لطيفة زهرة المخلوفي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في السنوات الأخيرة، كثّفت الدولة المغربية من الترويج لخطاب رسمي حول "تمكين النساء" باعتباره علامة على الحداثة والانفتاح. غير أن هذا الخطاب، الذي يُسوَّق عبر عدة تعبيرات: مقاربة النوع، إصلاحات قانونية انتقائية، وبرامج إدماج تسويقية، يكشف عند اختباره في الواقع اليومي عن تناقض صارخ بين الشعارات والسياسات الملموسة.
تمكين النساء كما تطرحه نسوية الدولة واجهة دعائية تتبنى خطابا ينسجم مع أجندات دولية ويُقدَّم كدليل على المساواة، لكنه محكوم بمنطق نيوليبرالي يجعل النساء واجهة لتلميع صورة الدولة بدل ضمان الحقوق الأساسية في الخدمات والحريات. برامج مثل "القروض الصغرى" أبرزت هذا التناقض بوضوح، إذ دفعت نساء الهامش نحو مديونية مزمنة وفوائد مُرهقة، فاستخرجت القيمة من هشاشتهن بدل أن تمنحهن شروط العيش الكريم.
إلى جانب ذلك، لعب الإعلام الرسمي دورًا محوريًا في إعادة إنتاج هذه الصورة الدعائية، حيث يُبرز قصصا انتقائية عن نجاح نساء في سوق العمل أو في مشاريع صغيرة ليدعم سردية مغرب الفرص والنجاح، بينما يتجاهل تماما واقع الاستغلال الذي تكابده النساء في مختلف وحدات الإنتاج (خاصة القطاعات الشاقة التي تم تأنيثها) وإعادة الإنتاج.
سوق الشغل لا يحرر النساء بل يستعبدهن لأن العمل مستلِب، وعبودية العمل المأجور لا تحقق الرفاه لمن يعمل، بل تقتات من قوة عمله ليراكم الرأسمال الربح ويضمن دورته المعتادة. إضافة إلى أن الخطاب الرسمي يتجاهل عمدا معاناة المعتقلات أو نساء الهوامش اللواتي يواجهن سياسات التفقير والقمع. ويختزل العنف في مجرد رجال يفتقرون للسلوك الجيد، ويُعهد للقانون بمعاقبتهم. ليغطي على حقيقة العنف البنيوي الذي تتعرض له النساء برعاية المعنِّف الأول ممثلا في النظام الاقتصادي والسياسي.
خلف هذه الواجهة، يقبع واقع سياسي مختلف تمامًا. المغرب الذي يُسوَّق كـ"نموذج رائد" في المساواة هو نفسه المغرب الذي توقّفت فيه عجلة الحريات السياسية، وأقبر الحق في التعبير. حيث يتواصل القمع، ويُضيَّق على الحريات، وتُستهدف النساء الناشطات والمحتجّات بالاعتقال والمحاكمات. هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يُسوّق خطاب "التمكين" بينما تُصادَر حقوق النساء في التعبير والتنظيم والاحتجاج؟.
خلال العقدين الأخيرين، شهد المغرب موجات احتجاجية متكررة، من حركة 20 فبراير إلى الحركات الاجتماعية في سيدي إفني، إميضر، الريف، جرادة، فكيك وآسفي…الخ. وفي كل هذه المحطات، لعبت النساء دورًا بارزًا: من قيادة المسيرات إلى رعاية المعتصمات، وصياغة الشعارات، ومن الدفاع عن المعتقلين إلى مواجهة السلطة في الشارع.
هذا الحضور لم يكن عرضيا أو هامشيا، بل يعكس تحوّلًا في النضال النسوي؛ من مرحلة المطالب القانونية إلى مرحلة تحتل فيها المسألة الاجتماعية والطبقية موقعًا مركزيًا. لقد برزت النساء القرويات في معارك الأراضي السلالية، ونساء الهوامش الحضرية في جرادة وفكيك وإميضر، كفاعلات أساسيات وحيويات في الشارع الاحتجاجي. هذا التحول أنتج جيلا من المناضلات اللواتي يربطن قضايا النساء بالصراع الاجتماعي، ويؤسسن لرؤية شعبية تحررية تنطلق من تداخل أنماط الهيمنة والاستغلال.
غير أن هذا الحضور جعل النساء في مواجهة مباشرة مع الترسانة القمعية. فقد تعرضت ناشطات للاعتقال والمحاكمة والتشهير الإعلامي. ومن الأمثلة الحيّة ما طال نساء الشغيلة التعليمية داخل تنسيقية المفروض عليهم التعاقد، وهي اعتقالات تعكس تقدم المقاربة القمعية ضد التنسيقية الوطنية وتكبيل النضال ضد السياسات النيوليبرالية في التعليم.
كما كشفت تقارير حقوقية أن النساء السجينات يعانين من ظروف اعتقال مرتبطة بالوضع الاجتماعي والاقتصادي، ما يبرز الطابع الطبقي والجنسي للقمع. صرحت إحدى الأمهات المعتقلات أمام المحكمة: "لم أترك خلفي أوراقًا أو ملفات، تركت ثلاثة أطفال ينتظرونني عند باب البيت." هذه الشهادة تكثّف البعد الإنساني للقمع، حيث يتحول الاعتقال إلى قمع للرعاية ذاتها.
الاعتقال هنا ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو أداة سياسية لإسكات أصوات النساء وإعادة إنتاج السيطرة الأبوية عبر مؤسسات الدولة التي تدّعي حمايتهن. حين تُساق امرأة مناضلة إلى السجن، لا يُسجن جسدها وحده، بل تُسجن معها حياة كاملة. كثير من الأمهات المعتقلات يتركن وراءهن أطفالًا ينتظرون عودتهن، وأسرًا تتأرجح بين الخوف، التشرد والحرمان. في لحظة الاعتقال، تتحول الرعاية اليومية إلى معركة للبقاء، وتصبح العاطفة موضوعا سياسيا بامتياز.
ختاما، إن التناقض بين خطاب الدولة حول "تمكين النساء" وواقع الاعتقال والقمع يفضح حدود نسوية الدولة، فما تَصطلح عليه في كلاسيكيات النسوية الليبرالية "تكسير السقف الزجاجي" لا يُستخدم كواجهة لتلميع صورة النظام فقط، بل بوابة لمزيد من لبلرة مناحي الحياة عامة. في ترجمة حرفية لتفكيك الحقوق وتكبيل الحريات وتسليع العلاقات.
إن حضور النساء في الحركات الاحتجاجية، من المدن إلى الهوامش القروية، أعاد تعريف النضال النسوي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الصراع الاجتماعي والطبقي، ويلزمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى بمساءلة الاعتقال لأنه لا يُسكت الأصوات النسائية فحسب، بل يضرب شبكات الرعاية اليومية ويحوّل الحنان إلى موضوع سياسي، حيث تتحول معاناة الأمهات والأسر إلى جزء من معركة الحرية والكرامة. من هنا، يصبح فضح زيف خطاب "التمكين" ضرورة فكرية وسياسية، وإعادة تعريفه من منظور شعبي تحرري شرطا لبناء نسوية أصيلة، مقاومة، ومتصلة بجذور الصراع الاجتماعي. إن احتكار الدولة تمثيل النساء عبر مشاريعها لن يقود سوى إلى فتح مزيد من الافتراس النيوليبرالي، في المقابل تتأسس الهوية النسوية الجذرية على الإنصات لتجارب النساء في مواجهة القمع، وبناء تضامن نسوي يعيد للرعاية مكانتها السياسية، ويضع الحرية والكرامة في قلب المعركة.
الحركات الاجتماعية








