الحركات الاجتماعية

تشتت الحركة الطلابية مكسب لخصومها

تشتت الحركة الطلابية مكسب لخصومها

لقد علمتنا التجارب التاريخية أن الحركة الطلابية ليست مجرد مكون فرعي ضمن النسيج الاجتماعي المغربي، بل هي ذاكرة نضالية حية ورافعة فكرية شكلت أحد أهم روافد الوعي الجماهيري في المغرب الحديث.
منذ أن تأسس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وهو يترجم نبض الشارع داخل أسوار الجامعة، ويمنح للطلبة دورا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا يتجاوز حدود القطاعي ليصل إلى قلب الصراع الوطني والاجتماعي.
كان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب مدرسة للمقاومة وورشة لتخريج مناضلين حملوا الهم العام بوعي طبقي وإنساني عميق.
واجه القمع والاعتقال والاغتيال، لكنه ظل واقفا، صامدا، واثقا أن الجامعة ليست فقط فضاء للتعلم، بل ساحة من ساحات التحرر. فمن معارك المطرودين والمنح والسكن الجامعي إلى النضال ضد مخططات خوصصة التعليم وتهميش الجامعة العمومية، ظلت الحركة الطلابية اليسارية صوت الطبقة الشعبية وصدى كفاحها اليومي ضد الفقر والتهميش واللاعدالة.
لكن الحقيقة المرة هي أن هذا الإرث النضالي، رغم غناه وتضحياته، يعاني اليوم من تصدعات عميقة داخل صفوفه.
التناقضات الفكرية التي طالما كانت مصدر غنى بالنسبة للماركسيين في قراءاتهم النظرية، تحولت إلى شظايا تزرع الشك والعداء داخل الجسد الواحد. نحن الماركسيين، الذين بنى فكرنا على نقد الانقسام الطبقي والسعي لتوحيد القوى المضطهدة، أصبحنا نعجز عن إدارة اختلافاتنا داخل الحرم الجامعي، وكأننا نكتب فصلا من التناقض الذاتي الذي حذر منه ماركس نفسه.
إن الخلافات النظرية بين تيارات اليسار المغربي لم تعد خلافات حول جوهر الصراع الطبقي أو أدوات تغييره، بل غدت اختلافات حول تفاصيل بعيدة المنال، تحولت مع الوقت إلى جدار نفسي يفصل الرفيق عن رفيقه.
فمن جدليات الخط الاستراتيجي إلى نقاشات المصطلحات ومواقف من قضايا دولية، تاهت البوصلة النضالية وسط دوامات النقاش العقيم.
وكأننا نحاكم بعضنا على نصوص لا نملك تطبيقها في واقعنا الجامعي المحاصر.
إن لحظة التشتت التي نعيشها ليست قدرا محتوما، بل نتيجة تاريخ طويل من العزلة الفكرية والتنظيمية، في وقت كان فيه خصومنا السياسيون يعملون على تجفيف منابع المقاومة خطوة بخطوة. واليوم، بعد أن خنق النضال النقابي، وأضعف الحراك الاجتماعي، لم يبق من صوت حر داخل المؤسسات إلا صوت الطلبة. ولذلك لم يكن غريبا أن يكون الهدف هو الجامعة، حيث يطرد الطلبة ويقصى المناضلون، مثلما شاهدنا مؤخرا في القنيطرة، في واحدة من أخطر الضربات الموجهة للوجود اليساري الطلابي منذ التسعينات.
إن طرد ثمانية عشر طالبا ليس قرارا إداريا عابرا، بل يحمل في طياته مشروعا سياسيا واضحا: إسكات اخر المساحات الحرة وإتمام عملية الإجتثاث الرمزي للحركة الطلابية. وهنا يبرز السؤال الجوهري ماذا نفعل نحن، كيسار ماركسي، أمام هذا المنعطف؟ هل سنستمر في التشتت والتباعد، نراقب من بعيد ونحن نغوص في الخلافات النظرية التي لا تسمن ولا تغني؟ أم سنتعامل مع هذا الحدث باعتباره فرصة تاريخية لإعادة بناء الروابط الفكرية والميدانية بيننا؟
لقد برهنت مواقف التضامن الصادرة عن الرفاق الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في فاس وتازة ووجدة ومراكش وتطوان وغيرها على أن روح الوحدة ما زالت ممكنة، وأن اليسار الحقيقي حين يضع المبادئ فوق الحسابات، يتجدد ويقوى. وهذا ما نحتاجه اليوم: أن نحول تضامننا اللفظي إلى فعل ميداني منظم، إلى ادات طلابية موحدة تواجه القمع بروح جماعية. فالمعركة في جوهرها ليست حول جامعة القنيطرة فقط، بل حول حقنا جميعا في الوجود والنضال داخل الجامعة المغربية.
يا رفاق الفكر والدم، لنوقف قليلا هذا النزيف الذي أضعفنا.
لنصالح عقولنا مع ضمائرنا، ونستبدل النزاعات النظرية العقيمة بنقاش مبدئي يهدف إلى بناء أفق مشترك.
لا أحد منا يملك الحقيقة المطلقة، ولا أحد يملك ترف النقاء الإيديولوجي في واقع تتنازعه القوة والقمع والفساد. ما نحتاجه هو وعي مشترك بأننا جزء من معركة طبقية واحدة، وأن تشتتنا هو مكسب لخصومنا وخسارة لحلمنا الجماعي بالحرية والعدالة.
فلنجعل من حدث طرد طلبة القنيطرة نقطة تحول، لا جرحا اخر نمر عليه بصمت.
فلنتعامل معه كنداء لوحدة اليسار الطلابي والوطني، كعلامة استفهام كبرى أمام كل مناضل يساري ما زال يعتقد أن الخلاف النظري أولى من الموقف العملي.إن تاريخ الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لم يكتب بالحبر، بل بدماء الشهداء والمعتقلين والمنفيين. ولذا، فإن الوفاء لهذا التاريخ لا يكون بالنحيب على ماضيه، بل بإعادة بعثه بروح جديدة قادرة على مواجهة حاضر يزداد قسوة. فالوحدة التي نتحدث عنها ليست شعارا عاطفيا، بل ضرورة سياسية واجتماعية وبرهانية على أن اليسار قادر، رغم كل شيء، أن يكون في مستوى المسؤولية التاريخية.
أيها الرفاق، إن العقل اليساري حين يتصالح مع الميدان، يخلق التغيير. فلنمنح للعقل فرصة أن ينتصر هذه المرة، ولنجعل من صوت طلبة القنيطرة جسرا يجمع ما فرقته السنوات. فالمعركة لم تنته، بل بدأت الآن من جديد. والجامعة المغربية تستحق منا أن نكون عند وعدها التاريخي صوت الشعب حين يصمت الجميع، وذاكرته حين يراد لها أن تمحى.

