يشكل المجتمع المغربي بثراء تجاربه وتلقائية حركته الجماهيرية التي استعصى تطويعها موضوعا جديرا بالدراسة والبحث فيه، خاصة وقد شكلت مكوناته تفاعلا داخليا لملء الفراغ والجمود، الذي خيم على الوضع السياسي والاجتماعي لعقود طال أمدها، تجسد بالأساس في حركة زيد، باعتبارها نموذج الحركات التي انبثقت من رحم الشباب المغربي؛ غير أن هذه التفاعلات كان ينبغي أن تلتحم بفاعليات وقوى مدنية وسياسية ترقى بهذه الحركة من وضعها التلقائي إلى وضع منظم، ممانع لكل أشكال الممارسات التي تؤبد الواقع المنبوذ ومنفتح على جميع المبادرات الخلاقة والمبدعة، التي تساهم في دينامية هذه القفزة النوعية؛ بعيدا عن كل الحسابات التي لا يتخطى نظرها حدود صندوق ماكسويل.
إن اليوم الذي سيسود فيه الشعب المغربي قادم لا محالة، والتعجيل بهذه العملية/المهمة ، يقتضي تحطيم أوهام القبيلة والعرق والدين ، ووضع الحلول الفردية الانتهازية مع نفايات التاريخ، فذلك المكان يليق بها، ولن يكتمل هذا الطموح المشروع دون هدم معتقدات الماضي البالية أينما وجدت.
إن إسم الشعوب يتدنى عندما تكون غير فاعلة وغير مؤهلة للاستثمار في ثرواتها البشرية والطبيعية، حتى وإن تم استثمارها، فهي لا تستفيد من ثرواتها، اتحدث هنا عن الجماهير الكادحة وليس الأقلية المستفيدة من عملية كسر الإرادة الشعبية.
من الخطأ الاستمرار في تبني أطروحات رجعية محافظة مسلوبة الارادة والفهم، فهكذا فهم، أتبت التاريخ ليس عجزه الكلي في تطوير الحركة التاريخية للشعب، يصعب ألتئامها، بل يدمر حتى تلك المجهودات المبذولة من قبل شرفاء الشعب والوطن.
كشرط عملي لتجاوز هذا المعطي، والخروج من النفق المظلم إلى الأفق المضيء، لا بد من قراءة التاريخ بعيون نقدية، والاستفادة من تجاربه.
وحتى لا تتكرر الهزائم والانكسارات بشكل كاريكاتوري،
يتعين ايقاظ فقراء العالم، واستيقاظ سواعد البناء، واشعال نيران الثقة والوفاء في دماء المناضلين العضويين وعموم القوى الثواقة إلى الحرية والانعتاق.
لا يخفى على أحد، أن جماهير شعبنا وفئاتها الاجتماعية، تحس يوميا بتلك الخدوش التي تصيب الكرامة الإنسانية. قد يكون الظلم ينخر حاضرها ، وهو باهض الثمن، فلا أحد يرضى أن يكون مجرد ألة صماء، تشتغل بأساليب قذرة، تعيد انتاج نفس أدوات الاستغلال والاستبداد.
ولا أحد ينفي، أنه كلما امتد الظلم واتسع، كلما تولدت في نفوس المظلومين رغبة جامحة وعنيفة في المقاومة، ولنا في التاريخ أمثلة عديدة، نستقي منها كإشارة، تجارب الملكيات في اوربا ومالاتها الماساوية، وكيف وضعتها الشعوب في متاحف التاريخ بجانب الفأس البرونزي، ولا ننسى أيضا الرعب الذي عاشه المستعمر على يد حركات التحرر الوطني، في كل من آسيا، أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
بالرغم مما تتسم به حقيقة الواقع من وضوح، إلا أن بقايا الإستعمار والقوى المخترقة للمنظومة الحزبية التي ورثتت أساليب المستعمر، ترفض هذه الحقيقة، متعنتة في وجه حركة التاريخ.
لنا في القيادات السياسية الحزبية نموذجا يمتد من اليمين إلى اليسار، حيث أن تغيير القيادة لا يخضع إلى منطق مفهوم المؤسسة بالفهم الحديث للكلمة، ولا ينظبط لقيم الديمقراطية، ولا يأخذ بعين الاعتبار ذلك الهدف النبيل، الذي يخدم مصلحة الجماهير ويستجيب لطموحاتها وامالها؛ وإنما تغيير هذه القيادة التي تعاني من مرض الزعماتية والسلطوية، رهين بحتمية الموت الطبيعي. فالموت وحده من يتكفل بإزاحة القادة من المشهد السياسي في المجتمعات المتخلفة.
هل رأيتم واستشعرتم حجم الكارثة التي ألمت بالحركة ؟
فكيف نقضي على هذه الأفات الضارة التي أصابت جسد الحركة الجماهيرية، وأطالت أمد حياة المعمرون القدامى والجدد ؟
أولا: تحديد المسؤوليات، كمدخل للتمييز بين أنصار الحقيقة وأنصار الكذب والتضليل والاستغلال. حتى يتسنى للحركة تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ثانيا: توحيد الخطاب وتنويع المبادرات التي تتماشا مع حاجيات الجماهير الشعبية وأولوياتها الملحة.
ثالثا: تغليب الإختيارات الشعبية والبرامج الممكنة الحدوث على تلك التي تفصل الوعي الجماهيري عن حركة التاريخ.
رابعا: الإيمان بأن حتمية التاريخ واستيعاب دروسه تدفع بالحركة إلى مواقع متقدمة لممارسة دورها الطبيعي في السيادة على أراضيها وثرواتها وتعميق سلطتها الديمقراطية الشعبية على ضوء مبادئ الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
ومما يجعل القلب مفعما بالأمل، هو أن الحركة الجماهيرية المغربية لها جذورا في التاريخ المغربي المعاصر، قطعت أشواطا في الصمود والممانعة والبناء لا يمكن نكرانها، وقدمت لأجل ذلك لوائح من المفكرين، قادة شهداء و ومعتقلين ومنفيين…
بفعل هذه الإرادة الكامنة في روح الجماهير، رغم كل القيود، ستتحول حركة الجماهير الى قوة مادية فاعلة،
يتحقق بها ومعها المطلوب التاريخي.
ولا يمكن تحقيق المطلوب التاريخي، دون تحديد معاول الهدم:
من وجهة نظر متواضعة، أرى أن معاول الهدم تستمد مقومات انوجادها من ثلاثة دوائر أساسية:
الدائرة الأولى: بقايا الاستعمار.
ترك المستعمر قبل أن يطرد من قبل المقاومة المغربية مسامير جحا في كل القطاعات الاقتصادية والفكرية والسياسية، حيث نصب عملائه من خونة الوطن في مواقع المسؤولية للدفاع عن مصالحه، كان بامكان أن تكون "هذه المسؤولية "من نصيب قادة حركة المقاومة، غير أن السياق التاريخي أنتج ما أنتج من خلاصات لم تكن، للاسف ، تقف إلى جانب صناع التغيير الشعبي الديمقراطي، رغم المجهدات الجبارة والتضحيات الجسام، وللأمور اللامعقولة أسباب تعقلها.
الدائرة الثانية: مرض الزعماتية الحزبية.
بعد سنوات من الصبر والانتظار ( خصوصا بعد حركة 20 فبراير)، لاحظنا أن قيادات أحزاب اليسار ، وبدون أي استثناء، تثبت أنها أنجزت أقصى ما يمكنها أن تنجزه، ولا يمكنها أن تنجز أكثر مما أنجزته فيما مضى، وأنها ظلت كلها دون المستوى النضالي الثوري المطلوب، رغم حدوث طفرات نوعية في مجالات النضالات الجماهيرية العفوية (مثل حراك 20 فبراير، وحراك الريف، وحراك زاكورة، الخ.
ما يفسر هذه الموضوعة في الواقع، أن القيادات الحالية لليسار في العديد من البلدان العربية، بما في ذلك المغرب، تواجه تحديات كبيرة في تمثيل طموحات الشعب وتحقيق التغيير المنشو
اليسار بحاجة إلى تجديد نفسه وإعادة تعريف أهدافه ووسائله. القيادات الجديدة يجب أن تكون قادرة على تمثيل مصالح الشعب وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية. يجب أن تكون قادرة على بناء تحالفات قوية مع مختلف الفئات الاجتماعية والحركة الجماهيرية.
في المغرب، على سبيل المثال، هناك حاجة إلى قيادات يسارية جديدة قادرة على تمثيل طموحات الشباب والعمال والفلاحين. يجب أن تكون قادرة على بناء مشروع سياسي واضح ومتجذر في المجتمع.
ودون لف أو دوران، يمكن القول، أن الشعب في حاجة إلى قيادات قادرة على تحقيق التغيير الجذري والعدالة الاجتماعية.
هذان المتطلبان مشروطان بالقضاء على الاستبداد وتكريس مبدأ الديمقراطية.
الدائرة الثالثة: الاستبداد وغياب الديمقراطية
إن حل التناقض بين الاستبداد والعدالة الاجتماعية، رهين بمبدأ الديمقراطية، فالديمقراطية هي تلك الالية العلمية التي يستطيع من خلالها الوعي الشعبي المنظم حل تنقضاته الداخلية والخارجية، وإذا ما كان الاستبداد منتصرا على العدالة الاجتماعية فهذا يعني أن الديمقراطية غائبة أو منعدمة. كل من يتخلى عن سلاحه لا بد وأن ينهزم، وسلاح الجماهير الشعبية وأدواتها المناضلة في مواجهتها للاستبداد، هو سلاح الديمقراطية.
