لقد علمتنا التجارب التاريخية أن الحركة الطلابية ليست مجرد مكون فرعي ضمن النسيج الاجتماعي المغربي، بل هي ذاكرة نضالية حية ورافعة فكرية شكلت أحد أهم روافد الوعي الجماهيري في المغرب الحديث.
منذ أن تأسس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وهو يترجم نبض الشارع داخل أسوار الجامعة، ويمنح للطلبة دورا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا يتجاوز حدود القطاعي ليصل إلى قلب الصراع الوطني والاجتماعي.
كان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب مدرسة للمقاومة وورشة لتخريج مناضلين حملوا الهم العام بوعي طبقي وإنساني عميق.
واجه القمع والاعتقال والاغتيال، لكنه ظل واقفا، صامدا، واثقا أن الجامعة ليست فقط فضاء للتعلم، بل ساحة من ساحات التحرر. فمن معارك المطرودين والمنح والسكن الجامعي إلى النضال ضد مخططات خوصصة التعليم وتهميش الجامعة العمومية، ظلت الحركة الطلابية اليسارية صوت الطبقة الشعبية وصدى كفاحها اليومي ضد الفقر والتهميش واللاعدالة.
لكن الحقيقة المرة هي أن هذا الإرث النضالي، رغم غناه وتضحياته، يعاني اليوم من تصدعات عميقة داخل صفوفه.
التناقضات الفكرية التي طالما كانت مصدر غنى بالنسبة للماركسيين في قراءاتهم النظرية، تحولت إلى شظايا تزرع الشك والعداء داخل الجسد الواحد. نحن الماركسيين، الذين بنى فكرنا على نقد الانقسام الطبقي والسعي لتوحيد القوى المضطهدة، أصبحنا نعجز عن إدارة اختلافاتنا داخل الحرم الجامعي، وكأننا نكتب فصلا من التناقض الذاتي الذي حذر منه ماركس نفسه.
إن الخلافات النظرية بين تيارات اليسار المغربي لم تعد خلافات حول جوهر الصراع الطبقي أو أدوات تغييره، بل غدت اختلافات حول تفاصيل بعيدة المنال، تحولت مع الوقت إلى جدار نفسي يفصل الرفيق عن رفيقه.
فمن جدليات الخط الاستراتيجي إلى نقاشات المصطلحات ومواقف من قضايا دولية، تاهت البوصلة النضالية وسط دوامات النقاش العقيم.
وكأننا نحاكم بعضنا على نصوص لا نملك تطبيقها في واقعنا الجامعي المحاصر.
إن لحظة التشتت التي نعيشها ليست قدرا محتوما، بل نتيجة تاريخ طويل من العزلة الفكرية والتنظيمية، في وقت كان فيه خصومنا السياسيون يعملون على تجفيف منابع المقاومة خطوة بخطوة. واليوم، بعد أن خنق النضال النقابي، وأضعف الحراك الاجتماعي، لم يبق من صوت حر داخل المؤسسات إلا صوت الطلبة. ولذلك لم يكن غريبا أن يكون الهدف هو الجامعة، حيث يطرد الطلبة ويقصى المناضلون، مثلما شاهدنا مؤخرا في القنيطرة، في واحدة من أخطر الضربات الموجهة للوجود اليساري الطلابي منذ التسعينات.
إن طرد ثمانية عشر طالبا ليس قرارا إداريا عابرا، بل يحمل في طياته مشروعا سياسيا واضحا: إسكات اخر المساحات الحرة وإتمام عملية الإجتثاث الرمزي للحركة الطلابية. وهنا يبرز السؤال الجوهري ماذا نفعل نحن، كيسار ماركسي، أمام هذا المنعطف؟ هل سنستمر في التشتت والتباعد، نراقب من بعيد ونحن نغوص في الخلافات النظرية التي لا تسمن ولا تغني؟ أم سنتعامل مع هذا الحدث باعتباره فرصة تاريخية لإعادة بناء الروابط الفكرية والميدانية بيننا؟
لقد برهنت مواقف التضامن الصادرة عن الرفاق الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في فاس وتازة ووجدة ومراكش وتطوان وغيرها على أن روح الوحدة ما زالت ممكنة، وأن اليسار الحقيقي حين يضع المبادئ فوق الحسابات، يتجدد ويقوى. وهذا ما نحتاجه اليوم: أن نحول تضامننا اللفظي إلى فعل ميداني منظم، إلى ادات طلابية موحدة تواجه القمع بروح جماعية. فالمعركة في جوهرها ليست حول جامعة القنيطرة فقط، بل حول حقنا جميعا في الوجود والنضال داخل الجامعة المغربية.
يا رفاق الفكر والدم، لنوقف قليلا هذا النزيف الذي أضعفنا.
لنصالح عقولنا مع ضمائرنا، ونستبدل النزاعات النظرية العقيمة بنقاش مبدئي يهدف إلى بناء أفق مشترك.
لا أحد منا يملك الحقيقة المطلقة، ولا أحد يملك ترف النقاء الإيديولوجي في واقع تتنازعه القوة والقمع والفساد. ما نحتاجه هو وعي مشترك بأننا جزء من معركة طبقية واحدة، وأن تشتتنا هو مكسب لخصومنا وخسارة لحلمنا الجماعي بالحرية والعدالة.
فلنجعل من حدث طرد طلبة القنيطرة نقطة تحول، لا جرحا اخر نمر عليه بصمت.
فلنتعامل معه كنداء لوحدة اليسار الطلابي والوطني، كعلامة استفهام كبرى أمام كل مناضل يساري ما زال يعتقد أن الخلاف النظري أولى من الموقف العملي.إن تاريخ الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لم يكتب بالحبر، بل بدماء الشهداء والمعتقلين والمنفيين. ولذا، فإن الوفاء لهذا التاريخ لا يكون بالنحيب على ماضيه، بل بإعادة بعثه بروح جديدة قادرة على مواجهة حاضر يزداد قسوة. فالوحدة التي نتحدث عنها ليست شعارا عاطفيا، بل ضرورة سياسية واجتماعية وبرهانية على أن اليسار قادر، رغم كل شيء، أن يكون في مستوى المسؤولية التاريخية.
أيها الرفاق، إن العقل اليساري حين يتصالح مع الميدان، يخلق التغيير. فلنمنح للعقل فرصة أن ينتصر هذه المرة، ولنجعل من صوت طلبة القنيطرة جسرا يجمع ما فرقته السنوات. فالمعركة لم تنته، بل بدأت الآن من جديد. والجامعة المغربية تستحق منا أن نكون عند وعدها التاريخي صوت الشعب حين يصمت الجميع، وذاكرته حين يراد لها أن تمحى.
الحركات الاجتماعية