عن الكاتب

سفيان جناتي

سفيان جناتي

مناضل يساري

السياسة

التحولات الاقتصادية بين أزمة كورونا والأزمة الدورية للرأسمال

التحولات الاقتصادية بين أزمة كورونا والأزمة الدورية للرأسمال

من‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬كارل‭ ‬ماركس‭ ‬قد‭ ‬عمل‭ -‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أبحاثه‭- ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬الفلسفة‭ ‬والعلم‭ ‬والتاريخ‭ ‬لفهم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرأسمالي‭ ‬وطبيعته،‭ ‬مستغلا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ -‬وبشكل‭ ‬خلاق‭- ‬الأسس‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬صاغها‭ ‬سابقوه،‭ ‬مخضعا‭ ‬إياها‭ ‬للنقد‭ ‬ومعيدا‭ ‬تطويرها‭. ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬تحتويها‭ ‬كتب‭ ‬كارل‭ ‬ماركس‭ ‬قائمة‭ ‬إلى‭ ‬يومنا،‭ ‬ولها‭ ‬أهمية‭ ‬قصوى‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الواقع‭ ‬العياني،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬الاستناد‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬وصلت‭ ‬إليه‭ ‬الرأسمالية‭ ‬اليوم‭. ‬وقد‭ ‬سعت‭ ‬الإيديولوجية‭ “‬البرجوازية‭” ‬ما‭ ‬في‭ ‬وسعها‭ ‬لدحض‭ ‬نظرية‭ ‬ماركس،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المحاولات‭ ‬باءت‭ ‬بالفشل‭. ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬حققت‭ ‬كتب‭ ‬ماركس‭ ‬عموما‭ ‬و‭ “‬رأس‭ ‬المال‭” ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬إقبالا‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬بعد‭ ‬أزمة‭ ‬2008‭ . ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ (‬رأس‭ ‬المال‭) ‬كان‭ ‬غائبا‭ ‬قبل‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ،‭ ‬وإنما‭ ‬زاد‭ ‬الاهتمام‭ ‬به‭ ‬بشكل‭ ‬ملفت،‭ ‬وطالما‭ ‬وُجد‭ ‬البرجوازيون‭ ‬والعمال‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬يظل‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي؛‭ ‬فماركس‭ ‬يحدد‭ ‬الأزمة‭ ‬الدورية‭ ‬لنمط‭ ‬الإنتاج‭ ‬الرأسمالي‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬ثمان‭ ‬و‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬وهذه‭ ‬إشارة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الإشارات‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬تحتويها‭ ‬نظرية‭ ‬ماركس،‭ ‬والتي‭ ‬سنستند‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬جوانب‭ ‬هذه‭ ‬المقال،‭ ‬فالغاية‭ ‬ـ‭ ‬هنا‭ ‬ـ‭ ‬ليست‭ ‬عرض‭ ‬أفكار‭ ‬ماركس‭ ‬بالقدر‭ ‬الذي‭ ‬يهم‭ ‬الاستناد‭ ‬إليها‭ ‬لتحديد‭ ‬خط‭ ‬التماس‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬أفكارنا‭ ‬حول‭ ‬التطورات‭ ‬والتغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬العالم‭ ‬ـ‭ ‬خصوصا‭ – ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬وبين‭ ‬مستقبل‭ ‬هذه‭ ‬التغيرات‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الإشارات‭ ‬التي‭ ‬تتضمنها‭ ‬كتابات‭ ‬ماركس‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعنى‭ ‬بالسمات‭ ‬التي‭ ‬يتجه‭ ‬صوبها‭ ‬نمط‭ ‬الإنتاج‭ ‬الرأسمالي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحالي،‭ ‬ونقصد‭ ‬هنا؛‭ ‬الهوة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬متسعة‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬ومفضوح‭ ‬بين‭ ‬الأثرياء‭ ‬والفقراء،‭ ‬بين‭ ‬مالكي‭ ‬النقد‭ ‬ومالكي‭ ‬قوة‭ ‬العمل‭. ‬وقد‭ ‬أدرك‭ ‬ماركس‭ ‬مبكرا‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ليست‭ ‬خطأ‭ ‬أو‭ ‬صدفة‭ ‬أو‭ ‬اختيارا،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬صفة‭ ‬ملازمة‭ ‬لهذا‭ ‬النمط؛‭ ‬فأزمة‭ ‬الحربين‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭ ‬قد‭ ‬أنتجت‭ ‬شكلا‭ ‬جديدا‭ ‬لإخضاع‭ ‬الشعوب،‭ ‬وجعلها‭ ‬تحت‭ ‬رحمة‭ ‬المركز‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬و‭.‬م‭.‬الأمريكية‭ ‬تفوق‭ ‬قوتها‭ ‬قوة‭ ‬باقي‭ ‬الدول‭ ‬المنتصرة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬1945،‭ ‬فذلك‭ ‬كله‭ ‬عزز‭ ‬حظوظها‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬العالم‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬كتابة‭ ‬هذه‭ ‬الأسطر‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬السيطرة‭ ‬والهيمنة‭ ‬تنهار‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬كما‭ ‬سنبين‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذا‭ ‬المقال. ‬

ففي‭ ‬سنة‭ ‬1945‭ ‬قامت‭ ‬و‭.‬م‭.‬الأمريكية‭ ‬بدعوة‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬44‭ ‬دولة‭ ‬لإعطائهم‭ ‬مُهلة‭ ‬للتفكير،‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬فاتح‭ ‬شهر‭ ‬يونيو‭ ‬إلى‭ ‬22‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الشهر،‭ ‬حول‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭. ‬

‭ ‬المستوى‭ ‬الاقتصادي‭: ‬رفع‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الشعارات‭ ‬والأدوات‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال؛‭ ‬نظام‭ ‬نقدي‭ ‬جديد،‭ ‬سياسات‭ ‬نقديه‭ ‬جديدة،‭ ‬تحديث‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬والاتفاقية‭ ‬العامة‭ ‬للتعريفة‭ ‬الجمركية؛‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المؤتمرسيتأسس‭ ‬المثلث‭ ‬الاقتصادي‭ ‬القاتل‭ ‬للشعوب‭ (‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬المنظمة‭ ‬العالمية‭ ‬للتجارة‭). ‬وبدورهم‭ ‬سارعوا‭ ‬نحو‭ ‬رفع‭ ‬شعارات‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬العمل‭ ‬على‭ ‬المناخ‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والتعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والزراعة‭ ‬والتموين‭ ‬والتجارة‭ ‬الخ‭…‬،‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الثالوث‭ ‬قبل‭ ‬تمظهره‭ ‬في‭ ‬قوالب‭ ‬جديدة‭ ‬يعرف‭ ‬ب‭ “‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬للإنشاء‭ ‬والتعمير‭”‬،‭ ‬وكانت‭ ‬أول‭ ‬أعماله‭ ‬تعمير‭ ‬أوروبا‭ ‬بعد‭ ‬الحربين؛‭ ‬لكن‭ ‬منذ‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬أصبح‭ ‬يلعب‭ ‬دور‭ ‬منقذ‭ ‬الشعوب،‭ ‬ظلما‭ ‬وبهتانا،‭ ‬وأصبح‭ ‬مرحبا‭ ‬به‭ ‬لدى‭ ‬أغلب‭ ‬الأنظمة‭ ‬السياسية‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ “‬المنطقة‭”‬،‭ ‬باستثناء‭ ‬النظام‭ ‬البعثي‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬وأمام‭ ‬هذا‭ ‬الترحيب،‭ ‬وضع‭ ‬البنك‭ ‬شروطا‭ ‬زجرية‭ ‬في‭ ‬جل‭ ‬تعاملاته،‭ ‬ك‭”‬قروض‭ ‬المقايضة‭” ‬مثلا‭ ‬والتي‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬المَدين‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الشركات‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬يحددها‭ ‬البنك‭ ‬بوصفه‭ ‬مانح‭ ‬القرض،‭ ‬وقد‭ ‬وضع‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬عدة‭ ‬شروط‭ ‬إجبارية‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتوفر‭ ‬في‭ ‬المُقرَضِ‭ ‬حتى‭ ‬يتسلم‭ ‬القرض،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭: ‬بيع‭ ‬مؤسسات‭ ‬القطاع‭ ‬العام؛‭ ‬كالتعليم‭ ‬والصحة،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬نذكر‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬تصريح‭ ‬الحكومة‭ ‬المغربية‭ ‬بتاريخ‭ ‬30‭ ‬ابريل‭ ‬2019‭ ‬حول‭ ‬تفويت‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬الخصخصة‭.‬

ونذكر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬كذلك،‭ ‬حدثين‭ ‬بارزين‭:‬

‭- ‬1971‭ ‬فك‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬ارتباطه‭ ‬بالذهب‭.‬

‭- ‬1976‭ ‬المصادقة‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬الدولار‭ ‬بالبترول‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬جمايكا‭.‬

وعلى‭ ‬أنقاض‭ ‬هذين‭ ‬الحدثين‭ ‬ستتشكل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬نمط‭ ‬الإنتاج‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬نحيل‭ ‬على‭ ‬كتاب‭ “‬القاتل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للأمم‭” ‬لجون‭ ‬بركينز؛‭ ‬الذي‭ ‬يَعُجُ‭ ‬بالمعلومات‭ ‬والمعطيات‭ ‬التي‭ ‬تُظهر‭ ‬جليا‭ ‬وقاحة‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬يخفي‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬الجشع‭ ‬والاستغلال‭ ‬اللامحدود‭ ‬لمقدرة‭ ‬الشعوب،‭ ‬عبر‭ ‬إنهاكها‭ ‬بالديون،‭ ‬ورهن‭ ‬ثرواتها‭ ‬وخيراتها‭ ‬في‭ ‬خزائن‭ ‬المركز‭ ‬الامبريالي؛‭ ‬فتحويل‭ ‬الثورة‭ ‬المنتجة‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬العاملة‭ ‬وطنيا‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬تفقير‭ ‬شعوبنا‭ ‬وتدمير‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬للنهوض‭ (‬العراق،‭ ‬سوريا،‭ ‬ليبيا،‭ ‬اليمن‭ …) ‬وإفقاد‭ ‬الدول‭ ‬سيادتها‭ ‬الوطنية‭ ‬وكذا‭ ‬تدمير‭ ‬الحدود‭ ‬القومية‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬الرأسمال‭ ‬العالمي‭.‬

نعتقد‭ ‬أن‭ ‬توطئة‭ ‬كهذه‭ ‬مهمة‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬أوصلتنا‭ ‬إليها‭ ‬الرأسمالية‭ ‬بمظاهرها‭ ‬النيوليبرالية‭ ‬منذ‭ ‬الحربين‭ ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬وكذا‭ ‬نسوقها‭ ‬هنا؛‭ ‬حتى‭ ‬يسهل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬اليوم،‭ ‬وعن‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬واضحة‭ ‬للعيان‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تفشي‭ ‬فيروس‭”‬كورونا‭” ‬التاجي‭. ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬ووفقا‭ ‬لفهم‭ ‬ماركس‭ ‬وتحليلاته‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تنشب‭ ‬الأزمة‭ ‬أو‭ ‬الركود‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬2018‭/ ‬2019‭ ‬بعد‭ ‬الانهيار‭ ‬المالي‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬سنة‭ ‬2008،‭ ‬والتي‭ ‬دفعت‭ ‬البرجوازية‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬ابتكار‭ ‬حلول‭ ‬عديدة‭ ‬ومتنوعة،‭ ‬لكنها‭ ‬ظلت،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬حلولا‭ ‬ترقيعية،‭ ‬عجزت‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬البرجوازيات‭ ‬عن‭ ‬إيجاد‭ ‬إجابة‭ ‬جدرية‭ ‬للركود‭ ‬المستمر‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭. ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬يبطل‭ ‬جُل‭ ‬التصريحات‭ ‬المزعومة‭ ‬والكذب‭ ‬المعلن‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬كل‭ ‬منظري‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ومثقفي‭ ‬البنك‭ ‬الدولي؛‭ ‬إذ‭ ‬يحاول‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭”‬إخفاء‭ ‬الشمس‭ ‬بالغربال‭” ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المعاناة‭ ‬العميقة‭ ‬للشعوب،‭ ‬وظروفها‭ ‬الحالكة،‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬مناهضي‭ ‬الإمبريالية‭ ‬والمطالبين‭ ‬بالقصاص‭ ‬من‭ ‬أفعالها‭ ‬الشنيعة،‭ ‬يظهر‭ ‬للواجهة‭ ‬أشباه‭ ‬المثقفين‭ ‬ومهرجي‭ ‬الإعلام‭ ‬الرسمي‭ ‬وبعض‭ ‬الشياطين‭ ‬أصحاب‭ ‬المليارات‭ ‬ليطالبوا‭ ‬بتقليص‭ ‬حدة‭ ‬الفقر‭ ‬بدون‭ ‬خجل‭.‬

لقد‭ ‬اضطرت‭ “‬تيريزا‭ ‬ماي‭” ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬إلى‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬السوق‭ ‬وعن‭ ‬الرأسمالية‭ ‬بكل‭ ‬وقاحة،‭ ‬والإثناءعلى‭ “‬السوق‭ ‬الحرة‭” ‬بوصفها‭ ‬عاملا‭ ‬أساسيا‭ ‬للتقدم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬كما‭ ‬امتلأت‭ ‬المكتبات‭ -‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭-‬بمؤلفات‭ ‬مرتزقة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬من‭ ‬أمثال‭: “‬ألان‭ ‬لي‭ ‬ستفن‭ ‬فنكر‭” ‬وكتاب‭ “‬حقائق‭ ‬الأمور‭” ‬لهانز‭ ‬روسلنغ،‭ ‬حيث‭ ‬شن‭ ‬هؤلاء‭ ‬وغيرهم‭ ‬حملة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬التشهير‭ ‬للرأسمالية‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬منهم‭ ‬لإضفاء‭ ‬الملائكية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الشيطان‭ ‬الجشع،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬رموز‭ ‬المال‭ ‬والبورصة‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ “‬بيل‭ ‬جيست‭”. ‬فكل‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬هؤلاء،‭ ‬السلطويين،‭ ‬وباختلاف‭ ‬تخصصاتهم‭ ‬سعوا‭ ‬إلى‭ ‬ذر‭ ‬الرماد‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬العالم،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إلباسه‭ ‬لباس‭ ‬العفة‭ ‬وإظهاره‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬المتعافي‭ ‬من‭ ‬الأزمة،‭ ‬فقد‭ ‬قاموا‭ ‬بتوزيع‭ ‬نسخ‭ ‬مجانية‭ ‬لكتب‭ “‬روسلينغ‭” ‬وكذلك‭ ‬تقديم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البرامج‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه،‭ ‬فنجحوا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬كل‭ ‬البلدان‭ ‬بأن‭ ‬العالم‭ ‬بعد‭ ‬2008‭ ‬بلغ‭ ‬مرحلة‭ ‬الخلود،‭ ‬وأن‭ ‬البرجوازية‭ ‬تخطت‭ ‬أزماتها‭ ‬ببراعة‭ ‬كموقع‭ ‬ساعة‭ ‬الفقر‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬يعمد‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬رسومات‭ ‬وإحصائيات‭ ‬مغلوطة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬نشر‭ ‬الوهم‭ ‬حول‭ ‬مسألة‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الفقر‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الوهم‭ ‬وهذا‭ ‬التجاوز‭ ‬المزعوم‭ ‬للأزمة،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تهاوى‭ ‬أمام‭ ‬الوقائع‭ ‬العيانية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬نفسه،‭ ‬فالإحصائيات‭ ‬المقدمة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تبين‭ ‬ـ‭ ‬قطعا‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬ماركس‭ ‬كان‭ ‬محقا‭ ‬حينما‭ ‬تنبأ‭ ‬باتساع‭ ‬الهوة‭ ‬بين‭ ‬الأغنياء‭ ‬والفقراء،‭ ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬الليبرالية‭ ‬جعلت‭ ‬نصف‭ ‬ثروة‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬حفنة‭ ‬من‭ ‬الرأسماليين‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬نسبتهم‭ ‬واحدا‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭. ‬وهذا‭ ‬يبين‭ ‬حجم‭ ‬المهزلة‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إليها‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬وقس‭ ‬عليها‭ ‬النصف‭ ‬المتبقي‭ ‬من‭ ‬الثروة‭.‬

إن‭ ‬كل‭ ‬طَرْقٍ‭ ‬لأبواب‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الدول‭ ‬يخلف‭ ‬–‭ ‬بالضرورة‭ – ‬نتائجَ‭ ‬وخيمةٍ‭ ‬من‭ ‬فقرٍ‭ ‬وبطالة‭. ‬ولا‭ ‬أدَلَّ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬البرازيل‭ ‬التي‭ ‬استنجدت‭ ‬ـ‭ ‬فترة‭ ‬الثمانينيات‭ ‬ـ‭ ‬بالبنك‭ ‬الدولي،‭ ‬ليتم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تسريح‭ ‬عدد‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬عمالها،‭ ‬وتفويت‭ ‬قطاعاتها‭ ‬الحية‭ ‬إلى‭ ‬الخوصصة،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬إغراقها‭ ‬بالديون،‭ ‬ما‭ ‬شَرع‭ ‬الباب‭ ‬لدخولها‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬استمرت‭ ‬نحو‭ ‬12‭ ‬سنة،‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬منها‭ ‬البرازيل‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سددت‭ ‬ديونها،‭ ‬فانطلقت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬البناء،‭ ‬وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬كل‭ ‬في‭ ‬من‭ ‬الأرجنتين‭ ‬واليونان‭ ‬بوصفهما‭ ‬نموذجين‭ ‬قريبين‭. ‬دون‭ ‬إغفال‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬المغرب؛‭ ‬إذ‭ ‬تعرف‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬ارتفاعا‭ ‬حادا‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬الفقر‭ ‬بحسب‭ ‬الإحصائيات،‭ ‬إذ‭ ‬ترى‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬نصف‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬تقريبا‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬المدقع؛‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬3‭.‬2‭ ‬دولار‭ ‬كحد‭ ‬أقصى‭ ‬في‭ ‬اليوم،‭ ‬وبالنسبة‭ ‬للبلدان‭ ‬المتوسطة‭ ‬الدخل‭ ‬يبلغ‭ ‬1‭.‬9‭ ‬دولارا‭ ‬للفرد‭ ‬في‭ ‬اليوم‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬أمريكا‭ ‬فبدورها‭ ‬تسجل‭ ‬نسبا‭ ‬في‭ ‬معدل‭ ‬الفقر‭ ‬قدرت‭ ‬ب13بالمائة‭ ‬من‭ ‬سكانها؛‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬41‭ ‬مليون‭ ‬من‭ ‬الساكنة‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الفقر،‭ ‬وأن‭ ‬18‭ ‬مليونا‭ ‬منهم‭ ‬يعيشون‭ ‬الفقر‭ ‬المدقع،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬طفل‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬ثلاثة‭ ‬فقراء،‭ ‬وحسب‭ ‬نفس‭ ‬الإحصائيات‭ ‬فإن‭ ‬عدد‭ ‬المشردين‭ ‬بأمريكا‭ ‬قدر‭ ‬بنحو550‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭ ‬دون‭ ‬مأوى‭ (‬أغلبهم‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬البشرة‭ ‬السوداء‭).‬