فعن أي استبداد نتحدث؟ وعن أية ديمقراطية؟
الاستبداد في القاموس العربي "يعني الحزم وعدم التردد في اتخاذ القرار وتنفيذه. هذا هو معنى الاستبداد عندما يقرن بـ"العدل" الذي يفقد فعاليته مع العجز عن تطبيقه. أما الاستبداد من دون عدل فهذا هو "الطغيان".الاستبداد كشكل من أشكال الممارسة السياسية، يحكم فيها كيان واحد بسلطة مطلقة. عادة، هذا الكيان هو فرد أو طاغية.
و كلمة «مستبد» تنطبق بازدراء على أولئك الذين يستخدمون سلطتهم لقمع شعبوبهم. وبشكل أكثر تحديدًا، غالبًا ما ينطبق المصطلح على رئيس الدولة أو الحكومة. أما موسوعة السياسة، فتورد تعريف «استبداد»: «حكم أو نظام يستقل بالسلطة فيه فرد أو مجموعة من الأفراد دون خضوع لقانون أو قاعدة ودون النظر إلى رأس المحكومين.»
أما في التعريف الغربي فكلمة المستبد (despot) مشتقة من الكلمة اليونانية «ديسبوتيس» التي تعني رب الأسرة، أو سيد المنزل. ثم خرجت من هذا النطاق الأسري، إلى عالم السياسة لكي تطلق على نمط من أنماط الحكم الملكي المطلق الذي تكون فيه سلطة الملك على رعاياه ممثلة لسلطة الأب على أبنائه في الأسرة. وهنا يصبح المعنى انفراد فرد أو مجموعة من الأفراد بالحكم أو السلطة المطلقة دون الخضوع لقانون أو قاعدة. دون النظر إلى رأي المحكومين. وهذه السلطة المستبدة التي يتأثر بها الفرد أو بعض الأفراد هي تلك التي تمارس الحكم دون أن تكون هي ذاتها خاضعة للقانون الذي يمارسه سلطانه فقط على الشعب.
في اعتقادي الشخصي، يعني الاستبداد كل فعل أو سلوك أو خطاب نابع من الأنانية الشخصية أو الجماعية ، يخدم نفسه فقط ، مستعملا جميع الوسائل، ينطبع بالظلم، ويطرح العدالة قتيلة في مقابر فردية أو جماعية.
أما مفهوم الديمقراطية، في اتخاذ القرارات السياسية، إما بشكل مباشر أو من خلال ممثلين منتخبين. فهي نقيض الاستبداد، لأنها تقوم على مبدأ أن السلطة تعود للشعب، وأن الحاكم أو الحكومة مجرد وكيل عن المواطنين.من أهم عناصر الديمقراطية:سيادة الشعب، الانتخابات الحرة، المساواة أمام القانون، حرية التعبير والتجمع، الفصل بين السلط، ربط المسؤولية بالمحاسبة.
أشكال الديمقراطية:الديمقراطية المباشرة:الديمقراطية التمثيلية، الديمقراطية الليبرالية.
باختصار، الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب ولأجل الشعب، وهي الإطار الذي يضمن الحرية والمساواة ويمنع الاستبداد والطغيان لكن هل يشكل الشعب وحدة منسجمة؟
إن الاجابة عن هكذا سؤال تفرض علينا تحديد مكونات الشعب، فالشعب ينقسم إلى طبقة مستغلة بكسر العين وطبقة مستغلة بفتح العين، فالاولى كقوة منظمة ، تمتلك وسائل الانتاج ، تتقاسم الأرباح فيما بينها، وتتمتع بالرفاهية الاجتماعية. وبهذا المعنى تصبح طبقة انانية تمثل الأقلية، ولا تعني الأنانية سوى الاستبداد.
سبق أن قلنا أن الديمقراطية هي سلاح لمواجة الاستبداد، لذا لا يمكن أن نقبل بأي شكل من الأشكال التعريفات التي تربط بين الاستبداد والحكم الصارم ، فالصرامة التي نفهمها هنا هي صرامة التسلط والتجبر والظلم والإستغلال. ومواجهة هذا النمط السلوكي هو من صميم مبدأ الديمقراطية. أما الثانية، أي الطبقة المستغلة، فهي لا زالت محرومة من ممارسة حقها في الديمقراطية، وكلما حاولت أن تدلي برأيها، أو أن تعبر أن أفكارها وأحلامها إلا وواجهتها الطبقة الأولى بقوة الحديد والنارية. من هكذا منطلق، فالديمقراطية التي نريد هي ديمقراطية الجماهير الشعبية المنظمة من إجل ذاتها.
كخلاصة أولية، يبقى هدم هذه الدوائر التي تعفنت في حقل التاريخ: بقايا الاستعمار، مرض الزعماتية، الإستبداد وغياب الديمقراطية، مهمة ملحة مطروحة على كل الديمقراطيين، المرتبطون عضويا بالطبقة المستغلة بفتح العين، في مواجهة الطبقة المستغلة بكسر الغين.













