
إن الحديث عن العنصرية يوجهنا بالضرورة إلى النبش في تاريخ تشكّل وبناء القوة الاقتصادية لبلدان الشمال، ليس فقط على حساب بلدان الجنوب، بل من سواعد الملايين من الأفارقة الذين استُعملوا لإعمار العالم الجديد في سياق تجارة العبيد.
وبهذا كانت العنصرية ملحمة رئيسية لولادة تجارة العبيد، التي قامت على الخطف والترحيل القسري لملايين الأفارقة سود البشرة إلى الأمريكتين للعمل كعبيد في المزارع. وكان الحافز اقتصادياً بالدرجة الأولى، إذ وفّرت هذه التجارة عمالة مجانية تقريبًا، وسمحت بتحقيق فائض قيمة هائل، مما جعلها رافعة أساسية لشراهة الربح المتأصلة في الرأسمالية الناشئة(1).
اعتمد هذا الاستغلال الفاحش على تبرير أيديولوجي تترجمه العنصرية: سيادة التفوق العرقي وهيمنة الإنسان الأوروبي الأبيض، واعتبار العبيد خارج تصنيف الكائنات البشرية. بهذا أُضفيت الشرعية على تجارة العبيد ومختلف أنماط المعاملة غير الإنسانية لهم.
يؤرخ لبدايات تجارة العبيد بالدينامية الواسعة التي عرفها العالم الجديد، حيث استُقدم الملايين للعمل في الضياع الأمريكية. ففي سنة 1444 كان البرتغاليون يمارسون النخاسة ويرسلون للبرتغال سنوياً ما بين 700/800 عبد من الساحل الغربي لأفريقيا. ومع القرن السادس عشر دخلت إسبانيا، ثم إنجلترا وفرنسا وهولندا والدنمارك، لتصبح الأطلسية الغربية مسرحًا لشحن البشر. ووصلت أمريكا الشمالية أول جحافل العبيد سنة 1619 عبر السفن الهولندية، حيث كُلّفوا بالمهام المهينة والشاقة في المستعمرات الإنجليزية.
تجاوز عدد الأفارقة المتواجدين بالمستعمرات الأطلسية لبريطانيا الأوروبيين بكثير بين 1630 و1780. ويشير المؤرخان "جون ثورنتون" و"ليندا هيوود" أن 90% من مجموع الذين شُحنوا في تجارة الرقيق الأطلسية كانوا أفارقة أُسروا ثم بيعوا للأوروبيين. وهكذا شكّلت نهاية القرن الثامن عشر اللحظة الزنجية الكبرى للإمبراطورية البريطانية، حيث تحولت السفن إلى "مقابر عائمة" تنقل البشر من مخازن وموانئ أفريقيا الغربية وشرم بيافرا إلى جمايكا والولايات المتحدة الأمريكية(2).
لكن هذا التاريخ لم يكن مجرد مأساة صامتة، بل شهد مقاومات وتمردات، أبرزها الثورة الهايتية (1791–1804) التي دشّنت أول جمهورية سوداء مستقلة، وأثبتت أن العبيد لم يكونوا مجرد ضحايا بل فاعلين في صناعة الحرية. ومن هنا يمكن قراءة ما يسميه بول جيلروي بـ"الأطلسي الأسود" كفضاء للذاكرة المشتركة والمقاومة العابرة للقارات.
لم يكن وضع العبيد السود موحدًا؛ فقد قبعت النساء في قاعدة الهرم، حيث تداخلت ثلاثة أبعاد قهر: كونهن مستعبدات، سوداوات، ونساء. هذا التقاطع جعل من أجسادهن أدوات مزدوجة للاستغلال: في العمل وفي الإنجاب. فقد استُغلت قدراتهن الإنجابية كمصدر إضافي للربح، إذ كان إنجاب الأطفال يعني مضاعفة عدد العبيد دون تكلفة إضافية، على حساب حقهن في السيادة على أرحامهن(3).
إضافة إلى مختلف الأعمال التي كانت توكل لهن كمستعبدات، أوكلت لهن تربية أطفالهن، ولم يكن يخلو هذا الوضع من استغلال جنسي، حيث أُجبرن على علاقات قسرية، بل وتم تقديمهن كهدايا للنساء البيض في مناسبات الأعراس وأعياد الميلاد، لأداء أكثر المهام إذلالًا وإهانة. وهنا تلتقي الذاكرة النسوية السوداء بما تطرحه بيل هوكس وأنجيلا ديفيس حول تداخل العرق والجندر والطبقة.
