ان الثامن من مارس ليس عيدا، بل صرخة مكبوتة تنبعث من اعماق الهامش حيث يئن الجسد النسائي تحت وطأة الاستغلال والنسيان، كيف يمكن ان نسميه عيدا والنساء يذبحن في افريقيا تحت سيوف الفقر والحروب، وفي ايران تحت قصف الطائرات الصهيوامريكية، وفي فلسطين حيث تتحول الامهات الى شهيدات يحملن اجساد ابنائهن الممزقة في احضانهن، وكيف يمكن للورود والخطب ان تغطي على دماء النساء في المخيمات والمستشفيات المدمرة والشوارع المليئة بالحطام. اي عيد هذا ونساء الجبال في المغرب، خاصة اعالي وزان وتاونات وشفشاون، ما زلن عالقات في كهوف التهميش، بعيدات عن كل ما يسمى حضارة، يقطعن مسالك الوعر باحمال الخشب والماء والاطفال على ظهورهن المنحنية، في قرى لا تصلها سوى رياح الشتاء القارسة والمطر الغزير الذي يحول الجدران الطينية الى انقاض، فتغرق البيوت وتجرف الحياة، وتترك النساء ينقذن ما تبقى من متاع بيدين مجروحتين وقلب ينزف دما ودموعا.
اي عيد ونحن نشهد في وزان كيف يهاجم الفيضان، ويغمر الوادي ويغسل الارض الخصبة والمساكن الهشة، وتغدو النساء اول الضحايا، يفقدن المحاصيل والمواشي والامان، يقفن في الوحل يجمعن شظايا حياة انهارت مع السيول، ثم يعودن الى بناء الجدران المتشققة بلا دعم حقيقي، بينما الدولة ترسل التقارير والوعود والمساعدات الوهمية التي لا تصل الا الى الصور الاعلامية، وفي تاونات نفس المشهد يتكرر، حيث يجرف الوادي بيوت الفقراء ويترك النساء يواجهن الشتاء بلا سقف، ويعانين من تشققات الارض التي تبتلع طرقاتهن وتحول كل خطوة الى مخاطرة مميتة، قرى معزولة لا يصلها طبيب ولا مدرسة ولا حتى جريدة تخبر عن معاناتهن، بل فقط انباء الفيضانات حين تموت ويصبحن ارقاما في نشرات الطوارئ.
وفي شفشاون، المدينة الزرقاء التي تخفي تحت جمالها السياحي جروح النساء في الجبال المحيطة، يصبح المطر الغزير او الجفاف سبب تعميق وضعهم فتغدو النساء في المنعزلات يقاتلن للبقاء، يعتنين بالمرضى بلا ادوية احيانا ، ويبنين من جديد بما تبقى من قوة في اجسادهن المنهكة، تهميش يتفاقم مع كل عاصفة، حيث لا يصل الى هناك سوى صمت السلطات والمساعدات المتأخرة، وتصبح النساء حارسات للحياة في عالم ينساهن حتى في الايام العادية، فكيف في كارثة.
اي عيد ونحن نرى العاملات في سي كوميك بمكناس، واقفات في الشوارع منذ شهور وسنوات ، يطالبن باجورهن المستحقة وحقهن في عمل امن، يواجهن ابواب المصنع المغلقة والوضع الصعب ، نساء حولن الاستغلال الى نضال يومي، يحملن لافتات مكتوب عليها كلمات الخبز والكرامة، ومعهن عاملات نماطيكس ونيكا سارل في طنجة، ينزلن الى الشارع تحت الشمس الحارقة والمطر البارد، يعرضن اجسادهن للاستنزاف والمرض والقمع، فلا يجدون تضامنا حقيقيا من نقابات خارت قواها، ولا من احزاب مشغولة بحساباتها الانتخابية، بل يتعرضن للطرد والابتزاز والتشهير كخائنات للوطنية.
اي عيد ونساء فكيك ينزلن الى الشارع للدفاع عن الماء والارض، عن حق بسيط في الثروة الطبيعية التي ورثنها الاجيال، يواجهن الخصخصة والشركات الجشعة بمسيرات حافية العناد، وفي خنيفرة والرشيدية والحوز يحملن الحطب والاطفال والهموم على الظهر نفسه، بلا طرق مواصلات ولا كهرباء ولا صحة، فقط وعود تذوب مع الشمس، نساء يصبحن رمزا للصمود لكنهن في الواقع ضحايا نظام يبني المدن على حساب الريف.
