إن الحديث عن فائض القيمة في عصر الخوارزميات يكشف، في العمق، عن مجموعة من الإلتباسات النظرية الناجمة عن الخلط بين إنتاج القيمة وبين نقلها أو تضخيم تحققها. فالقول بان الآلة أو الخوارزمية صارت هي منتِج فائض القيمة يستبطن، من حيث لا يدري، العودةً إلى ما حاول ماركس نفسه دحضه: اي إسناد صفة خَلق القيمة إلى موضوعات العمل، بدل قوة العمل الحية. فاللآلة او الخوارزمية او الخوادم الضخمة ليست سوى تجسيد مادي متطور ومتراكم للعمل الحي الذي تحول الى العمل الميت، هذا الاخير عبارة عن تراكم كثيف من الذكاء والخبرة والمعرفة والعمل الإنساني السابق، وبهذا المعنى، فالآلة او التقنية ليست مصدرا خلاقاً لقيمة جديدة، بل خزان لقوة عمل تتراكم لتتجسد في هذه الاشكال التقنية القادرة على نقل هذه القيمة، أو اقتطاع جزء من الزمن الضروري اجتماعياً، لكنها عاجزة من حيث الجوهر عن خلق قيمة إضافية من ذاتها.
إن الذي نراه اليوم في نمط الإنتاج في شكله المعاصر، ليس خلقا او انتقالا لمصدر القيمة الى الآلة ، بل توسع في مدى استهلاك العمل الحي عبر الوسط التقني، فالعامل لم ولن تختفِ قوة عمله، و ان بدا ظاهريا تقلص دوره في مراكز الانتاج الصناعية الكلاسيكية. ما يعني هذا أن كل خوارزمية أو برنامج ، مهما بلغ من الدقة و التعقيد، ليس سوى تجمّع كثيف لزمن اجتماعي سابق تي لقوة عمل سالفة ، و لا يصبح ذا فعالية إلا حين يندمج مجدداً بقوة العمل الحية التي تستثمره وتضعه في حركة. فبدون هذا الإدخال المستمر للعمل الحاضر، يتحول النظام الخوارزمي و مع العالم التقني باكمله إلى مجرد بنية صامتة، معطّلة، تماماً كما تصبح الآلة الصناعية بلا قيمة استعمالية إن نفذت كمية العمل التي تكدست فيها كما تنفذ بطارية الشحن تماما حين استنفاذ الكمية الطاقية المخزنة فيها.
فالآلة او التقنية بشكل عام اذا، لا تنتج فائض القيمة؛ لان هذا القول يفترض ضمنياً وجود إنتاج للقيمة خارج علاقة الاستغلال الطبقي؛ أي خارج تلك اللحظة التي تُنتزع فيها قوة العمل من ذاتها، وتُفرض عليها ضرورة إعادة إنتاج شروط وجودها عبر بيع زمنها. لكن الرأسمالية، لا تُعيد إنتاج ذاتها إلا من خلال هذا النزع الدائم لزمن العامل، سواء كان الزمن مادياً، أو معرفياً. اما المنصّات الرقمية فهي توسّع نطاق انتزاع هذا الزمن، لكنها لا تغيّر مصدره. إن الخوارزمية، مهما تعقّدت، لا تملك سوى ما أُدخل فيها: عمل بشري متراكم أصبح ميتا. وفائض القيمة لا يُستخلص من العمل الميت، بل من العمل الحي الذي يُجبر، في كل دورة إنتاجية، على إضافة شيء لم يكن موجوداً من قبل.
و من زاوية النظر هذه، فإن كل قفزة نوعية في بنية الآلة هي نتيجة لتراكم كمي من قوة العمل الإنسانية؛ تراكم لا يُلغي الإنسان، ولا يُنهي استغلاله بل يُعمّقه تحت أشكال جديدة. فالآلة، في جوهرها، ليست بديلاً للعامل، بل شكلاً جديداً لهيمنة رأس المال عليه: تضغط زمنه، تضبط جهده، تلتقط بياناته. وما يُظن أنه “استقلال” تقني هو في الواقع تراكم تاريخي لقوة العمل المتحجرة التي تتطلب في كل لحظة عملاً جديداً لإبقائها فعّالة.
و الاعتقاد بأن الخوارزمية تنتج فائض القيمة هو ما يفقد مركز التحليل: علاقة الاستغلال. الرأسمالية لا تستطيع، بنيوياً، أن تستخرج فائضاً من شيء لا حياة فيه. إنها تحتاج دائماً إلى ذاك العنصر الذي يُستهلك أثناء خلق القيمة: قوة العمل. أما العمل الميت فلا يُستهلك، بل يُستخدم. والتمييز بين الاستهلاك والاستخدام هنا هو ما يفصل الاقتصاد السياسي الماركسي عن كل المقاربات التقنية المعاصرة التي تخلط بين القيمة والسعر، بين الاستغلال والتحقق، بين الإنتاج وتدوير البيانات.
إن الأزمة النظرية تكمن في أننا نعيش زمناً يملك فيه الرأسمال قوة هائلة على اخفاء الطبقة العاملة خلف تقنيات ضخمة تمتصّ وجودها، فتبدو كما لو أنها خارج العملية. لكن تموضعها خارج مرأى العين لا يعني خروجها من منطق الإنتاج. العمل الحي، وإن وُزّع وتقطّع وتحوّر، يظل المادة الوحيدة التي يمكن للرأسمال أن يستخرج منها فائض القيمة. فإذا استنفدت الرأسمالية يوماً مخزون العمل المتجسد في آلاتها وخوارزمياتها دون تجديد عبر قوة العمل الحية، فسيتوقف الإنتاج نفسه؛ لأن العمل الميت لا يستطيع، بذاته، إعادة إنتاج شروط وجوده.
لهذا فإن القول بأن الخوارزميات تنتج فائض القيمة ليس إلا إعادة صياغة لوهم قديم: وهم القدرة على إنتاج قيمة بلا استغلال. بينما الواقع، في كل تحولاته، يثبت العكس: الآلة تتطور، الخوارزمية تتعقّد، لكن مصدر القيمة يظل ثابتاً. إنه ذاك الجهد البشري الذي يُنتزع، كل يوم، من حياة العامل، ويُعاد ضخه في جسد رأس المال ليضمن ديمومته. كل ما تغير هو أن عملية الانتزاع صارت أكثر خفاءً، وأكثر تجريداً، وأكثر اتساعاً، لكنها بقيت، من حيث الجوهر، استغلالاً للعمل الحي من أجل تراكم العمل الميت.
ابراهيم الطويل