من المفيد أن نشير إلى أن علاقة تقسيم العمل باللون ليست عرضية، بل متأصلة في نسق التفوق العرقي الذي أسس لسيادة البيض. كما أشار الفيلسوف الأرجنتيني إنريكي دوسيل، فإن تقسيم العمل في المستعمرات كان محكومًا بأساس اللون؛ حيث جُلب السود خصيصًا لأداء أكثر الأعمال شقاء وقذارة، في مزارع السكر ومناجم الذهب والفضة، ضمن ما سُمي بالتجارة الثلاثية التي ربطت بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية(4).
فضلاً عن القسوة الكامنة في نظام إنتاج السكر، عانى العبيد أيضًا من سياسة عقابية مكثفة كوسيلة للسيطرة، حيث كان أصحاب المزارع ينهجون هذه القسوة لضمان إنجاز العمل والحفاظ على النظام العبودي. أما العمل المأجور فقد كان حكراً على الأوروبيين، مما رسّخ البنية العنصرية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع.
اليوم، لا تزال آثار تلك الحقبة حاضرة في البنية العنصرية المعاصرة: في الفقر الممنهج، والفجوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب، وفي استمرار التمييز البنيوي الذي تكشفه حركات مثل Black Lives Matter. فتجارة العبيد لم تكن مجرد فصل تاريخي، بل كانت المعمل الأول للرأسمالية الحديثة، والذاكرة السوداء التي تفضح عنفها المستمر. كما يؤكد سيدريك روبنسون أن "الرأسمالية العرقية" ليست انحرافًا، بل هي جوهر النظام نفسه.
وبذلك فالعنصرية ليست مجرد خطاب تفوق عرقي، بل هي بنية اقتصادية وسياسية وفلسفية، تتغذى من الماضي وتعيد إنتاج نفسها في الحاضر. إنها جرح مفتوح في جسد الإنسانية، وذاكرة جماعية تستدعي مقاومة لا تنتهي. ومن هنا تلتقي دعوات "الفكر الديكولونيالي" عند أنيبال كويخانو ووالتر مينولو مع الذاكرة السوداء كأداة نقد للرأسمالية العالمية.
من تاريخ تجارة الرقيق بالأطلسي، لم يغب طيف الذاكرة السوداء بل لازالت صرخاتها متواصلة. فهي ليست مجرد تاريخ مدفون في سفن النخاسة، بل جذور ممتدة في جسد الرأسمالية، فلا حضور لدائرة وجود معاصر نفذ من إختراق كموضوع تتفنن الرأسمال في التنكيل به(8 ). لكن هذا لا يطمس حقيقة الأصوات المقاومة. فالعنصرية ليست ماضٍ يُطوى، بل عنف بنيوي يعيد إنتاج نفسه، أشبه بجرح مفتوح في جسد الإنسانية. ومع كل صرخة حرية، ومع كل ذاكرة تُستعاد، ومع كل مقاومة تُكتب، يتجدد الوعد أن هذا الجرح لن يُترك بلا علاج، وأن الظلام سيظل يحمل في داخله بذور الحرية والانعتاق.
هوامش ـــــــــــــــــــــــــــــ
1- جون مولينو. نهاية العنصرية. الاشتراكيون الثوريون. موقع الاشتراكي.
2- أشيل مبيمبي. نقد العقل الزنجي. ترجمة: طواهري ميلود. ابن النديم للنشر والتوزيع. دار الروافد الثقافية- ناشرون. الطبعة الأولى 2018، ص. 30.
3- فرانز فانون. معذبو الأرض. ترجمة: سامي الدروبي، جمال الأتاسي، مراجعة: عبد القادر بوزيدة. دار الفارابي. الطبعة 1: 2005.
4- إنريكي دوسيل. أخلاق التحرير والفلسفة الديكولونيالية.
5ـ فرانز فانون. بشرة سوداء أقنعة بيضاء، ترجمة: خليل أحمد خليل. دار الفارابي، بيروت. الطبعة 1: 2025
5- رشيد بن بيه. النسوية السوداء ونقد امتياز البياض. سلسلة لقاءات المجلس العربي للعلوم الاجتماعية.
6- إريك ويليامز. الرأسمالية والعبودية.
7- بول جيلروي. الأطلسي الأسود.
8ـ اشيل مبيمبي، الوحشية "فقدان الهوية الإنسانية". ترجمة: نادرة السنوسي. الطبعة 1: 2021. ابن النديم للنشر والتوزيع، دار الروافد الثقافية - ناشرون. ص: 92.









