يشكل الإفراج عن الأمين العام للحزب الشيوعي الكيني، بوكر أومولي، ورفاقه مقابل غرامة مالية محطة جديدة في مسار الصراع الاجتماعي والسياسي الذي تخوضه الحركة الشيوعية في كينيا ضد السلطة وطغيان رأس المال.
فالقضية لا تتعلق بمجرد اعتقال سياسي عابر، بقدر ما تكشف عن عمق التوتر بين نظام سياسي يزداد تبعية للمؤسسات المالية الإمبريالية، وحركة يسارية ناشئة تسعى إلى استعادة موقع الطبقة العاملة في الفعل السياسي والاجتماعي.
كلمات أومولي بعد الإفراج عنه «هذا ليس عدلا، بل عقاب بالفقر» تلخص جوهر الصراع.
فالدولة التي فشلت في إسكات الأصوات المطالبة بالعدالة الاجتماعية اختارت أن ترهق المناضلين بالوسائل الاقتصادية، محولة القضاء إلى أداة استنزاف، والعقوبة إلى شكل حديث من القمع الطبقي.
ومع ذلك، يبرهن مشهد أومولي في زنزانته وهو يحول السجن إلى مدرسة للثورة على أن الفكر الماركسي في كينيا ما زال حيا ومتجذرا، قادرا على تحويل الألم إلى وعي، والقيد إلى منبر.
الحزب الشيوعي الكيني، على صغر حجمه، يمثل امتدادا لتاريخ طويل من النضال اليساري في شرق إفريقيا، منذ نواة الوعي الطبقي التي تشكلت إبان الحقبة الاستعمارية وحتى اليوم.
نشأ الحزب في ظل هيمنة ليبرالية مفرطة رعتها حكومات ما بعد الاستقلال، لكنه وجد موطئ قدم بين الطلبة والعمال والمزارعين المهمشين في ضواحي نيروبي ومومباسا.
تركز نشاطه على نقد الخصخصة الممنهجة، ومناهضة هيمنة الشركات الغربية والصينية، والمطالبة بسيادة وطنية حقيقية على الموارد.
إن اعتقال أومولي ورفاقه – ومن قبلهم عدد من الناشطين الماركسيين – يعبر عن خوف السلطة من التحام الفكر بالشارع، ومن أن تتحول الماركسية إلى لغة احتجاج جماعي تتجاوز حدود الجامعات والندوات.
فالمعركة في جوهرها هي معركة على الوعي: وعي الجماهير بقدرتها على التنظيم والمطالبة بحقوقها، ووعي الطبقة الحاكمة بأن سيطرتها ليست قدرا محتوما.بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى القضية بمعزل عن المشهد الإفريقي العام، حيث تعود الحركات اليسارية إلى الواجهة في مواجهة سياسات التقشف والإفقار النيوليبرالي. وكما قال أحد أنصار أومولي: إنهم يستطيعون كسر العظام، لكنهم لا يستطيعون أن يوقفوا الفكرة.






