عند الحديث عن البنية التحتية في المغرب لا يمكن قراءتها كمعطى تقني أو كخيار تنموي محايد، بل بوصفها لحظة من لحظات إعادة إنتاج نمط الإنتاج التابع. فهي لا تُنجز خارج البنية الطبقية، ولا فوقها، بل تتحدد داخلها وبواسطتها، وتؤدي وظيفة دقيقة في تثبيت شروط التبعية وإعادة إنتاجها.
انطلاقًا من وجهة النظر هذه حول التبعية كبنية لا كعلاقة خارجية، تصبح البنية التحتية جزءًا من آلية الاشتغال الداخلي للرأسمالية التابعة. فهي ليست مجرد تجهيزات مادية، بل جهاز مادي–اجتماعي يضمن انسياب رأس المال المرتبط بالسوق الإمبريالية، ويؤمّن شروط تراكم بورجوازية محلية لا تقوم بدور تاريخي مستقل، بل تتحدد وظيفيًا داخل التقسيم الإمبريالي للعمل.
هذه البورجوازية، بما هي بورجوازية كومبرادورية–دولتية، لا تنتج شروط توسع السوق الوطنية، ولا تعمل على توحيد الفضاء الاقتصادي والاجتماعي، بل تشتغل كوسيط في عملية تصريف فائض القيمة خارج التشكيلة الاجتماعية. ومن هنا فإن البنية التحتية تُصمَّم لا لربط قطاعات الإنتاج الداخلي ببعضها، بل لربطها مباشرة بمراكز التراكم الإمبريالي.
الموانئ، الطرق السيارة، القطارات فائقة السرعة، والمناطق اللوجستية، كلها لا تشكّل حلقات في مشروع تصنيع وطني، بل عناصر في سلسلة تدوير رأس المال العالمي. إنها بنية للعبور لا للإقامة، وللتسريع لا للتراكم الداخلي. وفي هذا المعنى، تصبح “الحداثة” التي تحملها حداثة شكلية، منفصلة عن مضمونها التاريخي، أي عن تشكّل بورجوازية وطنية قائدة لعملية إنتاج مستقلة.
في هذا السياق، لا تكون الدولة فاعلًا تنمويًا، بل جهازًا لإعادة إنتاج التبعية. فهي تتدخل لا لتعديل منطق التراكم، بل لضمان استمراريته، عبر تعبئة الموارد العمومية، والاستدانة، وإعادة توزيع المخاطر الطبقية لصالح الرأسمال. الدولة هنا ليست فوق الصراع الطبقي، بل هي شكله المؤسسي في مجتمع تابع.

ميناء طنجة المتوسط مثال دالّ: بنية تحتية ضخمة وفعّالة، لكنها موجّهة أساسًا لخدمة سلاسل الإنتاج العالمية، إعادة التصدير، وشركات متعددة الجنسيات. القيمة المضافة المحلية محدودة، واليد العاملة تُستعمل في شروط هشّة، بينما تستفيد النخب المرتبطة باللوجستيك، العقار، والخدمات المالية. البنية هنا لا تُدمج الاقتصاد الوطني بقدر ما تُحوّله إلى منصة عبور
وفي الفلاحة، تتجسد هذه الآلية بوضوح أكبر: فالبنية التحتية المائية واللوجستية تُوجَّه نحو إنتاج تصديري لا يهدف إلى تحقيق السيادة الغذائية، بل إلى إدماج الأرض والعمل في السوق العالمية. هنا يُفكَّك نمط الإنتاج المعيشي، ويُعاد تركيبه داخل منطق السوق الإمبريالية، مع ما يرافق ذلك من تفقير، نزع ملكية، واستنزاف للموارد. فالحديث عن البنية التحتية كأداة طبقية لإعادة انتاج التبعية في المجال الفلاحي، لا يمكن فصله عن تحليل الفرشة المائية — المورد الحيوي الذي يُستنزف بمعدلات غير مستدامة لصالح الفلاحة التصديرية. المغرب، الذي يُصنّف ضمن الدول ذات الإجهاد المائي البنيوي، يتمتع بنحو 565–650 متر مكعب من المياه المتجددة للفرد سنويًا وهي نسبة تتجه نحو أقل من 500 متر مكعب بحلول عام 2030 بفعل شح الموارد وتنامي الطلب.
هذا الاستنزاف ليس محايدًا: هو وظيفة طبقية تخدم تراكم رؤوس الأموال الزراعية الكبرى المرتبطة بسوق التصدير، بينما تقلّص قدرة الموارد على ضمان الأمن الغذائي المحلي واستدامة الأنماط الإنتاجية المعيشيّة. في مناطق أخرى، مستويات المياه الجوفية تنخفض بمعدلات سنوية بين 0.5 و2 متر، وفي بعض الحالات تتجاوز ذلك بسبب الجفاف والتوسع المفرط للري.

هكذا يصبح الماء — المورد الذي يُفترض أن يكون أساس الحياة والإنتاج الاجتماعي المستدام — سلعة تُستنزف وتُوظّف طبقيًا: في خدمة الزراعة الرأسمالية الموجّهة للتصدير، مقابل تراجع إمكانيات التموين بالماء الصالح للشرب للساكنة الحضرية والريفية على حد سواء. وهذا الاستنزاف لا يعكس عبثًا طبيعياً مع الظروف المناخية، بل اختيارات هيكلية توزّع الموارد وتعيد إنتاج العلاقات التبعية نفسها بين الدولة، والقطاع الخاص الزراعي، والسوق الإمبريالي الخارجي.
بهذا القول، لا يكمن جوهر المسألة في “سوء تدبير” أو “غياب الحكامة” ، بل في استحالة تنمية وطنية داخل بنية تبعية. فالبنية التحتية، مهما بلغت درجة تطورها التقني، تظل محدَّدة بوظيفتها الطبقية: إعادة إنتاج شروط السيطرة الإمبريالية عبر وساطة بورجوازية محلية تابعة.
من هنا، فإن تجاوز هذا الوضع لا يمر عبر تحسين السياسات العمومية أو عقلنة الاستثمار، بل عبر قطيعة بنيوية مع نمط الإنتاج التابع نفسه. أي عبر تفكيك التحالف الطبقي الذي يشكّل الدولة، وإعادة طرح مسألة البنية التحتية لا كأداة اندماج في السوق العالمية، بل كشرط مادي لمشروع تحرري مستقل.
ابراهيم الطويل









