اذا كان الاستعمار الكلاسيكي قد قام على اخضاع الجسد، فان الامبريالية الرقمية المعاصرة تقوم على اخضاع الوعي. لقد انتقلت معركة السيطرة من ميدان الجغرافيا الى ميدان الادراك، من السيطرة على الموارد الى السيطرة على المخيلة والرغبة.
ففي عصر الراديو والصحافة، كانت وسائل الاعلام ادوات للتاثير والاقناع. اما اليوم، فقد تحولت الى ادوات برمجة للوعي الاجتماعي، تضبط انماط السلوك والتفكير وحتى ردود الفعل العاطفية.
منشور على فيسبوك، او صورة على انستغرام، قادرة على احداث اثر سياسي وجماهيري اكبر مما كانت تفعله جريدة او خطبة سياسية قبل عقود.

لقد توسعت اجهزة الهيمنة الايديولوجية التي تحدث عنها لوي التوسير لتشمل هذه المنصات الرقمية التي تمارس دور المدرسة والكنيسة والاعلام القديم جميعا، ولكن بفاعلية اكبر وادق، لانها تخاطب الفرد لا بوصفه مواطنا بل بوصفه مستهلك بيانات.
وبذلك يتحول الوعي الى ساحة انتاج رمزي تستثمر فيها الراسمالية فائض القيمة الثقافية.
^^ثانيا الراسمالية الرقمية وانتاج القبول الطوعي.
الراسمالية الجديدة لم تعد تكتفي بالتحكم في وسائل الانتاج المادي، بل صارت تمتلك كذلك وسائل انتاج المعنى. هذه الراسمالية الخوارزمية تخلق شروطا نفسية وثقافية تجعل الانسان يشارك طوعا في اعادة انتاج قهره، تماما كما شرح غرامشي في تحليله لمفهوم الهيمنة الثقافية.
الخطر في الخوارزميات ليس في تقنيتها فحسب، بل في وظيفتها الاجتماعية فهي تقوم بتغذية كل فرد بالمحتوى الذي يخدم مصالح القوى المهيمنة، وتقصي ما يناقض تلك المصالح. بهذا الشكل، تنتج الخوارزميات جدرانا شفافة حول كل فرد، فيعيش داخل فقاعة معرفية تزيف له الواقع وتمنحه وهم الاختيار الحر.
فالمستخدم حين يعبر عن رايه، ويشير، ويشارك، يظن انه فاعل، بينما يتحول فعله نفسه الى طاقة تستثمر في ترويج نظام اوسع من السيطرة.
لقد اصبح التفاعل هو الشكل الجديد للرضا، واصبحت المشاهدة مشاركة في منظومة الانتاج الرمزي للسلطة.
^^ ثالثا الفضاء الرقمي والهيمنة على المجتمعات الهشة.
الفضاء العام الذي عرفته الحداثة، والمبني على التبادل الحر للاراء، لم يعد موجودا على صورته القديمة. لقد تحول الى فضاء رقمي متشظى، تسيره الشركات، وتراقبه الحكومات، وتملأه الجيوش الالكترونية، فكل ما ينتج من راي او تعليق او صورة يمر عبر قنوات مراقبة خفية. في هذا الفضاء، تتقاطع مصالح الدولة مع مصالح راس المال العالمي، وتستخدم البيانات كسلاح، ولم تعد السلطة بحاجة الى قمع مباشر لان ادوات الرقابة اصبحت داخل الجيوب، تحصي الخطوات وتقرأ الكلمات وتحلل الميول.
وهكذا ظهرت فئة جديدة من العمال غير المرئيين؛ اولئك الذين يشتغلون داخل مكاتب مغلقة لتوجيه النقاشات، وتضخيم الاحداث، وصناعة الاتجاهات العامة، وهؤلاء هم العمال الخفيون للثقافة الجديدة، يعملون على تحويل الموقف الشعبي الى سلعة سياسية قابلة للتداول.
في المجتمعات التي تفتقر الى البنية الثقافية المتماسكة، كما في المنطقة العربية، تزداد خطورة هذا النمط من السيطرة، فحين تغيب المدرسة الناقدة وتنحل الوسائط الفكرية يصبح المجتمع عرضة للاختراق الكامل.
