لا يمكن قراءة “المنتدى الوطني للمدرس” باعتباره مجرد تظاهرة تواصلية أو لحظة احتفاء عابرة، بل يتعين إدراجه ضمن ما يسميه سوسيولوجيا التربية بآليات إعادة إنتاج الهيمنة الرمزية داخل الحقل التربوي. ففي الوقت الذي تتوارى فيه قضايا بنيوية حساسة—مثل ملفات الفساد أو اختلالات تدبير مشاريع “المدرسة الرائدة”—عن التداول العمومي، يتقدم خطاب الاحتفاء بالمدرس إلى الواجهة، في شكل كثافة رمزية تعيد ترتيب أولويات النقاش.
هذا التزامن ليس بريئا، بل يكشف عن انتقال من مساءلة البنيات إلى تدبير الانتباه. إذ يتم تحويل النقاش من سؤال: ما الذي لا يشتغل في المنظومة؟ إلى سؤال آخر أكثر احتواء: كيف يمكن للمدرس أن يكون أكثر فاعلية داخل هذه المنظومة؟ وهنا بالضبط، يحدث ما يسميه بيير بورديو بالعنف الرمزي؛ حيث تفرض رؤية معينة للواقع تبدو طبيعية، بينما تخفي علاقات القوة التي تنتجها.
فالمنتدى، في هذا السياق، لا يشتغل فقط كفضاء للحوار، بل كآلية لإعادة تشكيل الوعي المهني للمدرس. إنه ينتج نموذجا مثاليا لمدرس “بطل” قادر على تجاوز الإكراهات، في حين تترك هذه الإكراهات نفسها خارج دائرة النقاش ،وهكذا يتحول الفشل—حين يقع—من نتيجة منطقية لشروط بنيوية مأزومة، إلى قصور فردي في الكفاءة أو الالتزام.
على مستوى الفعل النقابي، فإن تراجع مركزية النقابات أو قبولها بدور هامشي يعكس انتقالا من منطق الصراع إلى منطق التدبير، وهو ما يمكن فهمه في إطار تحولات الدولة المعاصرة نحو ما يسميه سوسيولوجيا التنظيمات بالحكامة التقنية، حيث يتم تفريغ المطالب الاجتماعية من بعدها السياسي، وإعادة صياغتها في لغة إجرائية محايدة ظاهريا.
ضمن هذا الإطار، يتحول المنتدى إلى فضاء مضبوط الأسئلة، لا تطرح فيه القضايا بقدر ما يعاد تأطيرها. فالمشاركون لا ينتجون الأجوبة فقط، بل يساهمون—بوعي أو بدونه—في تحديد ما يمكن التفكير فيه أصلا، وهو ما يجعل من “الصمت” داخل هذه الفضاءات أكثر دلالة من الخطاب نفسه، لأن ما لا يقال يكشف حدود الممكن داخل النظام.
في العمق، نحن أمام ما يمكن تسميته بازدواجية العرض الإصلاحي: خطاب مكثف حول التغيير، يقابله تثبيت فعلي للشروط التي تجعل هذا التغيير متعذرا. يطلب من المدرس أن يكون فاعلا مركزيا في الإصلاح، دون أن تمنح له شروط الفعل الحقيقي: استقرار مهني، اعتراف مادي، مشاركة في القرار، وبيئة عمل ملائمة.
هذا التناقض يجد صداه في تقارير مؤسسات رسمية مثل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، التي تؤكد أن أزمة المنظومة لا تكمن في المدرس كفرد، بل في البنيات التي تؤطر عمله: ضعف الجاذبية، هشاشة الوضع المهني، ضغط العمل، واختلالات التكوين.
بذلك، لا يبدو المنتدى كفضاء للتغيير بقدر ما هو مسرح لإدارة التوتر؛ حيث يدعى المدرس إلى تبني صورة فاعل الإصلاح، بينما يعاد إنتاجه عمليا كموضوع داخل بنية لا تمنحه شروط الفعل.
حوارات ونقاشات