواقع . أما اليوم، فإن البنية الحزبية، إذا أرادت استيعاب الوسائط المتاحة، مطالبة بأن تتكيف مع طبيعتها، لا أن تخضعها قسرا لمنطق تجاوزه الزمن. فحزب هرمي صارم لا يمكنه أن يسكن فضاء أفقيا دون أن يتصدع. وإذا كانت الجريدة المركزية هيئة أركان، فإن الشبكات الاجتماعية تفرض أشكالا أخرى من القيادة، والتنسيق، وإنتاج المعنى.

دون هذا الوعي، سيظل العجز قائما، و الضعف الإعلامي و الإشعاعي حاضرا وستبقى تنظيماتنا عالقة بين حنين إلى أدوات الأمس، وواقع جديد يشتغل بمنطق لا يعترف بالمركز ولا بالوصاية.

عن الكاتب

محمد السفريوي

محمد السفريوي

مناضل يساري

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *