ظهر مصطلح النسوية لأول مرة سنة 1870 ، تناوله القاموس الطبي كتوقف للنمو ونقص في الفحولة، تحول معناه
بعد سنتين إلى تشويه سمعة أنصار النضال من أجل المساواة .
خلال سنة 1882 منحته اوبرتين أوكلير 1Hubertine Auclert معنى جديدا، يفيد النضال من أجل التغيير الشامل
لأوضاع النساء. غير ت أوكلير مجرى المعنى وأدخلته التاريخ من باب حركة "حق النساء في الاقتراع " .
بعد هذا التعريف، يمكن الوقوف على تحديدات أخرى بعيدة عن التحديد الأوحد وصيغة المفرد، فالنسوية حركات
متداخلة لدينامية سياسية واجتماعية، حركات تحددها طرق مجابهة الهيمنة في كل مرحلة ومجتمع حسب المجموعات المكونة لها
تختلف النسوية حسب المرجعيات والانتماءات الأيديولوجية والطبقية والهوياتية، تمتد إلى علاقات الأفراد فيما بينهم
وإلى الحياة اليومية، تسعى من خلال هذا إلى تحويل كامل للعلاقات الاجتماعية بعيدا عن علاقات الهيمنة .
النسوية حركة فكرية لتحليل واقع النساء حسب المكان والزمان، واقع غير مرئي، معتم ومضطهد، تحدده عوامل
التبعية الاجتماعية والاقتصادية والعلاقة بين الجنسين، والهويات المختلفة .
النسوية جزء من الحركة الاجتماعية والسياسية، مقاربات مختلفة ومواقف وتفسيرات متعددة ومتناقضة، نوع من
الحيوية وعدم التجانس الفكري، داخل التيارات المختلفة ، نسويات متعددة وليست واحدة .
النسوية وعي وإحساس بالاضطهاد، قفزة من الوعي الفردي إلى الوعي الجماعي. إنه فعل من أجل التغيير والتحرر
الشاملين، سيرورة للقضاء على نظام التمييز والظواهر المرافقة وكذلك حركة لتنظيم النساء وبلورة أفكار التحرر والتغيير
المجتمعي، رفع للوعي النسائي وصقله، فرز للنخب النسوية المناهضة لكل أشكال الهيمنة، تصور مجتمعي يمتد لكل العلاقات
الاجتماعية .
النسوية ليست تنظيما بيروقراطيا داخل الجسد النسوي أو جهازا لفرض قوانين المساواة الشكلية كما تسعى إلى ذلك
سياسة الكوطا أو التمييز الإيجابي، بل نسوية مضطلعة بمهامها الهادفة للتغيير المجتمعي، جزء من الصراع المجتمعي ومسلسل
التغيير، مناهضة للرأسمالية والبطريركية ومختلف أنماطها الرجعية .
النسوية ليست بضعة نساء حاملات لمطالب جزئية رغم شرعيتها، بل حركة تمتد لكل مناحي المجتمع والسلطة
والهيمنة، نضال من أجل إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية .
النسوية تمرد من أجل تقرير المصير وتحرر كل مكونات المجتمع ، مشروع مجتمع ي يتجاوز المطالب المباشرة
والانية، مشروع ضد نظام بأكمله .
النسوية ليست حركة ذيلية أو تابعة بل في قلب الصراع الاجتماعي، ليست حربا بين الجنسين أو تعبئة ضد الرجال،
بل أداة للتغيير وتحليل العلاقات الاجتماعية وفي مقدمتها العلاقة بين المرأة والرجل والعلاقة بين النساء فيما بينهن .
النسوية إضافة للتغيير كما التغيير إضافة لها، حركة مناهضة للتراتبية والهرمية داخل البنية الذكورية والبنيات
الأخرى، حركة داخل الصراع وليست خارجه ، داخل قطاعات الإنتاج وإعادة الإنتاج .
النسوية حركة بموجات يصعد زخمها ليعم الهدوء والتحضير لمرحلة جديدة. شبهتها المؤرخة ميشيل بيرو 2 Michelle Perrot ب "مدفعية خفيفة ومتحركة قادرة على الهجوم والانسحاب التكتيكي، منقسمة من حيث المعارك والقضايا، في بحث مستمر عن الهوية والاستقلالية، لا تتخلى عن أهدافها " .
بعيدا عن هذه التعاريف، يعتبرها البعض موضة وأخرون قضية تم تجاهلها والتقليل من شأنها، أداة لإبلاغ المجتمع والسلطة السياسية .
هذا الوصف الذي ذهب اليه البعض في اعتبارها موضة هو تشويه للمساواة وتمجيد للاختلاف والتكامل بين الجنسين .
من وجهة نظرنا، النسوية أداة للتسيس ورفع الوعي، تقدم في بعض القضايا وتراجع في أخرى، فكر نقدي حر
يعيد النظر في بنيات أشكال الهيمنة. بعيدة عن ادعاء محو الفوارق والقضاء على الصورة النمطية القديمة والعواقب التي
تفرضها .
في الشروط الحالية النسوية حركة تناضل باستمرار من أجل أن تساهم النضالات المباشرة والجزئية في النهوض
بحقوق النساء ونشر الوعي ومواجهة الظلم والعنف وانتزاع المكاسب وتعزيز موازين القوى، تتوسع اليوم كجزء من حركة
التاريخ والسياسة والمجتمع، تتطور كسيرورة للقضاء على البطريركية والرأسمالية والعنصرية، وتمثل أيضا نقلة نوعية في
الصراع الطبقي ، لكونها تنضاف إلى مختلف الحركات الاجتماعية الجديدة المناهضة للرأسمالية والإمبريالية وكافة أشكال
الهيمنة والاضطهاد .
بفضل المجهود الفكري والنظري والتنظيمي والتعبوي الذي قامت به المناضلات النسويات تكتسي النسوية اليوم بعدا
عالميا ، لكن لازا ل الاعتراف بها كقوة نسوية مستقلة وغير خاضعة للرقابة والوصاية أمرا مرفوضا.
1ـ أوبيرتين AuclerHubertine : عاشت أوبيرتين اوكلير في النصف الثاني من القرن 19 وبداية القرن 20 كانت وجها بارزا ضمن حركة الناخبات، دافعت عن الحقوق السياسية للنساء من اجل القضاء على التمييز بين الجنسين .
2 ـ ميشيل بيرو :Perrot Michelle أستاذة في التاريخ المعاصر، مناضلة نسوية فرنسية، اشتغلت على تاريخ الحركة العمالية ونظام السجون الفرنسي..
الحركات النسوية