حوارات ونقاشات

نحو قراءة أدق لمفهوم التناقض

نحو قراءة أدق لمفهوم التناقض

حلّ التناقض الداخلي هو ما يجعل مواجهة التناقض الخارجي ممكنة.

يستدعي اليسار مفهوم التناقض كلما ووجه بسؤال حول مواقفه من أنظمة أو حركات رجعية تتبنى خطاب ديني قروسطي و ترفع شعارات المقاومة.
و يضطر للعودة للمفهوم التناقض لتبرير مواقفه. لكن و بقليل من التمعن ، ما نقوم به اليوم في ساحات الصراع مع الكيان الصهيوني تحديدا ، هو تحويل هذا المفهوم الجدلي المعقد إلى مفتاح ميكانيكي مبسط: الخارج هو العدو، والداخل مؤجل. و هذا بالضبط هو قلب الخلل.
ماو تسي تونغ، في نصه المؤسّس “حول التناقض”، لم يعتبر أن التناقض مع الخارج يلغى النتاقض الداخلي ، بل أعلن شيئا أدقّ: حركة أي تناقض خارجي تمرّ عبر تناقض الداخل. و أضاف أن العلّة الأساسية في حركة الظاهرة كامنة في باطنها. وما يأتي من الخارج ليس سوى محفّز ثانوي. بهذا المعنى، حتى التناقض مع الاحتلال يظل محكوما بالطريقة التي تنتظم بها القوى في الداخل، وبالطبيعة الاجتماعية والسياسية للداخل.

تحويل مقولة “التناقض الرئيسي/الثانوي” إلى شعار فوقي عمومي يدفعنا إلى إلغاء الداخل بحجة الانتصار للخارج. فالتحالفات الهجينة تصبح منطقية، ومراكمتها تتحول إلى واجب وطني. كل هذا تحت لافتة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. وهكذا يفقد المفهوم أصله الجدلي و لايتبقى منه إلا القشرة.
النتيجة أمامنا اليوم: الكيان الصهيوني و حلفاؤه يراكمون أوراق القوة لأن الداخل أسير التناقضات المكبوتة أو الممنوعة من الاشتغال.
ما بين قوى طائفية و مذهبية و قوى تحررية ليست “تناقضات ثانوية”، بل منافذ داخلية يتسرب منها الانهيار، ويستفيد منها العدو لكي يمدد هيمنته.
فالقوى المهيمنة حاليا —خصوصا الإسلام السياسي—تعيد إنتاج بنية التخلف التي تبقي الجبهة الداخلية ذات قابلية للهزيمة، وهو ما يمنح الكيان تفوقا إضافيا و مجانيا. فحين يؤجل الصراع السياسي الحر بدعوى مواجهة الاحتلال، يتحوّل “التناقض الرئيسي” إلى مانع لشروط بناء قوة قادرة على المواجهة الفعلية.
للأسف التناقضات نقرأها بكسل معرفي و بشكل ميكانيكي و ليس جدلي : فالرئيسي والثانوي. تتفاعل، تتصادم، تعطل بعضها البعض. وإذا أهملنا الداخل، فلن تربح الخارج.
وهذه هي الحقيقة التي قالها ماو بوضوح: حلّ التناقض الداخلي هو ما يجعل مواجهة التناقض الخارجي ممكنة.
اليوم، وبعد كل ما جرى في غزة والضفة ولبنان وسوريا ، و ما يجري حاليا بعد شن حرب على إيران ، يبدو الدرس بليغا:
لا يمكن بناء قوة تاريخية في مواجهة الكيان إذا ظلت قوى الداخل تعيد إنتاج الاستبداد، أو الطائفية، أو الانقسام، أو بنى فكرية ترفض الاعتراف بالتعدد وتستخدم الدين أو الهوية الإثنية لطمس الصراع الاجتماعي.

إن استعادة الفعالية التاريخية للمجتمعات العربية لا تمرّ عبر رفع منسوب الصراخ ضد العدو، بل عبر ترميم الداخل، فتحه للنقد، للسجال، للمحاسبة، وللتغيير. عندها فقط يصبح الانتصار ممكنا تاريخيا.

عن الكاتب

محمد السفريوي

محمد السفريوي

مناضل يساري

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *