الحركات الاجتماعية

حتى لا ننسى :الانتفاضة الشعبية ل23مارس1965

حتى لا ننسى :الانتفاضة الشعبية ل23مارس1965

السياق التاريخي والدروس
تحل الذكرى 61 عن انتفاضة 23مارس 1965، التي فجرها التلاميذ بالدارالبيضاء وخلفت ضحايا بالمئات، وما تزال جراحاتها قائمة لحد الآن ولعل أخطرها استمرار نظام تعليمي يكرس العبودية والخنوع، وينتج التجهيل والاستلاب، حتى تظل ذاكرتنا متقدة، نسوق للقراء هذه المحاولة في قراءة جزء من تاريخ مغرب النضال معمد بدماء الشهداء.

"إن تاريخ كل الثورات السابقة يدلنا على إن الحركات الشعبية العنيفة، بعيدا أن تكون نتاجا اعتباطيا، واعيا ل"قادة" أو "أحزاب" كما يتصورها الشرطي أو المؤرخ البرجوازي الرسمي، هي في الواقع، ظواهر اجتماعية بدائية ناجمة عن قوة طبيعية تجد منبعها في الطابع الطبقي للمجتمع العصري"
روزا لوكسمبورغ
1- الانفراد بالسلطة وتطبيق برنامج الكومبرادور:
بعد قمع انتفاضة الريف في أكتوبر 1958 والانقلاب على حكومة عبد الله إبراهيم سنة 1959 ووضع حد لتمرد الأطلس المتوسط المسلح في فبراير 1960 بقيادة "عدي وبيهي"، انفرد ولي العهد آنذاك الحسن الثاني بالسلطة وقيادة الحكومة خلال السنوات 1960-1964 التي عرفت تطبيق المخطط الخماسي الذي يرمي في خطوطه العريضة إلى توسيع قاعدة الملاكين العقاريين الكبار من خلال إنشاء المكتب الوطني للري بتاريخ 3 شتنبر 1960، خاصة في المناطق التي هيئ لها الاستعمار البنيات التحتية ، والتي تقدر مساحتها ب600.000 هكتار.
وقد كانت ملكية الأرض بالنسبة للفلاح الذي يمثل 90% من ساكنة البادية لا تتجاوز بالنسبة للفئات المتوسطة هكتارين بينما يستحوذ 10% من الملاكين العقاريين على ما يفوق 60 % من الأراضي الفلاحية المرتبطة بسياسة الري.
أدت هذه السياسة إلى حرمان الجماهير الفلاحية من حقهم في الأرض، إذ تبخرت لديهم كل أحلام الاستقلال، إذ تم تفقير العديد منهم وانتزاعهم من بيئيتهم انتزاعا، ورميهم إلى ضواحي المدن حيث الآفاق المظلمة. كما أدت على مستوى تسيير المرافق العمومية إلى تخفيض النفقات الخاصة في مجالات الصحة، التعليم والشغل، بحيث بلغت مديونية الخزينة العامة156 مليار فرنك وعرفت الأجور انحصارا بينما ارتفعت الأسعار بنسبة 50%.
وفي مجال الصناعة، ارتكزت سياسته على تقوية البرجوازية الكومبرادورية وتوسيع نشاطاتها المالية(إنشاء بنك القرض الفلاحي، الموجه للاستثمارات الفلاحية على المدى القصير والمتوسط، خصوصا في مجال الصناعة التحويلية، كإنتاج السكر وصناعة القطن ومشتقات الحليب…) والتي أدت إلى تعميق ظاهرة البطالة في صفوف الشباب خاصة أن ساكنة المغرب آنذاك كانت تمثل 56،6% من الشباب أي اقل من 20سنة.
كل ذلك كان محكوما بنهج أسلوب تحكمي تفرضه دولة رأسمالية تبعية يؤطرها دستور 1962 الممنوح الذي يشرعن الحكم الفردي المطلق.

2- الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان
خلال هذه الفترة عرفت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تطورا خطيرا تمثل في الاعتقالات الواسعة التي مست مناضلو واطر المعارضة الاتحادية (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الاتحاد المغربي للشغل) كان عنوانها البارز محاكمة يوليوز1963 أو ما يعرف بالمؤامرة ضد الملك الحسن الثاني،حيث حوكم 11 مناضلا بالإعدام (ثمانية في حالة غياب من ضمنهم المهدي بن بركة وعبد الرحمان اليوسفي) وثلاثة في حالة حضور( محمد الفقيه البصري – الديوري- عمر بن جلون) و35 أدينوا بأحكام متفاوتة.
وبتاريخ 19 غشت تم تحويل أحكام الإعدام إلى المؤبد بالنسبة للبصري والديوري وعمر بن جلون.
كما عرفت هذه الفترة مواجهات مسلحة بين رفاق شيخ العرب وجهاز القمع(البوليس) أسفرت عن قتل 3 من رجال الشرطة وأربعة من رفاق شيخ العرب.
شهران بعد ذلك تم اغتيال شيخ العرب في إحدى الأحياء الشعبية بمدينة الدار البيضاء وقد استشهد في المعركة بدون أن يستسلم.
وفي مجال خنق الحريات الفردية والجماعية تم اعتقال ثلاثة عشر مواطنا مغربيا ومن ضمنهم سوري بالناظور، لانتمائهم إلى الطائفة البهائية وحكمت عليهم محكمة الجنايات بالناظور بالإعدام ل3اعضاء و5 بالسجن المؤبد والباقي ب5 سنوات نافذة.
وبخصوص حرية التعبير والصحافة، فقد تم منع جريدتي "الكفاح الوطني" لسان حال حزب التحرر والاشتراكية " بتاريخ 12 مارس 1965 و "الوطن الإفريقي" باللغة الفرنسية لسان حال حزب الاستقلال بتاريخ 17 فبراير 1965 واستنطاق مديرها والحكم عليه ب10 أشهر سجنا نافذة، واعتقال 600 شخص بسبب إعلان فطورهم في شهر رمضان بالمقاهي الشعبية والشارع، حيث صدرت أحكاما نافذة في حق 30 شخصا فيما الباقي بأحكام موقوفة التنفيذ.

3- رب شرارة أحرقت حقلا
في هذا السياق العام نزلت المذكرة المشؤومة الموقعة آنذاك من طرف وزير التربية يوسف بلعباس الطعا رجي بتاريخ 9 فبراير 1965 وبتاريخ 20مارس 1965 بدأ الشروع في تطبيقها، إذ حددت هذه المذكرة أنه "من الضروري ألا يتوجه إلى السنة الرابعة من الثانوي سوى التلاميذ القادرين على متابعة الدراسة في إحدى الشعب المتخصصة من السلك الثاني وانه يمكن أن يتوجه من السنة الرابعة من الثانوي التلاميذ المزدادون سنة 1948 المتخرجون من السنة الثالثة من الثانوي ، بينما أولائك المزدادون قبل سنة 1948 وتبلغ أعمارهم 18 سنة أو أكثر، فلا يمكنهم ولوج السلك الثاني من الثانوي أو الوصول إلى قسم الباكلوريا".
وقد أثارت هذه القرارات حفيظة التلاميذ المعنيين وأوليائهم.
كانت هذه هي الشرارة الأولى التي أشعلت فتيل الانتفاضة، فمع انطلاق الاحتجاجات الأولى ابتداء من 20 مارس 1965، عمدت السلطة إلى إقفال 13 مؤسسة تعليمية بالدار البيضاء، كانت 154 تعليمية في المغرب كله تشمل 91010 تلميذ، منهم 35.000 في الشعب التقنية (80.035 من المغاربة و12.095 من الفرنسيين) وقد تخرج من المدارس العليا لتكوين المعلمين 1500 تلميذ/معلم سنة 1962 و1800 تلميذ/معلم سنة1962 و2400 سنة 1965. هذه المعطيات تؤكد أن أعمار المدرسين سنة 1965 كانت قريبة جدا من أعمار التلاميذ في السلكين الأول والثاني)
وقد أدى بخروج الآلاف من التلاميذ إلى التظاهر السلمي بتاريخ 22 مارس 1965 مطالبين بتلبية حقهم الأساسي في التعليم (شملت الاعتقالات الأولى 3000تلميذ) لكنها لم توقف استمرار التظاهر، ومما أعطى لهذه الاحتجاجات طابعا طبقيا بارزا، هو تضامن جمعيات آباء وأولياء التلاميذ والطلبة، ثم التحقت فيما بعد شبيبة الأحياء الشعبية ومختلف الشرائح الاجتماعية الكادحة والمهمشة من عاطلين وباعة متجولين وحرفيين.
وفي الوقت الذي تحولت فيه الاحتجاجات التلاميذية إلى انتفاضة شعبية بتاريخ 23 مارس1965و التي انتقل صداها إلى الرباط وفاس وطنجة خلال ذلك الوقت اجتمعت على الفور هيئة مصغرة مكونة من كبار ضباط الجيش والمسؤولين السياسيين في هرم السلطة وعلى رأسهم الملك الحسن الثاني، حيث تقرر وضع خطة أمنية لحصر الانتفاضة وإجهاضها والحيلولة دون انتقالها إلى ربوع المغرب. وقام آنذاك الجنرال السفاح أفقير بترجمة هذه الخطة على الفور.
بلغت الانتفاضة الشعبية أوجها من خلال وضع المتاريس وإحراق الكوميساريات رموز المخزن وبعض الابناك ومتاجر الأجانب الفاخرة رموز الاستعمار الجديد، ورغم تدخل السلطات القمعية التي استعملت كل الوسائل: قوات الشرطة، القوات المساعدة، جهاز التدخل السريع، الجيش، وحتى الأسلحة الثقيلة، رغم كل ذلك استمرت الانتفاضة في الدار البيضاء حتى يوم 24 مارس فيما استمرت إضرابات الطلبة حتى يوم 29 مارس بعد إطلاق سراح مجموعة من الطلبة والتلاميذ وعلى رأسهم رئيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب حميد برادة.
وحسب الملاحظين الدوليين والصحافة المعارضة فإن عدد القتلى فاق المئات، إلى جانب الآلاف من الجرحى.
بينما الحصيلة حسب بلاغ وزارة الأنباء فلم تتجاوز7 قتلى من المواطنين تتراوح أعمارهم بين 30و 60 سنة، وجرح 45 شرطيا و24 من القوات المساعدة كما تضررت 8 سيارات الشرطة وأضرمت النار في دراجات نارية وسيارة تابعة لمفتشي الأمن، وقد القي القبض على 168 شخصا أحيلوا فورا على المحاكم.

4- على من تقع المسؤولية:
كعادته حمل الملك تبعات هذه الانتفاضة إلى الشعب وفي طليعته رجال التعليم حيث أن اغلبهم لا تتجاوز أعمارهم إلا قليلا عن العشرين سنة ، حيث جاء في خطاب العرش يوم 30 مارس:" أتوجه إلى الأساتذة وأقول لهم، انه من عادة الرجال وعادة المثقفين بالخصوص أن تكون لهم الشجاعة الكافية للتعبير عن أفكارهم، لا أن يستغلوا التلاميذ، ولا أن يتستروا وراء الأطفال" واختتم كلامه عنهم بتحذير شديد اللهجة:" أقول لكم انه لأخطر على أي دولة من الشبيه بالمثقف وانتم أشباه المثقفين وليتكم كنتم جهالا".
أما أحزاب المعارضة ممثلة في أحزاب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب التحرر والاشتراكية والاتحاد المغربي للشغل( باستثناء جامعته الوطنية للتعليم والاتحاد الوطني لطلبة المغرب الذين ساندا منذ البداية انتفاضة الشباب وقدما لها الدعم السياسي الضروري ) لم تعلن صراحة عن دعمها للانتفاضة بل أقصى ما قامت به وفي وقت لاحق هو إصدارها بيانات تعتبر أن ما حصل هو نتيجة فشل السياسة المتبعة في كل المجالات وعلى الخصوص في قطاع التعليم، ومطالبتها بإصلاحات جذرية بدءا من تحرير دستور ديمقراطي وإقرار سياسة وطنية تحد من الفوارق الاجتماعية.

5- الدروس المستخلصة:
كان الدرس الأول هو بروز الشباب كطاقات ثورية لا ينضب خزانها، وهو ما سيتكرر في كل المعارك التي خاضها الشعب ضد التهميش والتفقير وهضم الكرامة، وهو ما سنلاحظه في الأدوار الطلائعية التي أصبح يضطلع بها في مختلف الأنشطة الثقافية والنقابية والسياسية، بعزيمة لا تلين من اجل ترسيخ ثقافة حديثة تقطع مع الممارسات التقليدية والمخزنية التي تكبل المجتمع وتعرقل تطوره الطبيعي.
انطلاقا من هذا المعطى، ستشتغل لاحقا قوى سياسية جديدة انبثقت من رحم هذا الجيل التواق إلى الحرية والمساواة، جيل الحركة الماركسية اللينينية، التي سرعان ما ستكتسح الساحة السياسية وتنشر نقدها الجذري للأحزاب الإصلاحية التي اهترات هياكلها، رافضة أية مساومة مع النظام، بحيث أحدثت قطيعة معرفية وسياسية مع كل مل يرمز إليه النظام البائد.
ومن الدروس الأساسية التي تستخلص من هذه الانتفاضة هو انبثاق جيل جديد من هذه الحركة الذي عاش ظروف الانتفاضة وخبر عن كثب التواطؤ المكشوف بين أحزاب الحركة الوطنية والنظام، مما أدى به إلى التعبير عن طموحه السياسي في الانعتاق من اسر الأحزاب التقليدية وذلك بفك الارتباط التنظيمي والسياسي مع هذه الأحزاب وهو ما سيؤدي فيما بعد إلى تبلور الحلقات الأولى من الحركة الماركسية اللينينية.

وتأكيدا على ذلك جاء في الوثيقة التأسيسية لمنظمة 23 مارس ما يلي: " كانت انتفاضة 23 مارس 1965 انتفاضة شعبية كبرى بعد الاستقلال، تظاهر فيها آلاف من الشباب والعاطلين في اغلب المدن المغربية، وسقط فيها ما يزيد عن ألف شهيد وعمت الاعتقالات بالجملة في هذا الجو، وفي هذه المعركة التي أعلنت فيها الجماهير بغريزتها الثورية، وبأسلوبها الخاص، عن قطيعتها النهائية مع خط العمل الإصلاحي البرلماني، وعن رفض كامل لإستراتيجية الملكية الدستورية.
في هذا الظرف دخلت الأحزاب الوطنية، حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، المفاوضات المشهورة مع الحكم، وفي هذه الفترة أيضا، بدأا سؤال كبير وخطير يطرح بين المناضلين وبالخصوص الشباب الذين عاشوا وشاركوا في نضالات 23 مارس، وفي نفس الوقت كانوا مناضلين منتمين لحزب القوات الشعبية: كيف يصح بعد هذه المجزرة الوحشية التي أقامها الحكم الملكي ضد الجماهير أن يصافح زعماؤها وقادتها رئيس الدولة ويجلسون معه على طاولة واحدة للحديث حول مصلحة الشعب الذي سحقه الحكم بالأمس?.
بالإضافة إلى الدروس السابقة هناك أيضا اعتبار إشكالية التعليم بمعانيه الوطنية والديمقراطية والشعبية، وبارتباط مع إشكالية العلمانية، والمعرفة العلمية، وامتلاك التكنولوجيا الحديثة، لا يمكن حلها في إطار النظام القائم، بل حلها يتأسس على نقد مزدوج للنظام الطبقي من جهة والنظام الامبريالي من جهة ثانية، وهو ما سيطبع بميسمه وما يزال التاريخ الحديث للمغرب.
أختم هذه المقالة بهذه القصيدة التي كتبها الشاعر المغربي عبد الله زريقة تعبيرا مجازيا عن تلك الأحداث الدامية:

وأنا قد أحرقت سفني ورائي
وولجت البحر..
مذ كنت طفلا بالنعل البلاستيكي الأبيض
اجري مع الأطفال
وأصيح باسم مدينتي الأسيرة..
كنا نصيح باسم الأهل
الاندلس الدار البيضاء 1977
ص 38- 40

عن الكاتب

حسن صعيب

حسن صعيب

كاتب ماركسي مغربي

حوارات ونقاشات

قراءة في كتاب: ثورة في الرؤوس

قراءة في كتاب: ثورة في الرؤوس

في الماركسية والاشتراكية واليسار
للمفكر المغربي عبد الإله بلقزيز.
صدر هذا الكتاب عن المركز الثقافي للكتاب بالدارالبيضاء، في صيف السنة الماضية، وقد تزامن مع إحياء الذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس.
تكمن أهمية هذا الكتاب ، في سبر أغوار الفكر الماركسي، من خلال شرح شروط تشكله التاريخية وأطروحاته الفكرية والسياسية، وكذا جدوائيته في الصراع الراهن ضد الرأسمالية ومن أجل الاشتراكية.
يقرأ الكاتب هذه الراهنية من خلال تحرير المثن الماركسي من التشوهات والإسقاطات التي لحقت به نتيجة تأويلات تعسفية أو ذوغمائية، وفي هذا السياق، يقدم الأطروحات التالية:
1- نحت مفهوم الإديولوجية السياسية لتمييزه عن التصور النظري الذي حكم المنظومة الفكرية الماركسية، وتبعا لذلك يعتبر " اللينينية" هي نتاج الإديولوجية السياسية التي بلورها لينين في مواجهة القيصرية وتحقيق ثورة أكتوبر1917، أي تتميز بالطابع الخصوصي لروسيا ولمستوى تطور البنية الاجتماعية- الاقتصادية، ولشروط الحرب؛
2- التركيز على الفصل المنهجي بين الماركسية وفشل الاشتراكية ، ذلك أن انهيار الاتحاد السوفياتي لا يمكن ربطه أوتوماتيكيا بعدم صلاحية الفكر الماركسي، فهو يستند بالدرجة الأولى إلى قراءة تعسفية لمنظومة الفكر الماركسي، ولقصور في النظر لمشكلات جديدة-لم يعالجها ماركس في زمنه بنفس المعالجة الدقيقة لدينامية الرأسمالية، من بينها جملة من القضايا التي تتعلق بالمضمون الملموس لجهاز الدولة والديمقراطية والاشتراكية- ولأخطاء في الممارسة السياسية، ويعني بها الكاتب عدم تجذير الفكرة الديمقراطية في المجتمع، وعدم تبوء البروليتاريا السلطة عبر التناوب بين مكوناتها الايديولوجية والسياسية، أي سيادة نمط الحزب الواحد، وقمع الرؤى الأخرى المختلفة رغم أنها تدود عن بناء الاشتراكية.
3- اعتبار الشيوعية نظرية مثالية ، ولا تنسجم مع الرؤية المادية الجدلية ، عكس التنظير للمجتمع الاشتراكي الذي ينبثق وفق تحليل دينامية الرأسمالية ، من تطور التناقضات بين الطابع الخاص للتملك والطابع الاجتماعي للإنتاج.
4- تم تبني الماركسية في الرقعة الجغرافية العربية من خلال الدور الذي لعبه الكومنترن في ترويج الماركسية المسفيتة، وظلت ماركسيتها غريبة عن مجتمعات مثقلة بالفكر الغيبي والديني وبآليات الاستبداد السياسي، بحيث لم تكن سباقة إلى ربط التحرر الاجتماعي للطبقة العاملة بالتحرر الوطني من الاستعمار، ولم تتمكن من بلورة رؤية صحيحة لعلاقة الجماهير بالدين، وتبوء مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان المشهد السياسي، في نضالها اليومي الملموس.
5- شكل نقد اليسار العربي واليسار المغربي نصف صفحات الكتاب، مبرزا التناقض الصارخ بين الفكرة الماركسية وبين ترجمتها على أرض الواقع، مستندا في ذلك إلى أزمة تبيئة الماركسية في الواقع العربي والمغربي، وفي شروط تكونهما المتسمة بعدم نضج تنظيماتها في التأثير السياسي والإيديولوجي على أوضاع الجماهير الشعبية وإخفاقها في تنزيل برامجها الثورية، بسبب اجترار خطط وبرامج وأطروحات للثورثين الروسية والصينية، وبعض الأفكار الثورية التي أفرزتها الانتفاضة الطلابية سنة 1968، وتلك المرتبطة بانبثاق الكفاح المسلح الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني، وإذا كان اليسار العربي ممثلا في الجبهة الديمقراطية الفلسطينية، ومنظمة العمل الشيوعي اللبنانية قد طور نسبيا خطاب وبرنامج اليسار العربي، بتمييزه البرنامج المرحلي عن البرنامج الاستراتيجي، فإن اليسار المغربي ظل يراوح مكانه بسبب استمرار تسويقه أطروحة إيديولوجية، لا تعير اهتماما لمسألة التمرحل في النضال، والعلاقة الجدلية بين التكتيك والاستراتيجية، وبالاعتماد أساسا على أسلوب التحريض في شحد الجماهير، وجعل من الحركة الوطنية التقدمية خصما إيديولوجيا وسياسيا ، حيث استهلك وقتا سياسيا في الصراع معها أطول من صراعه ضد النظام، وحمل مسؤولية الشبيبة التعليمية مسؤولية سياسية أكبر من حجمها، قادته في النهاية إلى إخفاق مشروعهالسياسي- الاجتماعي.
كانت هذه في المجمل أهم الأطروحات التي بلورها الكاتب من خلال تصور نظري محكم، يتوسل استخدام المفاهيم الماركسية في أصولها، مع إعادة تأويلها وتطويرها من خلال مفكرين ماركسيين مشهود لهم بالاجتهاد النظري من أمثال غرامشي، ألتوسير، نيكوس بولانتزاس، وشارل بتلهايم،سمير أمين ومهدي عامل.
رغم تسجيل هذا الاجتهاد المتميز في النظر إلى موضوعات الماركسية والاشتراكية واليسار، فقد ظلت بعض البياضات في الكتاب غير مملوءة، ونخص بالذكر نقده الجذري للفكرة الشيوعية، التي لا يستقيم نقده لها إذا لم يربطها بالبناء الطويل للإشتراكية، على اعتبار أن أي تقدم في نقد الشيوعية سلبا أو إيجابا، يجب أن يرتكز على تجاوز أخطاء بناء الاشتراكية، وبلورة أطروحة سياسية لا تقف عند حدود الاشتراكية، وإلا سنقفل باب التاريخ المفتوح على عدة احتمالات.
القضية الثانية التي لم يستفيض الكاتب في فك عناصرها وشرح ملابسات عدم تطبيقها في " التجربة الاشتراكية الفعلية" هي ديكتاتورية البروليتاريا، وأعتقد أن فشل لينين في الدفع بها نحو الأمام، هي ما تعيد للأدهان فكرة الديمقراطية في قلب المجتمع الاشتراكي، والتي تشكل روح التحول من الاشتراكية إلى الشيوعية، فبالمثل استغرق تجسيد" الديمقراطية" في الغرب الرأسمالي أزيد من أربعة قرون، وقد ساهم نضال الطبقة العاملة في هذا الترسيخ، من خلال أولا القضاء على الإقطاع، لأن البرجوازية أفسحت المجال للطبقة العاملة لتساعدها في هذه المهمة، وكانت ثورات 1848، تعبيرا عن هذا التحول ، ووسعت أيضا من دائرة " الديمقراطية البرجوازية" خلال الفترة الكينزية(1945-1975) أو ما يسمى ب" ثلاثين سنة المجيدة".
ثالث القضايا هو العلاقة المتشابكة والمعقدة بين الطبقة والدولة، صحيح أن الدولة هي مجال حل التناقضات الطبقية، لكن في ظل الهيمنة الرأسمالية، ليست البرجوازية جسما متجانسا، فحسب تحليلات ماركسيين جدد، من أمثال جاك بيده وجيران دومينيل، فهناك القطب من البرجوازية الذي يتحكم في وسائل الإنتاج، وقطب آخر يتشكل من الأطر التي تراقب وتشرف على الإنتاج وتدبر السياسات العامة للنظام الرأسمالي، وبالتالي فالصراع داخل المجتمع البرجوازي، يتشكل من ثلاثة طبقات: مالكي وسائل الإنتاج، الأطر العليا في القطاع العام والقطاع الخاص، المشرفين على إدارة الرأسمال ومراقبة أرباحه، ثم الطبقة العاملة ومختلف الأجراء. ودمقرطة الدولة سواء في إطار الرأسمالية المتقدمة أو الرأسمالية المتأخرة، يستلزم فك التناقض بين البرجوازية المالكة لوسائل الإنتاج وطبيعتها جد محافظة، والحائزين على الكفاءة في التدبير الاقتصادي والساهرين على حماية الدولة من التفكك، في هذا الصراع الثلاثي، من الأسفل من طرف الطبقات الشعبية، ومن الفوق في استمالة الأطر لصالح هذه الأخيرة.
وكخلاصة مركزة، فالنقد الذي وجهه لليسار المغربي، يحتاج إلى تحيين، إذ أصبح اليسار يهتم بحقوق الإنسان وبضرورة إنجاز الديمقراطية، وأصبح يميز بين النضال المرحلي والنضال الاستراتيجي، وتطور في اتجاه بلورة جواب صحيح حول تدين الشعب، ولم يعد في ممارسة اليسار ذلك البون الشاسع بين الإصلاح والثورة، فبقدر ما يتقدم في النضال من أجل الإصلاح، يتقدم أيضا خطوات في النضال من أجل الثورة.

عن الكاتب

حسن صعيب

حسن صعيب

كاتب ماركسي مغربي

حوارات ونقاشات

لماذا لن تؤدي عسكرة الاقتصاد الأوروبي إلى إنقاذ صناعتنا

لماذا لن تؤدي عسكرة الاقتصاد الأوروبي إلى إنقاذ صناعتنا

دراسة علمية، من تأليف:
بنيامين بيستيو : هو نائب الكاتب العام لحزب العملجط البلجيكي (PTB) ورئيس شؤون العمل، وهو داعم دائم للنقابيين في جميع أنحاء البلاد. كما أنه متخصص في مجالات الأجور وساعات العمل.
ماكس فانكاوينبيرج: هو رئيس حزب PTB في فلاندرز الشرقية. كما أنه يعمل لصالح الحزب في جميع القضايا المتعلقة بالسياسة الصناعية ومستقبل الصناعة في اوروبا
عن مجلة LAVA الإلكترونية المقربة من حزب العمل البلجيكي
ترجمة: حسن الصعيب

أسطورة التداعيات التكنولوجية
(الجزء الثاني)
يمثل التخلف التكنولوجي لأوروبا عن الولايات المتحدة والصين تحديًا
وجوديًا. هذا ما حذر منه رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق، ماريو
دراجي، في تقريره عن القدرة التنافسية الأوروبية: "التغير التكنولوجي يتسارع بوتيرة متسارعة. (…) الاتحاد الأوروبي متأخر في التقنيات الناشئة التي ستدفع عجلة النمو المستقبلي."(18)
تعدّ البطاريات مثالًا صارخًا على هذا التخلف، فهي تقنية أساسية وحيوية
للتحول الصناعي. ويُجسّد إفلاس شركة نورثفولت هذا التخلف بوضوح. تأسست
هذه الشركة السويدية الناشئة عام 2017 على يد مسؤول تنفيذي سابق في شركة
تسلا، وكان من المفترض أن تُمثّل رمزًا لنهضة صناعية أوروبية في مجال
بطاريات السيارات الكهربائية، وهو قطاع استراتيجي تهيمن عليه آسيا إلى حد
كبير. استفادت نورثفولت من تمويل هائل من القطاعين الخاص والعام (أكثر من
15 مليار يورو)، وأنشأت مصنعًا ضخمًا للبطاريات في السويد، والذي اعتُبر
آنذاك نموذجًا للسيادة التكنولوجية الأوروبية. ووظّفت الشركة ما يصل إلى
6500 عامل. ولكن في نوفمبر 2024، أعلنت نورثفولت إفلاسها بسبب نقص
السيولة، مما حطّم طموحات الاتحاد الأوروبي وترك دافعي الضرائب
الأوروبيين مثقلين بديون غير مسددة. تُسلّط هذه الكارثة الضوء على أوجه
القصور الهيكلية في أوروبا في مجال الابتكار الصناعي. هذه الأرقام، التي
تبدو مُبهرة، تكتسب بُعدًا جديدًا تمامًا عند مقارنتها بإحدى شركات البطاريات الصينية العملاقة، التي تمتلك 25 عامًا من الخبرة في هذاالمجال، وتوظّف ما يقرب من 21000 مهندس (!) مخصصين للبحث والتطويرفقط.(19)
يتخلف الاتحاد الأوروبي حاليًا تكنولوجيًا في العديد من المجالات، بما في
ذلك التقنيات الرقمية المتقدمة، والتقنيات الخضراء، والقيادة الذاتية،وشبكات الجيل الخامس (5G)، وقريبًا شبكات الجيل السادس (6G). ويقل إنفاقه على البحث والتطوير بشكل ملحوظ عن نظيره في الولايات المتحدة والصين، كماأن جهوده متفرقة. وقد نشرت محكمة المدققين الأوروبية مؤخرًا تقريرًا يسلط الضوء على التخلف الحرج لأوروبا في تكنولوجيا المعالجات الدقيقة. وتُعدالمعالجات الدقيقة، أو "الرقائق الإلكترونية"، أساس جميع الأجهزةالإلكترونية، من السيارات والهواتف الذكية إلى الأقمار الصناعية والذكاءالاصطناعي. وتضيف محكمة المدققين أن استراتيجية المفوضية الأوروبيةالحالية لن تكون كافية لسد هذه الفجوة.(20)قبل بضعة أشهر، كانت محكمةالمدققين الأوروبية قد أثارت بالفعل ناقوس الخطر بشأن نقص الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
في مواجهة هذا الوضع، تحاول المفوضية الأوروبية طمأنتنا من خلال الادعاء
بأن "زيادة الاستثمار في الدفاع سيكون لها آثار إيجابية غير مباشرة على
الاقتصاد بأكمله، مما يساهم في القدرة التنافسية وخلق فرص العمل
والابتكار في العديد من القطاعات، من الطيران إلى بناء السفن، ومن الصلب
إلى الفضاء، ومن النقل إلى الذكاء الاصطناعي".21إن المثال الأكثر شيوعًا
لدعم هذه الفكرة هو الإنترنت، الذي يُقدم كنتيجة للبرامج العسكريةالأمريكية.

هذا المنطق معيب، وهذه الاستراتيجية تُنذر بتفاقم تخلفنا التكنولوجي في
جميع هذه القطاعات المدنية. في كتابها الأكثر مبيعًا، "الدولة الريادية
"، تُعيد الخبيرة الاقتصادية ماريانا مازوكوتو النظر في أصول الإنترنت،
الذي موّلته في البداية وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة (DARPA)،
التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية.22يُظهر هذا أن الغرض العسكري من الاستثمارات لم يكن هو العامل الحاسم، بل الدور الاستراتيجي الذي اضطلعت به الدولة: تمويل البحوث طويلة الأجل، وتنسيق جهود الجامعات والشركات والمختبرات حول مشاريع طموحة، بغض النظر عن ربحيتها الفورية. باختصار،إذا كان ظهور الإنترنت في إطار عسكري هو البداية، فذلك بفضل سياسة عامةذات رؤية مستقبلية، وليس بسبب المنطق العسكري بحد ذاته. ولم يتسنَّ للإنترنت أن يتطور بالشكل الحديث منذ أوائل التسعينيات إلا في إطار مدني،مدفوعًا بطموح عشرات الآلاف من الباحثين والعلماء في المنظمة الأوروبيةللأبحاث النووية (سيرن) لنشر اكتشافاتهم العلمية بسرعة.
لذا، لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بضرورة الاستثمار في البحوث العسكرية. بل
على العكس، قد يكون لهذا النهج نتائج عكسية، إذ أن سرية الأمن القومي
تعيق نشر الابتكارات في التطبيقات المدنية. علاوة على ذلك، فإن زيادة
الإنفاق العسكري ستأتي على حساب البحث والتطوير المدني، مما قد يؤثر
سلبًا على حجم الابتكار الإجمالي.
بعيدًا عن أوهام الفوائد العسكرية، نحتاج إلى خطة حقيقية لاستثمار حكومي
ضخم في التقنيات المدنية المستقبلية، على نطاق أوروبي. وبدون ذلك، سيزداد
تخلفنا التكنولوجي - وما يصاحبه من تراجع صناعي - سوءًا. ليس لدينا يورو
واحد نهدره، ولا عقول نحوّلها من الأولويات التكنولوجية الأساسية إلى
برامج عسكرية.

الإنفاق العسكري على حساب التحول في مجالات الطاقة والصناعة والمناخ

إن عسكرة اقتصادنا ليست حلاً للأزمة التي تواجه القطاعات كثيفة الاستهلاك
للطاقة، كصناعتي الصلب والكيماويات. بل ستؤدي إلى تحويل الموارد التي يجب
استثمارها في التحول الطاقي. هذه القطاعات عالقة بين ارتفاع تكاليف
الطاقة وركود الطلب الصناعي لأسباب مختلفة. وبدون حل هيكلي لهذا الضغط
المزدوج، فإن مستقبل القارة الصناعية برمته مُهدد.(23)
الطاقة هي أساس كل نشاط اقتصادي. فهي تُشغّل القطارات، وتُدفئ المنازل،
وتُزوّد الآلات التي تُنتج السلع التي نستخدمها يوميًا بالوقود. وبدون
طاقة وفيرة وبأسعار معقولة، يستحيل الانتعاش الصناعي. لكن أوروبا اليوم
عالقة في تبعية مُشكلة: على الغاز الروسي بالأمس، وعلى الغاز الطبيعي المُسال الأمريكي اليوم. تبعية مُكلفة - فتكلفة الطاقة في أوروبا تتراوح بين ضعفين إلى أربعة أضعاف تكلفتها في الولايات المتحدة أو الصين.(24) - غيرمستقرة، وتتعارض جوهرياً مع متطلبات التحول المناخي. ويتطلب التحرر من هذا الاعتماد على الوقود الأحفوري المكلف والملوث استثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة.
لتحقيق أهدافها في مجال الطاقة المتجددة، يُقدّر الاتحاد الأوروبي أنه
سيحتاج إلى حشد استثمارات تتجاوز 570 مليار يورو سنويًا بحلول عام 2030،بل وربما تصل إلى 690 مليار يورو سنويًا خلال العقد التالي. ويجب أن
تُموّل هذه المبالغ الضخمة إنتاج الطاقة المتجددة، والبنية التحتية للنقل
والتخزين، وتطوير شبكة الكهرباء.(25)لكن في الوقت الحالي، بالكاد تصل
الاستثمارات إلى نصف ذلك المستوى.(26)لماذا هذه الفجوة الشاسعة بين الاحتياجات والواقع؟ وفقًا للخبير
الاقتصادي وأستاذ جامعة أوبسالا، بريت كريستوفرز، فإن السوق الرأسمالي
عاجز عن مواجهة هذا التحدي. في كتابه " السعر خاطئ: لماذا لن تنقذالرأسمالية الكوكب" ، يُبيّن أن آفاق الربح قصيرة الأجل في مجال الطاقةالمتجددة ضعيفة وغير مؤكدة بما يكفي لجذب رؤوس أموال خاصة تتناسب مع الاحتياجات.(27) ومع ذلك، تستمر خطط المفوضية الأوروبية في اتباع هذا المساربعناد: فالاستراتيجية لا تزال تتمحور حول السوق وحسن نية شركات الطاقة
متعددة الجنسيات الكبيرة.كما تُبدي الصناعات الكبيرة كثيفة الاستهلاك للطاقة شكوكًا حيال خطط المفوضية. ويؤكد أديتيا ميتال، الرئيس التنفيذي لشركة أرسيلورميتال، على أن تكاليف الطاقة تجعل تنفيذ مشاريع إزالة الكربون في أوروبا أمرًاصعبًا، قائلاً: "لا يزال من الضروري معالجة ارتفاع تكاليف الطاقة، الأمرالذي يُصعّب على الصناعة إحراز تقدم في مشاريع إزالة الكربون واسعة النطاق".(28) أعرب ووتر ريميسين، الرئيس التنفيذي لشركة BASF أنتويرب ورئيس
اتحاد الصناعات الكيميائية Essenscia، عن أسفه قائلاً: "ما زلنا غيرراضين بشأن القضية الحساسة الرئيسية للصناعة: تكاليف الطاقة. فباستثناءالشراء الجماعي، لا أرى الكثير من المعلومات الملموسة حول هذاالموضوع."(29)على الرغم من أن هدفهم واضح أيضاً وهو زيادة الضغط للحصول على المزيد من المساعدات الحكومية والإعانات لزيادة أرباحهم، إلا أن مشكلةالطاقة التي يثيرونها حقيقية - والحلول التي طرحتها اللجنة غير كافية إلى حد كبير.بالمقارنة، استثمرت الصين أكثر مما استثمرته الولايات المتحدة والاتحادالأوروبي مجتمعين في الطاقة المتجددة في عام 2023. وعام 2023 ليس استثناءً: فعلى مدى السنوات العشر الماضية، استثمرت الصين باستمرار أكثر
منهم.(30) يوضح بريت كريستوفرز قائلاً: "تُعدّ الصين، تاريخياً وحتى اليوم،
رائدة العالم في استثمارات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، سواءً من حيث
محطات توليد الكهرباء المتجددة بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، أو من حيث
تقنيات التوربينات والخلايا الكهربائية". ويضيف أستاذ جامعة أوبسالا:"هذه النتائج بعيدة كل البعد عن التطورات التي تحركها قوى السوق. فالأمرلا يتعلق بالقطاع الخاص الذي يحدد فرص الاستثمار، ويقيّم آفاق الربحية،ويقرر الاستثمار من عدمه بناءً على ذلك. بل يتعلق الأمر بالدولة التي تُحشد جميع الموارد اللازمة المتاحة لها لضمان الوفاء بالتزاماتها".
يُعدّ مواجهة هذا التحدي الطاقي شرطًا أساسيًا لتنشيط صناعتنا، وتقليل
اعتمادنا على الطاقة، والوفاء بالتزاماتنا المناخية. كما أن الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة ستوفر فرصًا كبيرة لصناعتنا. ويتطلب التحول الطاقي - من بناء قدرات إنتاج الطاقة المتجددة وتخزينها إلى البنيةالتحتية للنقل وعزل المباني -كميات كبيرة من الموادوالمكونات
والتقنيات، مما يفتح آفاقًا صناعية واعدة لقطاعات الصلب والكيماويات والصناعة ككل.
أظهرت دراسة أجراها صندوق النقد الدولي، وشملت دولًا أوروبية، أن
للاستثمارات في الطاقة المتجددة أثرًا مضاعفًا كبيرًا: فاستثمار يعادل 1%
من الناتج المحلي الإجمالي يؤدي إلى زيادة في إجمالي الناتج المحلي
تتراوح بين 1.11% و1.54% في السنوات اللاحقة، أي أكثر من ضعف ما ينتج عن إنفاق مماثل على الدفاع. ويُعزى هذا التأثير بشكل خاص إلى أن الطاقة
المتجددة توفر فرص عمل محلية أكثر، وتحفز الاقتصاد المحلي بشكل أكبر،
وتقلل الاعتماد على الواردات.(31)
يتطلب هذا التخلي عن مبادئ السوق واستعادة السيطرة على قطاع الطاقة
للاستثمار بكثافة. لكن كل يورو يُخصص للصناعات العسكرية هو يورو ضائع على
هذه الاستثمارات الحيوية. لا يمكن بناء صناعة قوية على الإنفاق العسكري،
إذ لا يمكن أن تقوم قارة قوية دون قاعدة صناعية متينة،ولا يمكن أن تقوم صناعة قوية دون طاقة رخيصة ونظيفة ووفيرة.

حرب اجتماعية ضد الطبقة العاملة

في مختلف أنحاء أوروبا، تفتح الحكومات أبواب الإنفاق العسكري على مصراعيها. ففي بلجيكا، قرر الائتلاف الحاكم المعروف باسم "أريزونا" في اتفاقية أُبرمت في أبريل/نيسان زيادة الميزانية العسكرية بمقدار 4مليارات يورو إضافية سنويًا، وذلك للوصول إلى معيار 2% من الناتج المحلي الإجمالي الذي فرضه حلف الناتو. واللافت للنظر هو سهولة "توفير" هذه المليارات فجأة، بينما كنا نسمع لسنوات أن "الميزانية محدودة"، وأنه "لا
توجد أموال" للمعاشات التقاعدية أو الرعاية الصحية أو التعليم أوالإسكان.
وهذه مجرد البداية. ففي قمة الناتو التي عُقدت في لاهاي في يونيو/حزيران،
كان الهدف هو زيادة الإنفاق العسكري إلى ما يتجاوز 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وتقترح الولايات المتحدة زيادة بنسبة 5%، وتتحدث عن "زيادةسريعة، أكثر من الضعف". أما مارك روته، الأمين العام لحلف الناتو، فقدحدد الحد الأدنى عند "أكثر بكثير من 3%؛ وهذا هو الحد الأدنى المطلق".(32) وهنا في بلجيكا، كان وزير الدفاع ثيو فرانكن واضحاً: "لقد
اتفقنا داخل الحكومة على ضرورة تحقيق هذا الهدف الأكثر طموحاً". "السؤال
الوحيد هو: هل سنضطر قريباً، وفقاً لحلف الناتو، إلى الانتقال إلى نسبة3% خلال خمس سنوات؟ أم إلى 3.5% خلال عشر سنوات؟"(33)السؤال المطروح هو "فقط" تحديد وتيرة الاستثمارات السكرية. أما فيما عداذلك، فلا مجال للنقاش حول هذه المبالغ الضخمة. فنسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي ستمثل ما يقارب 18 مليار يورو سنوياً لبلجيكا. وهذا المبلغ
يُقارن بالاستثمارات السنوية الإضافية اللازمة لتحقيق التحول المناخي في
بلجيكا.(34)
من سيدفع ثمن هذا التضخم الهائل في الميزانيات؟ بالنسبة لمارك روته،
الأمين العام لحلف الناتو، يبدو الجواب واضحاً: "تنفق الدول الأوروبية في
المتوسط ما يصل إلى ربع دخلها القومي على المعاشات التقاعدية والصحة
والضمان الاجتماعي. نحن لا نحتاج إلا إلى جزء صغير من هذه الأموال لتعزيز
دفاعنا بشكل ملحوظ."(35) بحسب الخبير الاقتصادي جيرت بيرسمان، فإن تطبيق معيار 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري سيعني خفض
المعاشات التقاعدية بنسبة 20% في بلجيكا.(36)وزير الدفاع ثيو فرانكن واضح بشأن نوع المجتمع الذي يرغب في بنائه:"لسنوات، سخرنا من الأمريكيين بسبب فقرهم وإدمانهم وافتقارهم لشبكة أمان اجتماعي، أو حتى بسبب تكلفة زيارة طبيب الأسنان الباهظة التي تصل إلى ألف
دولار. لم نكن نرغب بالعيش هناك لأنهم كانوا ينفقون كل أموالهم على إجراءات أمنية متشددة. بالطبع، من الأفضل بكثير إنفاق الأموال على المعاشات التقاعدية وإعانات البطالة ونظام الرعاية الصحية الكوبي حيث يمكنك شراء الأدوية من الصيدلية مقابل 13 يورو فقط. ولكن من على حق في النهاية؟"(37)في ألمانيا، هناك حديث عن تقييد الحقوق الاجتماعية، والسماح بتجنيد الأفراد، وزيادة ساعات العمل في القطاعات المتأثرة بالعسكرة.(38) في بلجيكا، عشية إضراب 31 مارس، نشرت النائبة عن حزب فورويت، جينيه بيلز،مقالاً في مجلة دوربراك القومية اليمينية لمعارضة الإضراب باسم خطر الحرب والحالة الجيوسياسية الطارئة.(39)
إن العسكرة خيار مجتمعي وحشي وحرب اجتماعية تُشن ضد الطبقة العاملة.
وتسعى الحكومة، من خلال استغلال الخوف من الحرب، إلى فرض علاج بالصدمةلتفكيك الضمان الاجتماعي وإخضاع الطبقة العاملة.

إعادة تصنيع أوروبا بدلاً من عسكرتها

تنبع الأزمة في الصناعة الأوروبية من ارتفاع أسعار الطاقة بشكل مفرط،
والتخلف التكنولوجي، وضعف الطلب، وامتناع الشركات متعددة الجنسيات عن
الاستثمار في صناعات المستقبل حرصاً على أرباح المساهمين. وقد بدأت عملية
التراجع الصناعي بالفعل. وكما رأينا،فإن عسكرةالاقتصاد لن توقف هذه العملية.كما أوضحنا في مقال سابق بعنوان "الصناعة لنا": تسعة مبادئ لإنقاذالصناعة في أوروبا(40) على مدى عقود، فشل الاتحاد الأوروبي في تطبيق سياسةصناعية استباقية تهدف إلى تعزيز القطاعات الصناعية الاستراتيجية، تاركًا التنمية الصناعية لقوى السوق. فمع استراتيجية لشبونة في العقد الأول من الألفية الثانية، أولى الاتحاد الأوروبي الأولوية للتنافسية من خلال التجارة الحرة، وتحرير سوق العمل، والخصخصة، وإلغاء القيود التنظيمية.ومنذ العقد الثاني من الألفية الثانية، أدى التركيز على التقشف إلى عقد
من الركود ونقص الاستثمار العام. وهكذا أصبحت أوروبا قوة متراجعة، متخلفة
أكثر فأكثر عن الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، متجاوزة من قبل الصين.
اليوم، تقودنا المفوضية الأوروبية من طريق مسدود إلى آخر: فبعد فشل نهج
السوق الحر، تجرّنا إلى طريق مسدود آخر هو الحرب. وقد أدى انقطاع التعاون مع الغاز الروسي، واستبداله بالغاز الصخري الأمريكي الأغلى ثمناً، إلى غرق الصناعة الأوروبية في أزمة. ولن يؤدي استمرار الحرب والاندفاع المتهور نحو التسلح إلا إلى تفاقم هذا الوضع. ومع وجود خطط لعسكرةالاقتصاد، تشهد أسعار أسهم شركات الدفاع مثل راينميتال، وداسو، وبي إيه إي سيستمز، وليوناردو، وتاليس، وساب ارتفاعاً حاداً في البورصات
الأوروبية الرئيسية.(41) لكن، كما رأينا، فإن أرباح تجار الأسلحة تتحقق على
حساب الطبقة العاملة وتضحي بتطوير صناعتنا.
إن عسكرة اقتصادنا تؤدي إما إلى حرب أو أزمة، وفي كلتا الحالتين، إلى تراجع صناعي. أزمة لأنه بدون حرب، لا توجد أسواق مستدامة. حرب لأنها السبيل الوحيد لتجنب أزمة في القطاع. وفي نهاية المطاف، إلى تراجع صناعتنا بأكملها لأن الإنفاق العسكري يأتي على حساب استثمارات استراتيجيةأخرى لصناعتنا.
حان وقت تغيير المسار. إن إعادة تصنيع أوروبا بدلاً من عسكرتها ليس مجرد احتمال، بل ضرورة حتمية. هذا الخيار يتجاوز مجرد الصناعة، فهو خيار
مجتمعي. هل نريد من عمال أوروبا بناء ألواح الطاقة الشمسية، وتوربينات
الرياح، ومساكن صديقة للبيئة، وأكبر شبكة سكك حديدية فائقة السرعة في
العالم؟ أم نفضل أن نراهم ينتجون أسلحة مصممة للقتل والتدمير؟ هل نريد
استثمار المال العام لإنقاذ المناخ، وخلق وظائف مجدية، وضمان رعاية صحية
متاحة للجميع، وتأمين معاشات تقاعدية كريمة؟ أم نريد تبديده على شراء
طائرات إف-35 وتوسيع مجمع صناعي عسكري لا يزدهر إلا في أوقات الحرب؟
هذا هو الخيار الجوهري الذي نواجهه اليوم، وهو يتناقض تمامًا مع الخيار
الذي تسعى المفوضية الأوروبية وحكومة ولاية أريزونا لفرضه علينا.إن الاستثمارات التي نقوم بها اليوم ستحدد العالم الذي سنعيش فيه غدًا،والعالم الذي سنتركه لأبنائنا.لن يتم إنقاذ الصناعة الأوروبية بمنطق "اقتصاد الحرب"هذه الاستراتيجية ليست سوى سراب خطير: فهي ستدمر المالية العامة،وتفشل في إنعاش الطلب،ولن تسد الفجوة التكنولوجية لدينا ولن تعالج عجزنا في الطاقة، وتخاطربإيقاع أوروبا في دوامة من الصراعات.في المقابل،يمكن لسياسة صناعية طويلة الأمد، تُخطط ديمقراطياً بمشاركةالعمال، أن تعالج الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية. هذا هوالمسار الذي يجب أن نسلكه إذا أردنا صناعة تخدم الشعب،لاالربح ودعاةالحرب.

عن الكاتب

حسن صعيب

حسن صعيب

كاتب ماركسي مغربي

الاقتصاد

لماذا لن تؤدي عسكرة الاقتصاد الأوروبي إلى إنقاذ صناعتنا

لماذا لن تؤدي عسكرة الاقتصاد الأوروبي إلى إنقاذ صناعتنا

دراسة علمية، من تأليف:
بنيامين بيستيو : هو نائب الكاتب العام لحزب العمل البلجيكي (PTB) ورئيس شؤون العمل، وهو داعم دائم للنقابيين في جميع أنحاء البلاد. كما أنه متخصص في مجالات الأجور وساعات العمل.
ماكس فانكاوينبيرج: هو رئيس حزب PTB في فلاندرز الشرقية. كما أنه يعمل لصالح الحزب في جميع القضايا المتعلقة بالسياسة الصناعية ومستقبل الصناعة في اوروبا
عن مجلة LAVA الإلكترونية المقربة من حزب العمل البلجيكي

ترجمة: حسن الصعيب

سوق غير مستدام ومحرك للحروب الدائمة
( الجزء الأول)

عندما نشعر بالجوع، نشتري الطعام، نأكله، ثم ينفد، لذا علينا إنتاج المزيد لإشباع جوعنا في المستقبل. وهكذا دواليك. نحتاج إلى التنقل للعمل،أو زيارة العائلة، أو قضاء العطلات.ولذلك،نستخدم وسائل النقل العام أوسياراتنا الخاصة.هذا الاستخدام المتواصل لوسائل النقل العام أو السيارات الخاصة يُؤدي إلى استهلاكها. وبعدفترة معينةمن الاستهلاك،تحتاج هذه المركبات إلى الصيانة أو الاستبدال. وهذا يتطلب أيضاً استثماراً في تطويروصيانة البنية التحتية للنقل وإنتاج المركبات.هذه هي دورة حياة المنتج،والتي تضمن استدامة معينة للنموذج الاقتصادي الذي يلبي احتياجات المجتمع ومتطلباته.
من جانبها، يُؤجّج الاستثمار في التسلح حلقة مفرغة يصبح فيها السلام تهديدًا للأرباح. فما دامت الصراعات مستعرة - على سبيل المثال، الحرب في أوكرانيا، والإبادة الجماعية في غزة، واحتلال رواندا لشرق الكونغو(بمباركة الاتحاد الأوروبي) - تجد الأسلحة سوقًا رائجة. ولكن إذا قامت الدول بتخزينها دون استخدامها، فإن السوق يصبح مكتظًا ومتشبعًا. وللبقاء،يحتاج المصنّعون إلى استخدام هذه الأسلحة في ساحة المعركة، مما يُولّدطلبات جديدة.
وهكذا، تخلق عسكرة الاقتصاد حافزًا هيكليًا للحرب، يعززه الضغط الصناعي.
والأسوأ من ذلك، أن الصراعات تُستخدم كمنصة تجارية. فبعض الشركات،مثل تلك التي تُورّد لإسرائيل، لا تتردد في التباهي بمعدات"مُجرّبة في ظروف واقعية،مُحوّلةً المجازر إلى أداة تسويقية.(1)
تجسد الولايات المتحدة هذا المنطق التدميري بشكل كامل. فبصفتها الدولة
الوحيدة التي أنشأت مجمعًا صناعيًا عسكريًا ضخمًا، وبالتالي قطاعًاصناعيًا قويًا قائمًا على الأسلحة، انخرطت في سلسلة من الحروب. فمنذ عام2001 وحده: أفغانستان (2001-2021)، العراق (2003-2011)، ليبيا (2011)،
سوريا، اليمن، دعم أوكرانيا، والحرب الإسرائيلية الإبادة الجماعية ضد
الفلسطينيين. هذه الحالة من الحرب الدائمة تغذي صناعة ضخمة: ففي عام
2024، بلغت صادرات الأسلحة الأمريكية 318.7 مليار دولار، بزيادة قدرها29% في عام واحد (رويترز، يناير 2025). وتبرر وزارة الخارجية نفسها هذه الأرقام بالإشارة إلى "تجديد المخزونات المرسلة إلى أوكرانيا"والاستعدادات "للصراعات الكبرى المستقبلية"(2)
خلافًا للروايات الرسمية،لا يوفر تسليح الاقتصاد أي حماية، بل يزيد من مخاطر الحرب. ويشهد التاريخ الأوروبي على ذلك: فقد أدت موجات إعادةالتسلح، لا سيما في ألمانيا خلال القرن العشرين، إلى حربين عالميتين وقارة مدمرة. واليوم، يعني تكرار هذا النمط التضحية بالمزيد من الأرواح،وتدمير المجتمعات لإطعام صناعة مستعدة لاستنزاف كل الموارد، ويعتمد بقاؤها… على انعدام أمننا. وكما يلخص الخبير الاقتصادي مايكل روبرتس،
فإن الكينزية العسكرية لا يمكن أن تنجح إلا في حالة الحرب.(3)
وهم التعافي من خلال الإنفاق العسكري
يشهد الاقتصاد الأوروبي حالة من الركود. وتعاني ألمانيا، القوة الصناعيةالرائدة في القارة، من ركود اقتصادي. وتقول المفوضية الأوروبية: "يمكن لسلاسل القيمة أو القدرات الإنتاجية الحالية في صناعاتنا التقليدية -كصناعات السيارات والصلب والألومنيوم والكيماويات - أن تجد فرصاً جديدةفي تحويل وتوريد قاعدة صناعية دفاعية متنامية".(4) لكن الأمل في أن يؤدي عسكرة الاقتصاد إلى إعادة القارة العجوز إلى مسار النمو من المرجح أن يكون قصير الأجل.
في علم الاقتصاد، نستخدم ما يُعرف بتأثير المضاعف لمقارنة أثر أنواع
الاستثمار المختلفة. يشير هذا المصطلح إلى ظاهرة تؤدي فيها نفقات أولية
إلى سلسلة من النفقات والاستثمارات والأنشطة الاقتصادية الأخرى. على سبيل
المثال، عند الاستثمار في مزرعة رياح، يمكن للطاقة المنتجة أن تُشغّل المصانع، وتجذب الشركات، وتخلق فرص عمل جديدة. كما يُسهّل الاستثمار في السكك الحديدية التجارة ونقل البضائع، مما يُحفّز النشاط الاقتصادي.ويمكن أن يؤدي تمويل البحث والتطوير إلى ابتكارات تُعزّزالتنمية
الصناعية. ويُساعد إنتاج الحفارة أو الجرافة في بناء المباني والطرق
والجسور. في المقابل، لا تُنتج الدبابة طاقة، ولا ابتكارات، ولا وسائل
نقل، ولا مبانٍ. إنها تُعبئ الموارد، ولكن دون أي تأثير مضاعف دائم على الاقتصاد.
تناولت العديد من الدراسات الحديثة آثار الإنفاق العسكري على الاقتصاد.
ووفقًا لمعهد كيل للاقتصاد العالمي، أحد أبرز معاهد البحوث الاقتصادية في
ألمانيا، فإن لهذا الإنفاق تأثيرًا محدودًا على النمو لأنه منفصل عن احتياجات المجتمع، سواءً أكانت احتياجات الشركات الخاصة، أو الدولة، أوالمستهلكين.(5) كما أشار بول فان رومبوي، الخبير الاقتصادي في الجامعةالكاثوليكية في لوفان، مؤخراً، فإن بنك الاستثمار الأمريكي غولدمان ساكس قد حسب أن المضاعف للإنفاق الدفاعي للاتحاد الأوروبي في إطار برنامج
"إعادة تسليح أوروبا" كان 0.5 فقط بعد عامين.(6)وفقًا لمعهد GWS (Gesellschaft für Wirtschaftliche Strukturforschung)،يمكن أن تولد هذه العمليات بعض الديناميكية الاقتصادية قصيرة الأجل في وقت شراء الأسلحة، ولكن دون تأثير كبير على المدى الطويل.(7)يلخص الرئيس التنفيذي لشركة أرسيلورميتال أوروبا، جيرت فان بولفورد، الوضع بإيجازقائلاً: "إن توفير الصلب لأغراض الدفاع ليس مشكلة. فألف دبابة تمثل 30ألف طن، وهو ما يعادل إنتاج ثلاثة أيام فقط في مصنع واحد. لذا، فإن تجديدقطاع الدفاع لا يعني بالضرورة تجديد صناعة الصلب".(8)
وتسلط هذه الدراسات الضوء أيضاً على أن هذه الآثار الإيجابية الصغيرة تعتمد على عدة عوامل، بما في ذلك نسبة الإنفاق العسكري الذي يفيد الصناعة
المحلية بدلاً من الواردات، وكيفية تمويل هذا الإنفاق - على حساب بنود الميزانية الأخرى مثل البنية التحتية أو الخدمات العامة، أو على حسابها.مع ذلك، يستفيد اليوم جزء كبير من العقود العسكرية من دول خارج الاتحادالأوروبي، وعلى رأسها الولايات المتحدة. فبين يونيو 2022 ويونيو 2023،خُصص 78% من الإنفاق على المشتريات العسكرية لموردين من خارج أوروبا، ذهب63% منهم إلى شركات أمريكية.(9)"أمامنا بضع سنوات فقط لتعزيز دفاعاتنا.سنزود أنفسنا بأفضل المعدات المتاحة، والتي يمكن إنتاجها بسرعة. لذلك، لانستبعد أي خيار. مع ذلك، وبعد ثلاث سنوات من الحرب في أوكرانيا، لم يقم العديد من المصنّعين الأوروبيين بزيادة طاقتهم الإنتاجية بشكل ملحوظ"،هذا ما أقره رئيس أركان الدفاع البلجيكي، الجنرال فريدريك فانسين. حتى صحيفة "ليكو" الاقتصادية اليومية أعربت عن قلقها قائلةً: "إن زيادةمشتريات المعدات الأمريكية الصنع بشكل كبير ستحرم الاقتصاد الأوروبي من مصدر دخل هام. ولن يؤدي ذلك إلا إلى إطالة أمد التبعية العسكرية للولايات المتحدة، مع خلق قيود جديدة على الصعيدين الصناعي والتكنولوجي".(10)
المشكلة الثانية هي أن هذا الإنفاق العسكري يترافق مع عودة التقشف المالي
في أوروبا، على حساب الاستثمارات الاجتماعية والبنية التحتية. ويحذر
كارستن برزيسكي، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في بنك آي إن جي، قائلاً:"سيكون هناك أثر مضاعف سلبي إذا تم تمويل جزء من الإنفاق العسكري
عن طريق تخفيضات في قطاعات أخرى".(11)وبالتالي، على المدى القصير، لن يكون الإنفاق العسكري محركاً اقتصادياً: سيذهب جزء كبير من الأموال إلى
الخارج، في حين أن التخفيضات في الإنفاق الاجتماعي والاستثمارات
الإنتاجية ستؤثر سلباً على النمو.
على المدى البعيد، تُظهر دراسة أجراها جورجيو داغوستينو، وج. بول دان،
ولوكا بيروني - أساتذة جامعيون متخصصون في تحليل الإنفاق العسكري - أن للإنفاق العسكري أثراً سلبياً كبيراً ومستمراً على النمو الاقتصادي.
وباستخدام بيانات من 83 دولة خلال الفترة من 1970 إلى 2014، خلص الباحثون إلى أن الزيادة المستمرة في الإنفاق العسكري تُقلل من مستوى الناتج
المحلي الإجمالي للفرد عن طريق تحويل الموارد من استثمارات أكثر إنتاجية.(12)حتى مؤسسة راند، وهي مركز أبحاث مرتبط بالقوات المسلحة
الأمريكية، تقر بأن استثمارات البنية التحتية لها تأثير مضاعف أكبر من
الإنفاق العسكري.(13)وتخلص إلى أن زيادة ميزانيات الدفاع على حساب البنية
التحتية ستؤثر سلباً على النمو طويل الأجل.(14)
وعلى عكس الفكرة التي يروج لها دعاة الحرب، فإن صناعة الدفاع ليست مصدراً
لخلق فرص العمل كما يصورونها. تُظهر الأبحاث التي أُجريت في الولايات
المتحدة أنه عند نفس مستوى الإنفاق، تُوفر القطاعات المدنية، مثل الرعاية
الصحية والتعليم والطاقة النظيفة، فرص عمل أكثر بكثير(15) كما قامت دراسة
حديثة لمنظمة غرينبيس بعنوان "تسليح أوروبا" (2023) بفحص الآثار
الاقتصادية لزيادة الميزانيات العسكرية بين عامي 2013 و2023 في ألمانيا
وإيطاليا وإسبانيا، وتوصلت إلى نفس النتيجة بالنسبة لأوروبا.(16)
ولهذا السبب يدعو الخبير الاقتصادي توماس بيكيتي إلى إعادة توجيه
الأولويات نحو "رفاهية الإنسان والتنمية المستدامة"، مع استثمارات ضخمة
في "البنية التحتية الجماعية (التعليم والصحة والنقل والطاقةوالمناخ)".(17)

عن الكاتب

حسن صعيب

حسن صعيب

كاتب ماركسي مغربي

الحركات الاجتماعية

بمناسبة 8 مارس، نقترح متابعة قراءات ماركسية لقضية المرأة.

بمناسبة 8 مارس، نقترح متابعة قراءات ماركسية لقضية المرأة.

نبدأ الحلقة الأولى بوجهة نظر فيلسوفة ماركسية هي صالحة بوسدرة وهي عضو نشيط في الحزب الشيوعي الفرنسي وتقوم بتنشيط النقاشات الفلسفية والسياسية حول علاقة ماركس بالطبقة والعرق والجنس، وهي اليوم محررة وعضو تحرير مجلة الحزب: cause commune، وتدرس الفلسفة في جامعة ستراستبورغ.
أنجزت سنة 2018 أطروحة دكتوراه تحت عنوان" La question de la prostitution à la lumière du Lumpenproletariat et des rapports entre les sexes chez Marx
كيف تقرأ الفيلسوفة صالحة بوسدرة قضية المرأة في المتن الماركسي
قراءة ممتعة:
في الأيديولوجية الألمانية ، يبدو أن ماركس يتجه نحو فكرة أن النساء يشكلن طبقة منفصلة. انطلاقًا من تاريخ تكوين الطبقات الاجتماعية، يفترض ماركس أن الطبقات الاجتماعية تولد من تقسيم العمل والملكية الخاصة. إن طرح أصل تقسيم العمل في التقسيم الجنسي للعمل وطرح الأسرة باعتبارها الشكل الأول للملكية الخاصة، يشير كل شيء إلى أن النساء سيكونن طبقة منفصلة. ويبدو أن هذه الفكرة قد تأكدت عند إنجلز عندما أقام تشبيهًا بين علاقة العامل برئيسه وعلاقة المرأة بزوجها في كتابه أصل الملكية الخاصة والأسرة والدولة.
ومع ذلك، في الكتاب الأول من رأس المال، حيث يستخدم ماركس البيانات المتعلقة بالنساء على نطاق واسع، فإن الأخير لا يعتبرهن أبدًا طبقة اجتماعية. كيف يمكننا، في ظل هذه الظروف، أن نفهم المكانة التي يعطيها ماركس للنساء في تحليله؟ هل يجب أن نعتبر أن العلاقات بين الجنسين أصبحت ثانوية بالنسبة للطبقة الاجتماعية في الكتاب الأول من رأس المال ، على عكس مكانتها في الأيديولوجية الألمانية ؟
سنرى أن ماركس في الواقع لا يتحرك نحو "ثانوية" العلاقات بين الجنسين، ولا نحو تكوين طبقة اجتماعية من النساء.

