مع تصاعد المواجهة العسكرية في الشرق الاوسط واتساع رقعتها، عاد النقاش حول طبيعة هذه الحرب وغاياتها ليحتل موقعا مركزيا في التحليلات السياسية والاعلامية. وفي هذا السياق نشر الكاتب الاسرائيلي اوري ميسغاف.Uri Misgav مقالا في صحيفة هآرتس .Haaretz بتاريخ 12 مارس 2026 قدم فيه نقدا حادا للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى. المقال، الذي كتب من موقع الخوف الذي يعيشه المدنيون في اسرائيل تحت تهديد الصواريخ، يصف هذه الحرب بانها فعل من الجنون السياسي قاده زعيمان يراهما الكاتب مهووسين بالعظمة: بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب. ويكتسب هذا المقال اهمية خاصة لسببين:
الاول، انه صادر عن صحيفة تعد من ابرز المنابر الليبرالية داخل اسرائيل، والتي عرفت تاريخيا باستضافتها اصواتا ناقدة للسياسات الحكومية، حتى اصبحت هدفا دائما لهجمات التيار اليميني في البلاد. اما السبب الثاني فهو ان المقال يعكس وجود نقاش داخلي داخل المجتمع الاسرائيلي حول جدوى هذه الحرب ومآلاتها، وهو نقاش يكسر في حد ذاته فكرة الاجماع المطلق حول السياسات العسكرية للدولة.
غير ان قراءة هذا المقال تثير في الوقت نفسه سؤالا اعمق: هل يمثل هذا النوع من النقد تفكيكا حقيقيا لمنطق الحرب، ام انه يظل محصورا في نقد الشخصيات السياسية التي تقودها؟
يبني المقال اطروحته الاساسية على فكرة ان الحرب الحالية ليست نتاج حسابات استراتيجية مدروسة، بل نتيجة مباشرة لشخصيتي نتنياهو وترامب، اللذين يصورهما الكاتب باعتبارهما زعيمين نرجسيين يسعيان الى الهروب من ازماتهما السياسية والقضائية عبر تصعيد عسكري واسع.
لا شك ان الازمات الداخلية كثيرا ما لعبت دورا في قرارات الحرب عبر التاريخ، وان القادة السياسيين قد يلجأون احيانا الى التصعيد الخارجي لتغيير موازين السياسة الداخلية. لكن اختزال صراع معقد مثل الصراع الحالي في الشرق الاوسط في سيكولوجيا القادة وحدها قد يحجب حقيقة اعمق: ان هذه الحرب ليست مجرد نتيجة لقرارات شخصية، بل هي ايضا تعبير عن بنية صراع جيوسياسي مستمرة منذ عقود. فالمواجهة بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى لا يمكن فهمها فقط من خلال طبيعة الشخصيات السياسية الموجودة في السلطة اليوم، بل يجب النظر اليها ايضا في اطار صراع اوسع حول شكل النظام الاقليمي في الشرق الاوسط وموازين القوة التي تحكمه.
من هذه الزاوية، تبدو الحرب جزءا من محاولة لاعادة تثبيت توازن قوى اقليمي يقوم على ضمان التفوق العسكري الاسرائيلي ومنع ظهور قوة اقليمية قادرة على تحديه. وفي هذا السياق، ينظر الى ايران في الاستراتيجية الامريكية والاسرائيلية بوصفها الفاعل الاقليمي الوحيد الذي يملك القدرة على تغيير هذه المعادلة. وبذلك فان الحرب، مهما قدمت في الخطاب السياسي باعتبارها ردا على تهديدات محددة، تظل ايضا جزءا من صراع اوسع يتعلق بادارة النفوذ في المنطقة. هذه الحقيقة لا تظهر بوضوح في المقال الاسرائيلي، الذي يركز على غياب الاهداف الواضحة للحرب، ويصفها بانها حرب بلا غاية. لكن من منظور الاستراتيجيات الكبرى، قد تكون للحرب اهداف واضحة جدا، حتى وان كانت تلك الاهداف لا تعلن دائما في الخطاب الرسمي.
يتميز المقال ايضا بطابع انساني واضح، اذ يكتب صاحبه من موقع مدني يعيش تحت تهديد الصواريخ. هذه الزاوية تمنح النص قوة عاطفية حقيقية، لكنها تكشف ايضا عن مركزية التجربة الاسرائيلية في قراءة الحرب.
فالكاتب يتحدث عن الخوف من سقوط صاروخ على منزله في يافا او على دار المسنين القريبة، ويصف المدنيين بانهم لحم المدافع في هذه الحرب. لكن هذه الصورة الانسانية، رغم صدقها، تظل جزءا من منظور يرى الحرب اولا من داخل المجتمع الاسرائيلي، في حين ان ملايين المدنيين في اماكن اخرى من المنطقة يعيشون منذ سنوات تحت وطاة حروب اكثر تدميرا.
مع ذلك، لا ينبغي التقليل من اهمية هذا النوع من النقد داخل اسرائيل. فمجرد وجود اصوات اعلامية تنتقد الحرب وتحمل القيادة السياسية مسؤولية التصعيد يمثل مؤشرا على وجود نقاش داخلي حول اتجاهات السياسة العسكرية. لكن هذا النقد يظل في كثير من الاحيان محكوما بسقف معين. فهو ينتقد كيفية ادارة الحرب، لكنه لا يذهب دائما الى حد مساءلة البنية السياسية التي تجعل الحرب اداة مركزية في ادارة الصراع الإقليمي. وهنا تظهر المفارقة: فالنقد الذي يحمل المسؤولية لقادة معينين قد يساهم، من حيث لا يقصد، في تقديم الحرب وكانها انحراف عن السياسة الطبيعية، لا امتدادا لمنطق سياسي اوسع.
ان السجال الدائر داخل اسرائيل حول الحرب على ايران يسلط الضوء على امرين في الوقت نفسه. فمن جهة، يكشف عن وجود اصوات داخل المجتمع الاسرائيلي ترى ان بلادها تقاد نحو مواجهة خطيرة دون افق سياسي واضح. ومن جهة اخرى، يوضح حدود النقد الداخلي عندما يظل محصورا في تحليل اخطاء القيادة السياسية دون مساءلة البنية الاعمق للصراع. ولهذا فان السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الحرب لا يتعلق فقط بقرارات نتنياهو او ترامب، بل بطبيعة النظام الاقليمي نفسه. فطالما ظل هذا النظام قائما على موازين قوة غير متكافئة وعلى استخدام القوة العسكرية اداة لادارة تلك الموازين، فان الحروب لن تكون مجرد اخطاء عابرة، بل جزءا من الية مستمرة لاعادة تشكيل المنطقة.
في نهاية المطاف، قد يكون من السهل وصف الحروب بانها جنون سياسي، لكن التاريخ يعلمنا ان الجنون في السياسة كثيرا ما يكون تعبيرا عن منطق قوة يعمل ببرود شديد خلف الخطابات العاطفية. والسؤال الذي يبقى مفتوحا هو: هل يستطيع النقد الداخلي ان يذهب ابعد من نقد القادة الى مساءلة هذا المنطق نفسه؟
ذ. عزيز الديش