يرى بيير بورديو ان الطبقات الهشة لا تمتلك راسمالا ثقافيا يحميها من الهيمنة الرمزية، ولهذا يسهل تطويعها عبر الخطاب الاعلامي، ويتجسد هذا التطويع اليوم عبر المحتوى المرئي السريع الذي يعيد تشكيل الذوق العام والخيال الجمعي بما يخدم مصالح السلطة او القوى الامبريالية.
لقد اصبحت الانظمة تستثمر في ما يمكن تسميته بالخضوع الناعم، اي ذاك الذي يتحقق عبر الاقناع اللطيف والترويض العاطفي، لا عبر القمع العنيف، فالمواطن هنا لا يجبر على الطاعة بل يقنع نفسه بها باسم الامن او الترفيه او الوطنية.
ومن اخطر ما انتجته الخوارزميات الاستعمارية قدرتها على تفجير المجتمعات من الداخل، فهي لا تكتفي بتضليل الوعي الجمعي بل تزرع داخل كل جماعة احساسا زائفا بالنقاء ضد الآخر، فتحول الصراع مع الصهيونية الى صراع طائفي او مذهبي يفتت الاصطفاف الشعبي ضد العدو الحقيقي.
^^ رابعا نحو وعي نقدي في مواجهة استعمار الذات.
لم يعد الاستعمار بحاجة الى احتلال الارض، فقد صار يمتلك ما هو اعمق القدرة على صناعة السردية.
حين تحتكر قوة معينة تعريف الحدث ومعناه، فانها تتحكم في ادراك الشعوب له، ولذلك لا عجب ان تتحول كبرى الصحف والقنوات في الغرب الى ابواق تبرر قتل الفلسطينيين او غزو الشعوب الاخرى بذريعة الدفاع عن النفس، لان الاعلام هنا لا ينقل الحقيقة بل يصنعها.
هذه القدرة على صناعة الحقيقة جزء من استراتيجية قديمة للهيمنة الغربية، تتجلى اليوم في حملات منظمة على شبكات التواصل، تشوه المقاومة وتبيض جرائم الاحتلال في ثوب رقمي جديد.
وفي اللحظة نفسها يخرج الخطاب الديني من شيوخ من مهمته الاخلاقية الى وظيفة التبرير الايديولوجي، منشغلا بالتكفير والتحريض بدل مواجهة الاستبداد، فيتحول الدين من قوة تحرر الى اداة ضبط ومن مرجعية قيمية الى وسيلة انقسام اجتماعي.
في مواجهة هذا الواقع لا تكفي الشعارات، فالصراع اليوم هو صراع على امتلاك ادوات انتاج المعنى، والوعي النقدي هو السلاح الذي يمكن ان يعيد التوازن.
المقاومة هنا هي بناء اعلام بديل يخلق سرده المستقل ويعيد الوعي الى جذوره الطبقية والانسانية، وهي ايضا مقاومة تعليمية وتربوية تهدف الى خلق مواطن قادر على القراءة النقدية للمحتوى لا مجرد متلق منفعل.
يعيش الانسان المعاصر داخل شبكة كثيفة من المراقبة والتمثلات الزائفة حتى صار يراقب نفسه ويخضعها باسم التفاعل والقبول الاجتماعي. لقد نجحت الراسمالية الرقمية في تحويل ادوات التواصل الى ادوات اخضاع تمارس استبدادها عبر الحواس والرغبات، فتصبح اكثر الاشكال تقدما من الاستعمار لانها تجعل المستعمر يحب قيوده، وكل نقرة او صورة او تعليق ليست فعلا صغيرا بل اسهام في مشروع ضخم لاعادة انتاج السيطرة الرمزية على العالم.
اننا في زمن يدار فيه الوعي كبنية وتقاس فيه المشاعر كمخرجات بيانات، والمطلوب اليوم ليس فقط فضح هذا النظام بل استعادة ملكية وعينا، تحرير اللغة من الخوارزمية، واعادة القدرة للانسان على ان يكون ذاتا لا بيانا.