وحسب‭ ‬تقرير‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬في‭ ‬ازدياد‭ ‬مستمر‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬المهرج‭ ‬ترامب‭ ‬الذي‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬إلغاء‭ ‬شبكة‭ ‬الأمن‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬ملايين‭ ‬الفقراء،‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬التقرير‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬حماية‭ ‬اجتماعية‭ ‬قوية‭ ‬للفقراء‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬فرنسا‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬سابقاتها؛‭ ‬إذ‭ ‬يعيش‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملايين‭ ‬طفل‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬أزيد‭ ‬من‭ ‬تسعة‭ ‬ملايين‭ ‬نسمة‭ ‬تحت‭ ‬خط‭ ‬الفقر،‭ ‬وحسب‭ ‬إحدى‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬أجراها‭ “‬معهد‭ ‬ابيسوس‭ ‬لدراسة‭ ‬الأسواق‭” ‬بمعية‭ “‬منظمة‭ ‬النجدة‭ ‬الشعبية‭ ‬الفرنسية‭” ‬حول‭ ‬الفقر‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬والتي‭ ‬تم‭ ‬نشرها‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬2018،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬فرنسيان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬خمسة‭ ‬فرنسيين‭ ‬لا‭ ‬يمكنهم‭ ‬تحمل‭ ‬تكلفة‭ ‬ثلاث‭ ‬وجبات‭ ‬يوميا‭. ‬ففي‭ ‬فرنسا‭ ‬يتم‭ ‬تحديد‭ ‬عتبة‭ ‬الفقر‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يتقاضى‭ ‬المرء‭ ‬راتبا‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬1180‭ ‬يورو‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬2015‭ ‬كانت‭ ‬عتبة‭ ‬الفقر‭ ‬تحدد‭ ‬بمدخول‭ ‬يوازي‭ ‬1015‭ ‬يورو،‭ ‬حينها‭ ‬وصل‭ ‬عدد‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬الفقر‭ ‬إلى‭ ‬14‭.‬2‭ ‬بالمائة،‭ ‬وأن‭ ‬81‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الفرنسيين‭ ‬يعتبرون‭ ‬أن‭ ‬أبنائهم‭ ‬مهددون‭ ‬بخطر‭ ‬الفقر،‭ ‬وأن‭ ‬59‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬الفرنسيين‭ ‬يعتبرون‭ ‬أنهم‭ ‬عرفوا‭ ‬أو‭ ‬كادوا‭ ‬يعرفون‭ ‬الفقر،‭ ‬و65‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الدخل‭ ‬الضعيف،‭ ‬و21‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الفرنسيين‭ ‬يصعب‭ ‬عليهم‭ ‬توفير‭ ‬غذاء‭ ‬صحي‭ ‬لثلاث‭ ‬وجبات‭ ‬يوميا‭.‬

وفي‭ ‬جارتها‭ ‬ألمانيا‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬النموذج‭ ‬البارز‭ ‬داخل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬فقد‭ ‬أعلن‭ “‬المكتب‭ ‬الاتحادي‭ ‬للإحصاء‭” ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬2019‭ ‬بأن‭ ‬19‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الألمان‭ ‬يعيشون‭ ‬تحت‭ ‬خط‭ ‬الفقر‭ ‬أو‭ ‬مهددين‭ ‬بذلك،‭ ‬كما‭ ‬صرح‭ ‬المكتب‭ ‬بأن‭ ‬عدد‭ ‬المهددين‭ ‬بالفقر‭ ‬والإقصاء‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬تخطى15‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬19‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬السكان‭. ‬وقد‭ ‬صرح‭ “‬الاتحاد‭ ‬الألماني‭ ‬لحماية‭ ‬الأطفال‭” (‬دب‭ ‬كيه‭ ‬ا‭ ‬سبي‭) ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬نحو‭ ‬4‭.‬4‭ ‬مليون‭ ‬طفل‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬بزيادة‭ ‬1‭.‬4‭ ‬مليون‭ ‬طفل‭ ‬عن‭ ‬السابق،‭ ‬والحال‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬أوروبا‭ ‬كبريطانيا‭ ‬وإسبانيا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬واليونان‭…‬والأعداد‭ ‬في‭ ‬ازدياد‭ ‬دائم‭.‬

وحسب‭ ‬المنظمة‭ ‬العالمية؛‭ ‬فإن‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬شهدت‭ ‬ارتفاعا‭ ‬ملحوظا‭ ‬في‭ ‬أعداد‭ ‬من‭ ‬يعيشون‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬1‭.‬9‭ ‬دولار‭ ‬للفرد،‭ ‬فاليمن‭ ‬وفلسطين‭ ‬وسوريا‭ ‬والعراق‭…. ‬بلدان‭ ‬تم‭ ‬تشريدها‭ ‬وتصدير‭ ‬مقدراتها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬المؤامرة‭ ‬الكونية‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬وليبيا،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬عايناه‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬القارئ‭ ‬وننوهه‭ ‬بأن‭ ‬الأرقام‭ ‬المقدمة‭ ‬قد‭ ‬استقيناها‭ ‬من‭ ‬الإحصائيات‭ ‬الرسمية،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬خفي‭ ‬كان‭ ‬أعظم‭. ‬فالتلاعب‭ ‬بالأرقام‭ ‬والإحصائيات‭ ‬من‭ ‬خصائص‭ ‬الهيمنة‭ ‬الامبريالية،‭ ‬وهذا‭ ‬الأمر‭ ‬معروف‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬يقدمها‭ ‬أستاذ‭ ‬بجامعة‭ ‬لندن‭ ‬‭(‬جايسون‭ ‬هايكل‭) ‬حيث‭ ‬يقدم‭ ‬فيها‭ ‬موجزا‭ ‬لانعدام‭ ‬المساواة‭ ‬العالمية‭ ‬وحلولها‭ ‬تاريخيا،‭ ‬وهو‭ ‬موجز‭ ‬للتلاعب‭ ‬بالإحصائيات،‭ ‬وفيه‭ ‬دلائل‭ ‬على‭ ‬بطلان‭ ‬ادعاءات‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬ذر‭ ‬الرماد‭ ‬في‭ ‬أعين‭ ‬الجماهير؛‭ ‬لكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يتهاوى‭ ‬علميا‭ ‬وعلنيا‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬اللغط‭ ‬الذي‭ ‬تقدم‭ ‬به‭ (‬بينكنز،‭ ‬و‭ ‬روسلينغ،‭ ‬وبيل‭ ‬جيتس‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يتقارب‭ ‬كثيرا‭ ‬مع‭ ‬تنبؤات‭ ‬ماركس‭ ‬و‭(‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الماركسيين‭) ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭ ‬مجبرا‭ – ‬ومنذ‭ ‬بدايته‭ -‬على‭ ‬الترحيب‭ ‬بأفكار‭ ‬كارل‭ ‬ماركس،‭ ‬رغم‭ ‬السنوات‭ ‬الطويلة‭ ‬من‭ ‬التعتيم‭ ‬والطمس‭ ‬والتشويه،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬دراساته‭ ‬وأفكاره‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬حاضرة‭ ‬ولم‭ ‬تغب‭ ‬يوما،‭ ‬بل‭ ‬ويزداد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بها‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬الأزمات‭ ‬الدورية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الرأسمالي‭. ‬