اي عيد والاغتصاب يلتهم الطفولة، فتيات صغيرات يتحولن الى ضحايا في احياء مهملة، ملفات تغلق بتنازلات قسرية واحكام مخففة، مجتمع يحمي الجاني ويطالب الضحية بالصمت حفاظا على الشرف الوهمي، وفتيات في بداية العمر في جبال الشمال والجنوب يقررن ركوب قوارب الموت من الاحياء الهامشية، يتركن الفقر والذكورية خلفهن ويواجهن البحر المتوحش، يغرقن في المتوسط او يصلن الى ضفاف الاستغلال الجديد، خيار بين القبر البطيء في القرية او المجهول القاتل.
كيف يكون العيد ونساء هذا البلد يعانين سلطة بنية ذكورية متجذرة في كل زاوية، في البيت حيث يصبحن خادمات مجانيات، في العمل حيث يستنزفن بلا حقوق، في الشارع حيث يحاسبن على خطواتهن، وفي القانون حيث يعاملن كمواضيع لا فاعلات، والاعتراف بمعاناتهن ما زال كلمات جوفاء، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية مجرد شعارات في تقارير دولية تحتفل بها في المدن بينما الهامش يئن في صمت.
لهذا كله يتحول الثامن من مارس الى محطة وجع لا احتفال، لحظة للتذكير بان نسوية حقيقية تنبت في الهامش بعيدا عن النسوية الليبرالية اللامعة في المركز، نسوية تتجسد في طوابير سي كوميك ومسيرات فكيك وصمود نساء الجبال في وزان وتاونات وشفشاون، نساء يربطن الجسد المتعب بالارض المنهوبة والاجور المسروقة والحدود القاتلة، لا يطلبن الزهور بل الخبز والماء والكرامة والطرق والمدارس والمستشفيات، نسوية تقول ببساطة ان العيد لن يأتي ما دام الهامش في هذا المأسى، وان الثامن من مارس يوم معركة لا ترف، يوم يجب ان يصبح صرخة جماعية لاعادة توزيع الثروة والعدالة لا مجرد احتفال نخبوي يغطي على الجرح الكبير.
هكذا يصبح 8 مارس ليس عيدا بل وقفة للتذكير بوجود نسوية هامشية متمردة تختلف جذريا عن النسوية البرجوازية الليبرالية التي تحتفل في المراكز الحضرية بينما النساء الحقيقيات في الهوامش يصنعن تاريخهن بكفاحهن اليومي فتجربة سي كوميك ونماطيكس ونيكا سارل ليست حالات معزولة بل نموذج للنسوية الطبقية التي تربط الحقوق بالتوزيع العادل للثروة وتناضل ضد الهيمنة الراسمالية التي تستغل اجسادهن كالات وتسرق عمرهن كوقود للربح وفي جبالة بعد الفيضانات ازدادت المعاناة لكن النساء هناك يقاومن بصمود يفوق الوصف يعيدن بناء القرى بأيديهن ويواجهن الانهيارات الجديدة ويطالبن بحقوقهن في وجه الإهمال الحكومي الذي يفضل المشاريع الكبرى على حساب الهوامش فالنسوية الحقيقية تنبثق من هذه الجبال وهذه المصانع لا من المؤتمرات والندوات حيث تختزل المراة الى قضية رمزية بينما هي في الواقع قوة منتجة مستغلة في قلب النظام الراسمالي وعليه يجب ان يكون 8 مارس يوما للتضامن الطبقي لا للاحتفال الاستهلاكي يوما يجمع فيه اليسار الحقيقي صفوف النساء العاملات والمزارعات والمهمشات لبناء جبهة مشتركة ضد الاستغلال الذكوري والراسمالي والامبريالي الذي يبقي النساء في الهامش ليبقى العالم كما هو فالتغير الحقيقي يبدأ من جبالة ومن شوارع طنجة ومكناس حيث تصرخ النساء لا عيد لنا حتى تتحرر كرامتنا وثروتنا واجسادنا وان كان الطريق طويلا والثمن باهظا فإن صوت هذه النسوية الهامشية هو الذي سيعيد تشكيل الفضاء العام ويحرّر المراة من قيود الوهم الاحتفالي الى واقع النضال الفعلي.
الحركات الاجتماعية