المرأة في الأيديولوجية الألمانية:
لطرح سؤال حول ما إذا كانت النساء يشكلن طبقة اجتماعية، فمن المناسب العودة بإيجاز إلى الطريقة التي يحاول بها ماركس تطوير مفهوم “الطبقة الاجتماعية” في الأيديولوجية الألمانية .
وبما أن الطبقات الاجتماعية بالنسبة لماركس ليست حقيقة غير تاريخية، فيجب أن يكون لها ولادة تمامًا كما يمكن أن يكون لها نهاية.
إن عملية التكوين المنطقي هذه هي التي تناولها ماركس، بالاعتماد على الدراسة التاريخية لمختلف المجتمعات البشرية في فترات مختلفة. ولهذا السبب، تناول ماركس بشكل خاص مفهومي “تقسيم العمل” و”الملكية الخاصة”.
بادئ ذي بدء، يبدو هذان المصطلحان مختلفين، لكنهما في الواقع نفس الشيء بالنسبة لماركس. إن تقسيم العمل، مثل الملكية الخاصة، يشير إلى نفس الشيء، أحدهما فقط يسمح لنا بفهم الحركة أو النشاط البشري أو التنشيط الذاتي للرجال والنساء، والآخر يسمح لنا بفهم النتيجة ، نتاج هذا النشاط الإنساني. . في الواقع، وفقًا لماركس: "[…] تقسيم العمل والملكية الخاصة تعبيران متطابقان - في الأول، نذكر، فيما يتعلق بالنشاط، نفس ما نذكره في الآخر فيما يتعلق بمنتج العمل". نشاط. » [1]
في "الفعل الجنسي" يحدد ماركس، قبل كل شيء، أحد الأشكال الأولى لـ "تقسيم العمل". وبعبارة أخرى، فإن أصل تقسيم العمل متجذر أولا وينشأ على أساس الاختلاف الجنسي: “[…] تقسيم العمل، وفقا لماركس، […] لم يكن في الأصل سوى تقسيم العمل في الفعل الجنسي، قبل أن يصبح تقسيم العمل الذي يحدث بذاته أو بطريقة "طبيعية-عفوية" بحكم الاستعدادات الطبيعية (مثل القوة الجسدية)، والحاجات، والفرص، وما إلى ذلك، وما إلى ذلك. » [2] بما أن مصطلحي “تقسيم العمل” و”الملكية الخاصة” لا ينفصلان عن بعضهما البعض، فقد حدد ماركس أيضًا في الأسرة الشكل الأول للملكية الخاصة: “[…] الملكية […] وفقا لماركس، فإن جرثومتها، شكلها الأول، موجودة في الأسرة، حيث تكون المرأة والأطفال عبيدا للرجل. إن العبودية في الأسرة، التي لا تزال خامة وكامنة للغاية، هي الملكية الأولى، والتي تتطابق هنا تمامًا، علاوة على ذلك، تمامًا مع تعريف الاقتصاديين المعاصرين، والذي بموجبه تتكون من امتلاك قوة عمل "الآخرين". » [3]
هذا الاقتباس الأخير، الذي يبدو واضحًا، يقودنا إلى الاعتقاد بأن النساء من المرجح أن يشكلن طبقة اجتماعية. ويذهب إلى أبعد من ذلك لأنه يرى أن النساء، تمامًا مثل الأطفال، “قوة عمل” تحت تصرف السيد، وبعبارة أخرى الأب والزوج المالك. يتم جمع كل العناصر معًا هنا وتسمح لنا بالتفكير في أن النساء يمكن أن يشكلن طبقة اجتماعية: لدينا في الواقع تقسيم للعمل على أساس الاختلاف الجنسي. إن تقسيم العمل هذا يضع من جهة سيدًا، مستمتعًا بالضرورة وبشكل حصري، ومن جهة أخرى امرأة (وأطفال)، قوى عمل تحت تصرف المالك الرئيسي. ويبدو أن هذا يؤكد مقولة إنجلز التي بموجبها: "في الأسرة، الرجل هو البرجوازي، والمرأة تلعب دور البروليتاريا. » [4]

عن الكاتب

حسن صعيب

حسن صعيب

كاتب ماركسي مغربي

حوارات ونقاشات

لماذا تراجع الاهتمام بالماركسية كنظرية اجتماعية للتغيير؟

لماذا تراجع الاهتمام بالماركسية كنظرية اجتماعية للتغيير؟

أسجل ملاحظة إمبريقية أولى هي أن الرأسمالية النيولبرالية قد غيرت المشهد العام للفكر الماركسي، بدليل أن نقد المجتمع الرأسمالي ، وتفكيك الهرمية الطبقية المرتبطة به قد أصبح من الماضي ، وتخبرنا مراكز البحث الأكاديمي عن الانخراط في ترجمة أبحاث ذات طابع تخصصي في مجالات مختلفة، وأصبح تركيزه منصبا عل فروع القانون والفلسفة والاجتماع والسياسة ، فيما توارت إلى الوراء النظرية الاجتماعية النقدية وفي القلب منها الماركسية التي تحاول الإجابة عن الأسئلة الحقيقة لدينامية الرأسمالية النيولبرالية، ومن نتائج هذا التحول في النظر تغيير هيكلي في نظام التعليم الذي ينتج نخبا ثقافية وسياسية منفصلة عن الأسئلة الحارقة للمجتمع، وتعميم ثقافة التفاهة في المجتمع مع تنويع أساليب العيش الاجتماعي ذات الطابع الهجين، أي تعايش ماكان يعتبر في الماضي تناقضا أو اختلافا موضوعيا، أصبح اليوم توافقا وتناغما.


الملاحظة الثانية الإمبريقية هي أن مختلف الأنشطة الفكرية والسياسية لليسار اليوم التي تعلن انتسابها كليا أو جزئيا للنظرية الماركسية ، ما تزال غارقة في تسويق نتاج هذه النظرية لماقبل انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، ولم تتمكن لحد الآن من تجديد أدوات النقد الماركسي التي تتطور نسبيا في بعض الجامعات الأمريكية والأوروبية والهندية وأمريكا اللاتينية، فضلا عن شبه انعدام لبحوث جديدة تمس أسس الهيمنة الرأسمالية النيولبرالية ومصائر الطبقات الاجتماعية المصارعة في المجتمع الرأسمالي، واستشراف آفاق النضال الطبقي على ضوء اجتراح بدائل قابلة للتنفيذ وتحظى باهتمام وانخراط واسع من قبل الكتلة الطبقية الواسعة والصامتة.

عن الكاتب

حسن صعيب

حسن صعيب

كاتب ماركسي مغربي

حوارات ونقاشات

في أفق ماركسية القرن الواحد والعشرين

في أفق ماركسية القرن الواحد والعشرين

من سلاح النقد إلى نقد السلاح
(هذه هي المقالة الأخيرة من فصل تحت عنوان : في سردية ماركسية جديدة)
برهنت الماركسية الكلاسيكية لنهاية القرن التاسع عشر عن حدودها التاريخية في ثلاثة قضايا رئيسية:1-تصور سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي وتعميمه على المعمور، حيت سادت النزعة المركزية الأوروبية في قراءة وتمثل العولمة الرأسمالية، وعدم رؤية الاستقطاب الرأسمالي العالمي بين المركز والمحيط 2-الفصل بين مالكي وسائل الإنتاج والمديرين التنفيذيين لتنظيم الإنتاج ومراقبته على مستوى القطاع الخاص والقطاع العام، 3-عدم إدراك تطور قوة الإنتاج من أجل تجديد النظام الرأسمالي، في مسألتين: ضرب الطابع المادي للإنتاج، أي خلق قطاع ثالث كبديل عن قطاعي إنتاج وسائل الإنتاج ووسائل الاستهلاك، بالاعتماد على الثورة التكنولوجية للمعلوميات والاتصال والآثمة والربو هات، ثم عدم تتمين قوة عمل العمل البيتي الذي يساهم في إعادة قوة العمل الطبقة العاملة لصالح الرأسمال.
بينما عبرت النظرية اللينينية عن حدودها التاريخية في مسألتين رئيسيتين:فقدان الطابع المركزي للطبقة العاملة بمعناه الكلاسيكي في قيادة النضال الثوري بعد بروز العمل المعرفي، والشكل السياسي-التنظيمي لتأطير وتنظيم وهيمنة الطبقة العاملة بالمفهوم الجديد، على ضوء تحولات الرأسمالية وسيادة المرحلة الجديدة من النيو-لبرالية، ثم الفصل بين نظام الشغل في الرأسمالية ومحاولة تطبيقه في النظام الاشتراكي.من خلال تكريس النزعة الإنتاجوية،المدمرة لقوة العمل والأرض.
انطلاقا من هذه التحديدات النظرية والسياسية، يتعين على الماركسيين في القرن الواحد وعشرين، الانتقال من سلاح النقد إلى نقد السلاح ، من أجل بلورة رؤية أكثر مطابقة لتحولات الرأسمالية وأشكال تنظيم الطبقة العاملة الجديدة، من أجل تجاوز إخفاقات الفترة السابقة، فالمرحلة الراهنة تقتضي ضمن ما تقتضيه الإسهام في توضيح والبرهنة على تصور جدير بالتغيير الثوري، استفادة من النقد البناء الذي خلفه عدد من الماركسيين المجددين في تطوير النظرية الماركسية.
نهاية دورة تاريخية كبرى
من نهاية دورة تاريخية كبرى إلى دورة أخرى
منذ نجاح الثورات البرجوازية الأوروبية خلال سنوات 1848 إلى فشل أول ثورة اشتراكية التي جسدتها كمونه باريس سنة 1871 ثم نجاح الثورة البلشفية في أكتوبر 1917 وما أعقبها من ثورات اشتراكية في أوروبا الشرقية ثم الثورات المماثلة في الصين وفيتنام وكوريا الشمالية وكوبا، إلى سيادة نمط "الاشتراكية الديمقراطية "بعد الحرب العالمية الثانية في البلدان الرأسمالية الغربية، وهيمنة حركات التحرر الوطنية في أغلب بلدان العالم الثالث منذ الستينات، حتى انهيار كل هذه التجارب التحررية مع نهاية الثمانينات من القرن الماضي، تكون دورة تاريخية كبرى قد انتهت وحلت محلها دورة تاريخية جديدة لم تكتمل بعد شروط تشكلها النهائية، وإن كانت الغلبة تظفر بها اليوم النيو-لبرالية، التي تؤثر بشكل عميق في السياسات العامة لمختلف بلدان المعمور، وترهن مستقبل الشعوب لمصائر التفكك الاجتماعي والحروب الأهلية وأزمة المناخ والتفقير المضاعف للحلقات الضعيفة في النظام العالمي الجديد، خاصة شعوب إفريقيا الجنوبية.
هذه التحولات العميقة غيرت بشكل جذري البدائل التي مورست في القرن الماضي، وأصبحت الضرورة الموضوعية تستدعي إعادة النظر في الخطاطات الكلاسيكية من أجل التحرر الاجتماعي والسياسي، هذا لا يعني عدم إدماج بعض العناصر التي ما تزال تحافظ على راهنيتها، لكن في إطار تصور أكثر شمولية.
سيكون من الأهمية بمكان تمثل التفكيك الممنهج والتدريجي لأنظمة الشغل الحالية، التي تقوم على هدم الطابع المادي للإنتاج، وتعميم أسلوب للإنتاج يتميز بالهشاشة والمرونة، وسيادة قطاع الخدمات عبرا لاستعمال المكثف لتكنولوجيا الإعلام والتواصل والأتمتة، ناهيك عن تقسيم الطبقة المنتجة الأساسية التي تنتج الثروة، وتفكيك أدوات المقاومة الكلاسيكية: النقابة والحزب، وتبعا لذلك تفترض الشروط الموضوعية للإنتاج الرأسمالي الجديد، وتغير الهوية الاجتماعية للطبقة الرئيسية المنتجة للثروة، التفكير بجدية في الرهان السياسي الذي يوحد هذه الطبقة الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير الثوري، عبر اجتراح الوسائل والأشكال التنظيمية القمينة بانتقال هذه الطبقة من طابع الكمون إلى طابع الوجود بالفعل، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال تجاوزالترسيمة الكلاسيكية التي دأب على تفعيلها اليسار منذ انهيار "الاشتراكية الفعلية" لكن دون جدوى، ولعل أكبر تحدي يواجهه اليسار في هذه المرحلة هو كيفية بلوغ الشكل الأكثر قدوة والأكثر تعبئة للطبقات الشعبية ، من خلال أدوات التنظيم النقابي والسياسي التي تستوعب بشكل أقوى تحولات النيو-لبرالية، وتطور أخلاق جديدة لتأهيل الحقل النقابي والسياسي، متجاوزة آفات العمل النقابي والسياسي المحجوزين.وبدون انتقال مشعل هذا الطموح للتغيير إلى الأجيال المقبلة كشرط ضروري ، ثم تجاوز الصيغ التنظيمية، الكلاسيكية في البناء التنظيمي التي أفقرت الموارد البشرية للتنظيمات اليسارية، لن يكتب النجاح لهكذا تحول في أداء وممارسة اليسار الذي يعرف ضعفا فضيعا من خلال نتائج السيرورات الثورية الجارية.
من أجل التنوير السياسي
عبرت روزا في مؤتمر شتوتغارت سنة 1896 على"أن النوع الوحيد من القوة التي ستقود إلى النصر هو الكفاح اليومي من أجل التنوير السياسي" هذا التنوير السياسي بالمعنى الكانطي أو انطلاقا من تأويل ماركسي لإرث فلسفة الأنوار، حكم رؤيتها السياسية إزاء مسألة'نقل الوعي السياسي إلى الطبقة العاملة" عبر الأداة السياسية المجسدة في:"الأمير الحديث" حسب تعبير غرامشي والذي اشتغلت عليه المدرسة النقدية الألمانية منذ الثلاثينيات من القرن الماضي، ومجموع المثقفين الماركسيين في الأمميات الأربع والأحزاب اليسارية بعد إخفاق "الاشتراكية الفعلية"، ظل هذا التأويل منسيا أو مأخوذا برؤية سياسية غير مبدعة ، بسبب الفشل الذريع منذ المحاولات الأولى للحزب الشيوعي المغربي مرورا بتجربة الحركة الماركسية-اللينينية، إلى المحاولات الجديدة لليسار الماركسي بمختلف مكوناته. تطرح هذه المهمة التاريخية اليوم في ظل مناخ سياسي وجدل فكري يغيب عجزا أو كسلا فكريا مجموع الإشكاليات التي طرحت في الماضي التي تكمن في إخفاق"الاشتراكية الفعلية" كما يتم تغييب الشروط الجديدة لوضعية الطبقة العاملة وعموم الكادحات والكادحين، في ظل هيمنة الطور الجديد من الرأسمالية الجديدة، ومن المؤشرات الدالة عن هذا الغياب لعقود من الزمان هو هزالة الإنتاج الفكري من طرف قيادات هذا اليسار الجدري، سواء تعلق الأمر بتجديد أدوات التحليل الماركسي التي اغتنت بمجموع الأبحاث النقدية في عدة مجالات تاريخية واقتصادية وسياسية ولسانية وثقافية وعلمية، أو بتعميق النقاش النظري حول التشكيلة الاجتماعية ومركزية الدولة في إعادة إنتاج الطبقات الاجتماعية، وإذا كانت تجارب اشتراكية القرن الواحد والعشرين تطرح مقاومة الاستغلال الرأسمالي والإمبريالية والصهيونية والعنصرية والنظام الأبوي(البطريركي) وتدمير البيئة، ففي المشاريع المقدمة لا نعثر على اجتهادات تمس مفاهيم الحرية والديمقراطية الشاملة والتحول الإيكولوجي للإنتاج وأساليب الحياة في المجتمع البديل كما تفتقد لمشروع مجتمع لا ينتج ميكانيزمات السلطة التي تعيدنا القهقرى .