بعد‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬سنة‭ ‬2008‭ ‬ستظهر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الإشكالات‭ ‬في‭ ‬المراكز‭ ‬الرأسمالية‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬الرخاء‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬مقدرات‭ ‬شعوبنا‭ ‬الإفريقية‭ ‬والعربية،‭ ‬فالاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬يعيش‭ ‬أوضاعا‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬عاشها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المتدهوريتجلى‭ ‬بشكل‭ ‬ساطع‭ ‬في‭ ‬حقله‭ ‬السياسي،‭ ‬وما‭ ‬تأزم‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بالأمس‭ ‬القريب‭ ‬تسهر‭ ‬على‭ ‬تسيير‭ ‬اللعبة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬إلا‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬الأزمة‭ ‬المذكورة‭ ‬أعلاه،‭ ‬فصعود‭ ‬الشعبويين‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬التصويت‭ ‬لصالح‭ ‬خروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد،‭ ‬وهذا‭ ‬قد‭ ‬أوصل‭ ‬حزب‭ ‬المحافظين‭ ‬إلى‭ ‬حافة‭ ‬الموت،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭”‬تريزا‭ ‬ماي‭” ‬تقدم‭ ‬استقالتها‭ ‬فورا‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬مجرد‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬سيناريو‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬هو‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬إفلاس‭ ‬كامل‭ ‬للنظام‭ ‬السياسي‭ ‬البريطاني‭. ‬لكن‭ ‬أزمة‭ ‬أوروبا‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد؛‭ ‬فألمانيا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ – ‬لزمن‭ ‬طويل‭ – ‬محركا‭ ‬فاعلا‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ – ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬قبضة‭ ‬الحزبين‭ “‬الديمقراطي‭ ‬المسيحي‭” ‬و‭”‬الاشتراكي‭ ‬الديمقراطي‭” – ‬على‭ ‬أبواب‭ ‬الانهيار،‭ ‬وما‭ ‬تخلي‭ “‬ميركل‭” ‬عن‭ ‬منصبها‭ ‬في‭ ‬رئاسة‭ ‬الحزب‭ ‬إلا‭ ‬مظهر‭ ‬للاضطرابات‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الألماني‭ ‬وما‭ ‬يصاحبها‭ ‬من‭ ‬صعود‭ ‬الحزب‭ ‬اليميني‭ ‬الجديد،‭ ‬بشكل‭ ‬يثير‭ ‬الانتباه‭.‬

أما‭ ‬فرنسا‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬الوجه‭ ‬المفضوح‭ ‬للأزمة،‭ ‬فقد‭ ‬أسقطت‭ ‬معها‭ ‬المدافعين‭ ‬عن‭ ‬الوسطي‭ ‬الصغير‭ (‬ماكرون‭) ‬والذي‭ ‬كانت‭ ‬تعلق‭ ‬عليه‭ ‬آمال‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وأوروبا‭ ‬لتخطي‭ ‬الأزمة‭. ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يتبخر‭ ‬أمام‭ ‬موجات‭ ‬الصراع‭ ‬الطبقي‭. ‬وما‭ ‬نضال‭ ‬أصحاب‭ “‬السترات‭ ‬الصفراء‭” ‬إلا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الموجات‭. ‬ليفتضح‭ ‬زيف‭ ‬ماكرون‭ ‬ومن‭ ‬معه‭. ‬أما‭ ‬الانقسام‭ ‬الذي‭ ‬يتبين‭ ‬للعموم‭ ‬والحاصل‭ ‬بين‭ ‬مركز‭ ‬أورويا‭ ‬وشمالها؛‭ ‬فما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬مظهر‭ ‬للأزمة‭ ‬الوجودية‭ ‬التي‭ ‬استوطنت‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬القارة‭ ‬العجوز‭. ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬أزمة‭ ‬اللاجئين‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬تعميق‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام‭ ‬وهذا‭ ‬التوتر‭ ‬الذي‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬ألمانيا‭ ‬وبولندا‭ ‬والمجر‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬النمساوي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬هذا‭ ‬الأمرعزز‭ ‬أفكار‭ (‬حزب‭ ‬نداء‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ألمانيا‭)‬،‭ ‬فهذه‭ ‬التعبيرات‭ ‬هي‭ ‬أشكال‭ ‬سطحية‭ ‬للأزمة‭ ‬والانشقاق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العميق‭ ‬بين‭ ‬شمال‭ ‬وجنوب‭ ‬أوروبا‭.‬

في‭ ‬اليونان‭ (‬التجربة‭ ‬القريبة‭) ‬فقد‭ ‬استعملت‭ ‬فيها‭ ‬البورجوازية‭ ‬الأوروبية‭ ‬جميع‭ ‬المحاولات‭ ‬لضخ‭ ‬أموال‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬اليوناني،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وصل‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬لدرجة‭ ‬الصفر،‭ ‬وانهار‭ ‬بشكل‭ ‬درامي‭ ‬أمام‭ ‬أعين‭ ‬الجميع،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬اقترب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يستسيغ‭ ‬هذه‭ ‬الخسائر‭ ‬وهذا‭ ‬السقوط،‭ ‬حتى‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬أزمة‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا،‭ ‬إذ‭ ‬وصل‭ ‬العجز‭ ‬المتراكم‭ ‬إلى‭ ‬أزيد‭ ‬من‭ ‬130‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭. ‬ورغم‭ ‬محاولات‭ ‬التحالف‭ ‬الحكومي‭ ‬للتملص‭ ‬من‭ ‬الشروط‭ ‬المفروضة‭ ‬عليه،‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬إجبارهم‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬غرامات‭ ‬ضخمة‭ ‬واستسلام‭ ‬زعيم‭ ‬حركة‭ ‬الخمس‭ (‬لويجي‭ ‬دي‭ ‬ماي‭) ‬وكذلك‭ ‬زعيم‭ ‬رابطة‭ ‬الشمال‭ (‬مني‭ ‬تو‭) ‬فتعهدت‭ ‬إيطاليا‭ ‬على‭ ‬تخفيف‭ ‬عجز‭ ‬ميزانيتها‭ ‬من‭ ‬2‭.‬4‭ ‬إلى‭ ‬2‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬الداخلي‭ ‬العام،‭ ‬وهذه‭ ‬الحلول‭ ‬ترقيعية‭ ‬لا‭ ‬غير‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬حل‭ ‬عام‭ ‬2019‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬التوتر‭ ‬الفرنسي‭ ‬الايطالي‭ ‬ظاهرا،‭ ‬حيث‭ ‬عبر‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬كلمته‭ (‬كونتي‭) ‬الذي‭ ‬صرح‭ ‬بأن‭ “‬حكومتنا‭ ‬تواجه‭ ‬كل‭ ‬الصعوبات‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬وأوروبا‭” ‬وذلك‭ ‬بلغة‭ ‬شديدة‭ ‬اللهجة،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تهديد‭ ‬صريح‭ ‬معناه؛‭ ‬إما‭ ‬رفع‭ ‬الضغط‭ ‬عنا‭ ‬أو‭ ‬ستشهد‭ ‬المنطقة‭ ‬انفجارا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬ستترتب‭ ‬عنه‭ ‬عواقب‭ ‬وخيمة‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬كلها‭. ‬ووفقا‭ ‬لكل‭ ‬هذا‭ ‬واستنادا‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬خلفتها‭ ‬الامبريالية‭ ‬وصندوقها‭ ‬الدولي‭ ‬وقبل‭ ‬نهاية‭ ‬2019‭ ‬كان‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬ودارسي‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والمستقبليات‭ ‬يتنبئون‭ ‬بأزمة‭ ‬عميقة‭ ‬قد‭ ‬تتجاوز‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬ل‭ ‬2008،‭ ‬والتي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬ركودها‭ ‬قائما‭ ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬التدبيرية‭ ‬والاحترازية‭. ‬فحسب‭ ‬بعض‭ ‬المعطيات‭ ‬الرسمية‭ ‬فإن‭ ‬2020‭ ‬كانت‭ ‬ستكون‭ ‬أسوأ‭ ‬سنة‭ ‬في‭ ‬الألفية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬لكن‭ ‬ينبغي‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬كوننا‭ ‬نتحدث‭ ‬قبل‭ ‬ظهور‭ ‬أي‭ ‬مؤشر‭ ‬لفيروس‭ ‬كورونا‭ ‬بغية‭ ‬توضيح‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬كانت‭ ‬قادمة‭ ‬وعلى‭ ‬الأبواب،‭ ‬وما‭ ‬ال‭”‬كورونا‭” ‬سوى‭ ‬النقطة‭ ‬التي‭ ‬أفاضت‭ ‬الكأس‭ ‬وعجلت‭ ‬وسرعت‭ ‬وعمقت‭ ‬الأزمة‭.‬