عن الكاتب

حسن صعيب

حسن صعيب

كاتب ماركسي مغربي

الحركات الاجتماعية

في الذكرى الخامسة عشر من ولادة حركة 20 فبراير، نقدم هذه القراءة، نتمنى التفاعل معها لإضاءة شروط وإمكانيات نهضة جديدة للنضال الشعبي مستقبلا.

في الذكرى الخامسة عشر من ولادة حركة 20 فبراير، نقدم هذه القراءة، نتمنى التفاعل معها لإضاءة شروط وإمكانيات نهضة جديدة للنضال الشعبي مستقبلا.

مآلات حركة 20فبرايرالمغربية ودروسها السياسية
انبثاق حركة 20فبراير
انبثقت حركة 20 فبراير سنة 2011، وهي تتويج للنضالات الشعبية خلال عقود، حيث اندلعت انتفاضات شعبية منذ فترة الستينيات (1965-1973-1981-1984-1990-2007-2010)، وهي في الأصل قد تبلورت عبر أنوية شبيبة تنتمي لقوى سياسية يسارية ومدنية وحقوقية ، وكذلك لبعض أجنحة الإسلام السياسي المعارضة للنظام المخزني، وظفت هذه الأنوية الشبيبة وسائل التواصل الاجتماعي كشكل نضالي جديد ، من أجل توقيت الخروج إلى الشارع، وبلورت أرضيات تتضمن أهم مطالب الحركة، حيث سادت أرضيتين وحازت على أصوات أغلب المتدخلين في هذه الحركة:أرضية تضع سقفا سياسيا لمطالبها وهي المؤطرة بشعار "الملكية البرلمانية" والأرضية الثانية غير مسقفة سياسيا بهذا الشعار ولكنها كانت تدعو إلى إسقاط المخزن بطرق مختلفة، فيما نزلت قوى الإسلام السياسي ممثلة في "جماعة العدل والإحسان"، والتي كانت تطرح شعارين أساسيين: "فصل الثروة عن السلطة" و"القضاء على الفساد".
انكسار المشروع الديمقراطي
لم تعمر حركة 20 فبراير أكثر من ستة أشهر كحركة شعبية وسياسية شملت أغلب المدن والمداشر والقرى، كادت أن تتحول إلى قوة سياسية تعصف بركائز النظام القائم لولا انتهاج هذا الأخير استراتيجية امتصاص الطاقة السياسية في البلاد من الشوارع، وفي المقابل وبشكل جدلي غياب إستراتيجية للهيمنة من قبل القوى الديمقراطية والتقدمية.
هكذا اعتمدت إستراتيجية النظام على شقين مترابطين:
الشق الأول اجتماعي: من خلال تحييد النقابات والطبقة العاملة والفئات الوسطى من الموظفين والأطر، وتجلى ذلك في تنفيذ بنود اتفاق 2أبريل 2011 الذي كرس زيادة مهمة في أجور الموظفين الذين تجاوزت نسمتهم ثلاث ملايين ونصف، بحيث تراوحت الزيادة بين 51% و20% بالنسبة لسلالم الصغرى والمتوسطة ثم العليا، وبزيادة نسبة 51% في الحد الأدنى للأجور بالنسبة للقطاع الخاص، وإدماج المئات من المعطلين ذوي الشهادات العليا في أسلاك الوظيفة العمومية وشبه عمومية، إلى جانب العشرات من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وإعادة إدماج جزء من البرجوازية الكبيرة غير احتكارية في مشروعات اتفاقية التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي وأمريكا.
الشق الثاني سياسي: من خلال تقديم وعود بإصلاح النظام السياسي والقضاء على الفساد المستشري في الإدارة، وفي مقدمة هذا الإصلاح الإعلان عن مسودة دستورية التي جاءت مليئة بالتصريحات حول الإعلاء من شأن حقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بمناهضة التمييز ضد المرأة على أساس النوع الاجتماعي والاعتراف بالثقافة الأمازيغية واحترام كرامة المواطنين، فيما حافظ الملك على سلطاته التقليدية المطلقة كرئيس الدولة وللقوات المسلحة وكأمير المؤمنين، بالإضافة إلى صلاحيات أخرى لم تكن واردة في الدستور السابق، بحيث تحول الفصل 19 الذي يحدد اختصاصات الملك إلى توسيع هذه الاختصاصات في فصول متنوعة.
وغداة التعبئة لصالح الدستور الجديد، تم توظيف وتجنيد الزوايا الدينية وعلى رأسها الزاوية البوتشيشية التي حشدت الآلاف من مريديها للتظاهر في الشارع من أجل دعم المقتضيات الجديدة/القديمة لدستور 2011 معبرة عن قوتها الجماهيرية في مواجهة قوات جماعة العدل والإحسان، كما أسفرت نتائج الانتخابات التشريعية ل25 نونبر2011 عن فوز الجناح الإسلامي الموالي للنظام:حزب العدالة والتنمية وترؤسه للحكومة،فتم توظيفه بذكاء سياسي، مضفيا شرعية على محاربة الفساد المسروق من حركة 20 فبراير، في محاولة لاستمالة الجماهير الشعبية ودغدغة مشاعرها الدينية.
غير أن هذه الإستراتيجية لم تكن تحظى بالنجاح لولا الدعم المالي والاقتصادي والسياسي لاتحاد الأوروبي، كما استفاد من الدعم المالي والاقتصادي والسياسي لمجلس التعاون الخليجي ورحب به كعضو في نادي الملوك والأمراء، لكن تبدو هذه الإستراتيجية انتصارا تكتيكيا أكثر مما تبدو كنزع فتيل الاحتقان الاجتماعي والسياسي بصفة دائمة.
الدروس المستخلصة من حركة 20 فبراير والحراكات الشعبية
إذا كانت حركة 20 فبراير لم تحقق كل أهدافها السياسية، فهي على الأقل فتحت مسارا جديدا لانجاز التغيير الديمقراطي في المغرب، شريطة استيعاب شروط انبثاقها والدروس المستخلصة منها .
إن دراسة عوامل إجهاض الثورات في المنطقة المغاربية والعربية هو الشرط المسبق لتجذر فكر التغيير في المغرب ولن يكون بمقدور اليساريين والديمقراطيين المغاربة الانخراط في هذا المسار الثوري الجديد بدون تجديد أدوات التحليل و الارتكاز على تحليل معمق لمختلف عوامل الصراع الطبقي في بلادنا
لم تكن القوى الثورية ولا الإصلاحية مستعدة لقيادة حركة 20 فبراير.فمند انطلاقتها تبنتا تكتيك:"دعم حركة 20 فبراير" وبدون برنامج سياسي واضح يؤطر المرحلة وتعاملتا مع الشباب بشكل عفوي وبدون تأطير،وخلقتا "المجلس الوطني لدعم حركة 20 فبراير"كأداة لترجمة ذلك التكتيك تحول هدا المجلس فيما بعد إلى أداة بيروقراطية، تقوم بدور الإنابة عن الجماهير،إلى جانب التناقضات التي شلت الجموعات العامة ،بسبب تدخل المخزن على الخط وتفجيرها عن طريق "حركة المستقلين"كعنصر مندس في جلباب ثوري،سخره المخزن ليؤدي مهمة محاربة اليسار في قيادة حركة 20 فبراير وغرس تناقضات في صفوفه،مما ساهم في إفشال خططه.
بدت الحركات الاجتماعية،ضعيفة وهشة(الحركة النسائية،الحركة الأمازيغية،حركة دوي الشهادات المعطلين) فبمجرد تقديم تنازلات طفيفة من طرف المخزن حتى انفرط عقد هده الحركات وانزوت إلى الخلف.
أما الطبقات الأساسية في الثورة لم تنزل إلى الشارع وخصوصا الطبقة العاملة المكبلة من رأسها حتى أخمص قدميها بالثقافة السياسية للبيروقراطية والمخزن والفلاحون مستبعدون من المعادلة بحكم تبعيتهم للأعيان و المخزن والشباب المؤهل لخوض غمارا لثورة مؤطر في غالبيته من قبل الإسلام السياسي.
وعشية تراجع حركة 20 فبراير لم تكن الحركة التقدمية مستعدة لخوض الصراع الطبقي على واجهات البناء التنظيمي والسياسي والجماهيري الذي أفرزته حركة 20 فبراير، متجاوزة إخفاقاتها ومساهمة في بلورة حركة جماهيرية-سياسية جديدة ذات زخم قوي ،على غرار ما استنتجه حزب بوديموس باسبانيا من دروس المستوحاة من حركة الغاضبين.
جاءت أزمة الاحتباس الحكومي سنة 2016 وما ترتب عنها من إعادة هيكلة الحقل السياسي الرسمي،بسبب تناقضات عميقة في القمة ،وبروز الحقل السياسي المضاد ،من خلال الحراك في الريف وزاكورة واوطاط الحاج ثم جرادة التي تحاول الاستفادة من أخطاء الحراك في الريف،فأمام هذه الوضعية الجديدة من تطور الصراع الطبقي،أصبح لزاما على قوى اليسار ومن يلتف حولهم استخلاص الدروس القمينة ببناء جبهة عريضة ،على قاعدة برنامج ديمقراطي قابل للتنفيذ وتجاوز أشكال التنظيم البيروقراطية أو الانعزالية ،فبدون الانخراط بالملموس في هذا الحراك عبر العمل الجاد ،وفي ذات الوقت تنظيم مختلف الاحتجاجات الشعبية عبر أشكال تنظيمية مرنة وديمقراطية، مع تنظيم مناظرات فكرية حول النموذج التنموي المأمول، لن تقوم قائمة لليسار مستقبلا.
بروز الحركة الاجتماعية المغربية
هذه الحركة التي كان ميلادها بتاريخ 28 دجنبر 2019، جاءت استجابة لعاملين : يتعلق العامل الأول بدرجة الاحتقان الاجتماعي الذي بلغ مستوى غير مسبوق في التاريخ، وبالتردي الفضيع لمسار تطور الحريات الفردية والجماعية ، وبالهجوم الشنيع على الحقوق المكتسبة وعلى رأسها التقاعد والإضراب، والمرفق العمومي ، خاصة التعليم والصحة، وبضرب حرية التعبير والتظاهر واعتقال المدونين الشباب، واستمرار الإعتقال السياسي، الذي يعكس ردة حقيقية في هذا المجال؛ ويتجلى العامل الثاني في بروز قناعة مشتركة لدى مختلف القوى السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية ، من أجل النضال على مطالب متعددة ، ولكن في إطار موحد ، وإن دل هذا عن شيء ، فإنه يدل على أن الشروط الموضوعية أضحت تستدعي تكتلات جديدة ، متجاوزة التفرقة، التي يستفيد منها النظام من أجل تمرير مشاريعه التي تخدم أجندة المنظمات النقدية المالية والاقتصادية، ضاربة عرض الحائط ما يترتب عن ذلك من فاتورة اجتماعية ومجالية ومناخية تقيلة ، تتحمل وزر أدائها الطبقات الشعبية وفي مقدمتها الطبقة العاملة والنساء والفلاحين والشباب المعطل. إن اللحظة السياسية الراهنة تعبر عن تمرين سياسي جديد ، يفرض انصهار كل القوى الديمقراطية والحية في البلاد في بوثقة النضال الوحدوي، من أجل وضع حد لهذا التردي الذي يشمل جميع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
كوفيد والحركة الاجتماعية
نتيجة فرض الحضر الصحي ، تمادت الدولة في تسييج الحركة الاجتماعية والحركة الحقوقية بسياح الحصار الإعلامي والتضييق على الحريات الفردية والجماعية ، وتنصيب محاكمات جائرة ضد المعارضين لسياساتها التفقيرية و قمع الأساتذة المفروض عليهم التعاقد في الساحات العمومية ، ووفيات بالجملة لعاملات وعمال معمل " سري" للنسيج بطنجة، وحرمان المئات من العائلات من مورد عيش بالفنيدق، مما أدى إلى انتفاضة شعبية ووجهت بالقمع والاعتقالات ، كل هذا يدل على ولوج المغرب مرحلة عصيبة من نضال الشعب المغربي، مما يفرض توحيد جهود كافة القوى اليسارية والديمقراطية وامتداداتها الجماهيرية ، من أجل مواجهة هذا الاستبداد المتجدد، والنضال من أجل وقف هذا النزيف ، وفرض مكتسبات اجتماعية وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين.
بروز حركة جيل z
تبلورت هذه الحركة الشبابية ، كامتداد أفقي لحركة افتراضية عالمية، لكنها اصطبغت بالأوضاع الاجتماعية المحلية، وقد نهضت هذه الحركة على ضوء النضالات البطولية لتنسيقيات أساتذة المفروض عليهم التعاقد، ونضال طلبة الطب، وبعد أن تم إخماذ نار هاته الحركة ، تارة بالقمع، وأخرى بالمساومة، برزت حركة جيل z، لتعيد للنضال زخمه،
و بغض النظر عن خلفيتها السياسية ومرجعيتها الاديولوجية التي تحتاج إلى قراءة خاصة ، فأهم شيء يميزها هو تكسير الطابع السلبي الذي ارتبط بردود فعل عن جمهور الرابور طوطو ، ثم القدرة التنظيمية التعبوية التي تعبر عن ذكاء تنظيمي في النزول إلى الشارع ، و الفديوهات التي عبر من خلالها عدد لا بأس به من مدعمي هذه الحركة عن خطاب رصين ، لا هو بسياسي احترافي ولا بإديولوجي مؤطر، بل خطاب واقعي يركز على أولوية المطالب التي تؤرق شباب اليوم الذي يخرج إلى الشارع بعد ربع قرن من حكم محمد السادس، وهذا التزامن يعكس رسالة سياسية غير مباشرة ، علما بأن الحسن الثاني في إحدى استجواباته صرح بأنه ترك لخلفه من الموارد السياسية الاستراتيجية ما يصل إلى ربع قرن. غير أن القمع العاصف الذي تعرضت له يعكس توجس السلطة من هذه الحركة الفتية ، مثلما يعكس في نفس الوقت حسابا سياسيا مضمرا ، يتعلق بقطع ذابر أي نضال شعبي جماهيري من جذوره ، في ظل وضعية سياسية هشة توجد عليها أحزاب اليسار ومنظماتها الجماهيرية، وفي ظرفية تشهد على تقوية التحالف الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية.
مآل الحركات الاجتماعية في ظل زواج السلطة بالمال
في ظل مناخ التطبيع السياسي مع الكيان الصهيوني وتقوية التحالف الاستراتيجي مع الامبريالية الأمريكية وتداعياتهما الاقتصادية والسياسية ، نظمت البرجوازية هجوما قويا على القوت اليومي من خلال ارتفاع أسعار المواد الغدائية، وتضييقا كبيرا على الحريات الفردية والجماعية، وتحميل الجماهير تأدية فاتورة الإستدامة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وحرمان الٱلاف من العائلات من سكن لائق نتيجة زلزال الحوز، والفيضانات في عدد من المدن، وتغيير الملامح العمرانية لمدينة الدارالبيضاء التي تشهد عمليات هدم البيوت والدكاكين ، ونقلهم إلى خارج ضواحي المدينة ، حيث شيدت لهم كانتونات البؤس الاجتماعي، ورغم النضالات البطولية لعاملات وعمال سيكوم ، وأخرى متفرقة لمختلف طبقات الشعب وفي مقدمتها الطبقة العاملة، ظلت أشكال التعبئة والدعم السياسي والتضامن الاجتماعي مع تلك النضالات ضعيفة جدا بسبب تشردم القوى الاجتماعية، بين مكونات الجبهة الاجتماعيةمن جهة ، وبين المركزيات النقابة من جهة ثانية، وكذلك تشردم القوى اليسارية والديمقراطية ، فرغم انعقاد مؤتمرين لحزب النهج الديمقراطي وفدراليةاليسار، لم تبرز لحد الآن مبادرات سياسية للتوحيد، تتغيى الجواب على معضلتين: وقف زحف السلطوية التي تتنامى بشكل مخيف وتجسيد الحماية الاجتماعية لمختلف الطبقات الشعبية وخصوصا الفئات التي تعيش الهشاشة الاجتماعية، على مستوى توفير فرص الشغل والتأمين الصحي والرفع من القدرة الشرائية عبر الزيادة في الأجور.

عن الكاتب

حسن صعيب

حسن صعيب

كاتب ماركسي مغربي

حوارات ونقاشات

تقييم أولي في توصيف أزمة الفكر الماركسي بالمغرب

تقييم أولي في توصيف أزمة الفكر الماركسي بالمغرب

ما يميز الحالة الراهنة للفكر الماركسي ، بغض النظر عن تياراته المتنوعة هو الركود والتراجع في الاهتمام بالفكر الماركسي في المغرب على مستويات مختلفة، سواء في الساحة الجامعية أو السياسية أو الفكرية.
لا شك أن غياب تدريس الماركسية ومناهجها في جامعتنا المغربية ، وضعف تأطير الطلبة اليساريين لقضايا الفكر والسياسة ، كان له أثر بين على انفراد الدولة وأطرها في تمييع الجدال الفكري وسيادة التفاهة كوجه جديد في الثقافة السائدة، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتحول العديد من الأنظمة الاشتراكية إلى أنظمة رأسمالية ، أصبح الترويج لعدم جدوائية الماركسية ، باعتبارها أيديولوجيا "منتهية" أو "غير قابلة للتطبيق" أو "متجاوزة" . ولعل هيمنة الفكر النيوليبرالي، تحت عدة مسميات مختلفة : حداثية وما بعد حداثية في معظم دول العالم، بما في ذلك المغرب، جعل الماركسية أقل جذبًا في الأوساط الجامعية.
من جانب ٱخر نلحظ ضعف النقاشات الفكرية وتطوير الأدوات النظرية التي تفتقر إلى العمق أو التحديث، حيث أن الفكر الماركسي لا يتم استثماره بالشكل الذي يتلاءم مع القضايا الراهنة في المجتمع المغربي. بل ينحو إلى تعويضه باقتباسات من الفكر الماركسي التاريخي مما يجعله متشبعا بمفاهيم اديولوجية كلاسيكية، لاتسمح برؤية التناقضات والانقسامات العميقة في المجتمع ، وعلى الخصوص في مسألة التمثيل السياسي للفئات الشعبية، فبدل دراسة الأيديولوجيات التي تتبناها الطبقات الشعبية، خاصة الطبقة العاملة، يتم إسقاط مخلفات اديولوجية لفترة سابقة على ظروف و تحديات اقتصادية واجتماعية حديثة مثل أزمة الهشاشة والتهجبر والتفاواتات العميقة في توزيع الثروة وانهيار القيم وأزمة الهوية واضطهاد النساء والفلاحين الفقراء وغيرها.
هناك ضعف متزايد حول عدم تركيز اليسار المغربي على القضايا الحقيقية التي تؤثر على الطبقة العاملة المغربية. بما في ذلك قضايا مثل العمل غير الرسمي، وتحسين شروط العمل، والاحتجاجات الاجتماعية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية.
بالإضافة إلى النقص الواضح في دعم الحركات الاجتماعية التي تسعى لتحسين ظروف الحياة في المناطق الريفية والنائية، والتركيز على القضايا مثل التعليم، والصحة، وتوفير فرص العمل.
وفي ظل إعادة هيكلة الرأسمالية التبعية في ظل النفوذ الأمريكي الجديد ، لا توجد دراسات معمقة حول العلاقة بين الشركات الكبرى والدولة في المغرب وكيفية تأثير هذه العلاقة على توزيع الثروات بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.. وخلق كانتونات اجتماعية جديدة ، كما يحصل اليوم من خلال عمليات هدم البيوت والمحلات التجارية.، وتوسيع الشوارع .
يدفعنا هذا إلى تسجيل غيابً ملحوظ لدراسات معمقة حول التشكيلة الاجتماعية المغربية، التي تجمع بين خصائص اقتصادية واجتماعية متنوعة؛ مما يعني أن الماركسية تحتاج إلى إعادة صياغة أدواتها التحليلية لتتناسب مع الواقع المغربي، نفس الأمر يتعلق بالصراع المجالي بين الحضر والريف، وخاصة في ظل التفاوتات الاقتصادية الكبيرة بين المناطق، قد تكون نقطة ضعف في الفكر الماركسي المعاصر في المغرب.
نشهد أيضا تناقضا ملحوضا بين التغيرات الرقمية المتسارعة وبين اجترار الكساد الثقافي، وسيادة التفاهة على المستوى الجمالي والقيمي.
كما أشرتَ، رغم التطور الكبير في وسائل الإعلام الرقمية وانتشار الثقافة عبر الإنترنت، يبدو أن اليسار المغربي لا يزال متأخرًا عن استثمار هذه الوسائل لنشر أفكاره أو جذب الشباب. وهذا يعود إلى
افتقار العديد من التيارات اليسارية في المغرب إلى استراتيجيات فعالة في استخدام المنصات الرقمية لخلق نقاشات فكرية جادة.
ومما لاشك فيه أن جزء أوبعض من اليسار المغربي ، ما يزال محاصرًا في رؤى تقليدية قديمة، تتعلق بالأيديولوجيا والسياسة التقليدية، دون الانخراط في التحديات التي تطرحها الثورة الرقمية.
و في ظل التغيرات المناخية التي تؤثر على المغرب بشكل خاص، حيث الفيضانات الأخير تكشف عن المستور في سياسات الدولة، يبدو أن الفكر الماركسي لم يتقدم في اجتراح سياسة مناخية لفهم كيفية تأثير هذه الأزمة على الفئات الأكثر فقراً، ولا سيما الطبقات العاملة والفلاحين، باعتبار أن أزمة المناخ لا تنفصل عن الهيمنة الرأسمالية ببلادنا.
وكخلاصة ، فإن عملية إبداع الفكر الماركسي في المغرب تتطلب إعادة النظر في الأدوات النظرية التي يستخدمها الماركسيون، وتكييفها مع السياق الاجتماعي والسياسي المحلي. كذلك، يجب على اليسار المغربي أن يستفيد من التقدم التكنولوجي ليعيد فتح النقاشات الفكرية والنظرية حول المستقبل، وأن يتبنى مقاربات جديدة لتفعيل الحركات الاجتماعية والشبابية والنسائية وتحفيز النقاشات الثقافية العميقة.

حسن صعيب

عن الكاتب

حسن صعيب

حسن صعيب

كاتب ماركسي مغربي