لكل‭ ‬أزمة‭ ‬أثرها‭ ‬وتغيراتها‭ ‬وتحولاتها،‭ ‬وأول‭ ‬تحول‭ ‬واضح‭ ‬للعيان‭ ‬هو‭ ‬ظهور‭ ‬قوى‭ ‬جديدة‭ ‬تتمركز‭ ‬في‭ ‬أسيا‭ ‬بدل‭ ‬البيت‭ ‬العميق‭ ‬للرأسمال‭ ‬العالمي،‭ ‬لكن‭ ‬ظهور‭ ‬القوى‭ ‬الأسيوية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬صدفة‭ ‬أو‭ ‬ظهر‭ ‬مع‭ ‬كورونا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والعمل‭ ‬الجاد‭ ‬الطامح‭ ‬إلى‭ ‬النهوض،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تميزت‭ ‬به‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬الأسيوية‭ ‬كسنغافورة‭ ‬والصين‭ ‬وإيران‭ ‬وكوريا‭ ‬وروسيا‭ ‬والهند‭ ‬واليابان‭. ‬والحديث‭ ‬اليوم‭ ‬سينصب‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬خصوصا‭ ‬لكونها‭ ‬المنافس‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمركز‭ ‬الرأسمالي‭ ‬التاريخي‭. ‬هنا‭ ‬يتبادر‭ ‬في‭ ‬أذهاننا‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬هل‭ ‬تملك‭ ‬الصين‭ ‬قدرات‭ ‬ومؤهلات‭ ‬لإنجاز‭ ‬هذه‭ ‬المهمات‭ ‬التاريخية؟

إن‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬ستكون‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬أرقام‭ ‬ومقارنات‭ ‬بين‭ ‬اقتصادها‭ ‬وبين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الذي‭ ‬يقود‭ ‬العالم‭ ‬ويحركه‭ ‬منذ‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ (‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬ومنظومته‭) ‬وهذه‭ ‬الأرقام‭ ‬والدراسات‭ ‬أغلبها‭ ‬من‭ ‬مصادرأمريكية،‭ ‬فالصعود‭ ‬الصيني‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معلوم‭ ‬يرعب‭ ‬أمريكا‭ ‬تاريخيا،‭ ‬خصوصا‭ ‬بعد‭ ‬2002،‭ ‬وهذا‭ ‬مايفسر‭ ‬سبب‭ ‬الهجمة‭ ‬الشرسة‭ ‬التي‭ ‬يشنها‭ ‬ترامب‭ ‬ومن‭ ‬سبقه،‭ ‬فهؤلاء‭ ‬يعلمون‭ ‬تمام‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬قادمة‭ ‬للريادة‭ ‬لا‭ ‬محال،‭ ‬ويقومون‭ ‬بأقصى‭ ‬ما‭ ‬لديهم‭ ‬لكبح‭ ‬وصول‭ ‬هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬تقهقر‭ ‬أمريكا‭ ‬وتراجعها،‭ ‬شأنها‭ ‬شأن‭ ‬باقي‭ ‬الدول،‭ ‬مسالة‭ ‬وقت‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭. ‬

تشير‭ ‬بعض‭ ‬الأطروحات‭ ‬والدراسات‭ ‬القديمة‭ ‬والجديدة‭ ‬ـ‭ ‬بوضوح‭ – ‬أن‭ ‬سنة‭ ‬2020‭ ‬بداية‭ ‬سقوط‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬تقليص‭ ‬نفوذها‭ ‬العالمي‭. ‬وهنا‭ ‬نستعرض‭ ‬للقارئ‭ ‬أهم‭ ‬التنبؤات‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭.‬

أول‭ ‬تنبؤ‭ ‬يشير‭ ‬إليه‭ ‬العالم‭ ‬الأمريكي‭ ‬المستقبلي‭ “‬الفين‭ ‬طوفلير‭” ‬وهو‭ ‬كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬وعالم‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬صيت‭ ‬طويل‭ ‬ومكانة‭ ‬مرموقة‭ ‬بين‭ ‬أقرانه‭. ‬إذ‭ ‬تتلمذ‭ ‬على‭ ‬يديه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الرموز‭ ‬والشخصيات‭ ‬السياسية‭ (‬ميخائيل‭ ‬غورباتشوف،‭ ‬والرئيس‭ ‬الهندي‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬زين‭ ‬العابدين،‭ ‬ورئيس‭ ‬ماليزيا‭ ‬محمد‭ ‬مهاتير‭.. ‬وغيرهم‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬شكلت‭ ‬أعماله‭ ‬نظرة‭ ‬خارج‭ ‬السرب،‭ ‬خصوصا‭ ‬حول‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬والتطور‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬وركز‭ ‬في‭ ‬كتبه‭ ‬على‭ ‬التكنولوجية‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭.‬

ومن‭ ‬كتبه‭ (‬صدمة‭ ‬المستقبل‭) ‬الذي‭ ‬حقق‭ ‬نجاحا‭ ‬واسعا‭. ‬وكان‭ ‬لكتاباته‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬فهم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأنظمة‭ ‬السياسية،‭ ‬وقد‭ ‬وصفته‭ ‬مؤسسة‭ “‬اكسطور‭ ‬للاستشارات‭ ‬الإدارية‭” ‬بأهم‭ ‬شخصية‭ ‬بين‭ ‬رواد‭ ‬الإدارة‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬ووصفته‭ ‬جريدة‭ (‬فايناتشال‭ ‬البريطانية‭) ‬بأنه‭ ‬أشهر‭ ‬عالم‭ ‬دراسات‭ ‬للمستقبل،‭ ‬وكذلك‭ ‬صحيفة‭ ‬الشعب‭ ‬الصينية‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬خمسين‭ ‬أجنبي‭ ‬ساهموا‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الصين‭ ‬الحديثة‭. ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬تنبؤاته‭ ‬هو‭ ‬الحدث‭ ‬الفارق‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬سنة‭ ‬1987‭. ‬ففي‭ ‬كتابه‭ “‬الموجة‭ ‬الثالثة‭” ‬قدم‭ ‬طوفلير‭ ‬رؤيته‭ ‬حول‭ ‬سقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفياتي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقديم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدلائل‭ ‬القائلة‭ ‬بذلك،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬بعد‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬إصدار‭ ‬الكتاب‭. ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬الكتاب‭ ‬يخلص‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬بأن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ستتفكك‭ ‬إلى‭ ‬ولايات‭ ‬مستقلة‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفياتي‭ ‬ب‭ ‬25‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬الأقل‭.‬

وفي‭ ‬سنة‭ ‬2007‭ ‬كلف‭ “‬الكونكريس‭” ‬الأمريكي‭ ‬فريقا‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬للإجابة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭”: ‬هل‭ ‬تشكل‭ ‬الصين‭ ‬تهديدا‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الأمريكي؟‭”. ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬تقريره‭ ‬من‭ ‬63‭ ‬صفحة‭ ‬وفيه‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬كون‭ ‬القلق‭ ‬الذي‭ ‬يعتري‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬من‭ ‬صعود‭ ‬الصين‭ ‬كقوة‭ ‬عالمية‭ ‬عظمى‭ ‬هو‭ ‬قلق‭ ‬مشروع‭ ‬وأنه‭ ‬سيزداد‭ ‬حدة‭ ‬حينما‭ ‬تتجه‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬وتصدير‭ ‬منتجات‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬عالية‭ (‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬والسيارات‭….) ‬وهذا‭ ‬ماشرعت‭ ‬فيه‭ ‬الصين‭ ‬رسميا‭ ‬بعد‭ ‬2015‭ ‬حينما‭ ‬كشف‭ ‬الرئيس‭ ‬الصيني‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ “‬صنع‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬2025‭”‬،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬هذا،‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬ستتخطى‭ ‬أمريكا‭ ‬تجاريا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬القريب‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬سنة‭ ‬2010،‭ ‬فحجم‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬للصين‭ ‬يساوي‭ ‬3‭.‬2‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬وأمريكا‭ ‬3‭.‬1‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬أما‭ ‬سنة‭ ‬2018‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭ ‬فقد‭ ‬تعمقت‭ ‬الهوة،‭ ‬إذ‭ ‬أصبح‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬الصينية‭ ‬4‭.‬7‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬وأمريكا‭ ‬4‭.‬1‭ ‬تريلون‭ ‬دولار،‭ ‬وركز‭ ‬هذا‭ ‬التقرير‭ ‬على‭ ‬الخطر‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‭ ‬أمريكا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬شرعت‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬تصدير‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والأدوات‭ ‬التقنية‭ ‬بدل‭ ‬الألعاب‭ ‬والمنتجات‭ ‬العادية‭. ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ما‭ ‬شرعت‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬تطبيقه‭ ‬حينما‭ ‬صدمت‭ ‬العالم‭ ‬بمشروعها‭ ‬الكبير‭ “‬صنع‭ ‬في‭ ‬الصين‭” ‬أي‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬منتجات‭ ‬بسيطة‭ ‬إلى‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات،‭ ‬ويتم‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬عشر‭ ‬قطاعات‭ ‬صناعية‭ ‬رئيسية‭:‬

1‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭.‬

2علم‭ ‬الروبوتات‭.‬

3‭ ‬الطاقة‭ ‬الخضراء‭.‬

4‭ ‬صناعة‭ ‬الفضاء‭.‬

5‭ ‬هندسة‭ ‬المحيطات‭ ‬والسفن‭ ‬ذات‭ ‬التقنية‭ ‬العالية‭.‬

6‭ ‬صناعة‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭.‬

7‭ ‬صناعة‭ ‬الطاقة‭.‬

8‭ ‬المواد‭ ‬الجديدة‭.‬

9‭ ‬الطب‭ ‬والأجهزة‭ ‬الطبية‭.‬

10‭ ‬الآلات‭ ‬الزراعية‭.‬

وتشير‭ ‬توقعات‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬2030‭ ‬هي‭ ‬السنة‭ ‬التي‭ ‬ستصبح‭ ‬فيها‭ ‬الصين‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬عالمي‭ (‬البنك‭ ‬الدولي‭). ‬

يوهان‭ ‬غالتونغ‭ ‬عالم‭ ‬اجتماع‭ ‬نرويجي‭ ‬وعالم‭ ‬رياضيات‭ ‬ومؤسس‭ ‬لدراسات‭ ‬السلام‭ ‬والصراع،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬مواليد‭ ‬أوسلو‭ ‬النرويج‭ ‬24‭ ‬أكتوبر‭ ‬1930‭ ‬والمؤسس‭ ‬الرئيسي‭ ‬لمعهد‭ ‬بحوث‭ ‬السلام‭ ‬أوسلو‭ ‬سنة‭ ‬1959،‭ ‬وشغل‭ ‬مديرا‭ ‬له‭ ‬حتى‭ ‬سنة‭ ‬1970،‭ ‬كما‭ ‬يعود‭ ‬له‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬مجلة‭ ‬بحوث‭ ‬السلام‭ ‬سنة‭ ‬1964،‭ ‬ويعتبر‭ ‬أول‭ ‬بروفيسور‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬يختص‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬السلام‭ ‬والصراع‭ ‬سنة‭ ‬1969‭. ‬وفي‭ ‬حوزته‭ ‬جائزة‭ “‬ايريك‭” ‬وجائزة‭ “‬رايت‭” ‬والدكتوراه‭ ‬الفكرية‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬لمبلوتشي‭ ‬2017،‭ ‬وله‭ ‬أعمال‭ ‬ومساهمات‭ ‬معروفة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬مثل‭ “‬أخلاقيات‭ ‬غاندي‭ ‬السياسية‭” ‬1955،‭”‬نظرية‭ ‬البحث‭ ‬الاجتماعي‭”‬،‭ “‬السلام‭ ‬والعنف‭ ‬والامبريالية‭”…‬وقام‭ ‬بنشر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1000‭ ‬مقالة‭ ‬وأزيد‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬كتاب،‭ ‬وكانت‭ ‬له‭ ‬تنبؤات‭ ‬حول‭ ‬ضعف‭ ‬وانحسار‭ ‬دور‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬كقوة‭ ‬عالمية،‭ ‬وهذا‭ ‬منذ‭ ‬سقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭. ‬وفي‭ ‬سنة‭ ‬2004‭ ‬تم‭ ‬نشر‭ ‬مقال‭ ‬أثار‭ ‬الجدل‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الجميع،‭ ‬حيث‭ ‬سرد‭ ‬فيه‭ ‬14‭ ‬تناقضا‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬إضعاف‭ ‬وإسقاط‭ ‬أمريكا‭. ‬في‭ ‬البداية‭ ‬كان‭ “‬غالتونغ‭” ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لن‭ ‬تتخطى‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬لكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬ليقلص‭ ‬توقعه‭ ‬إلى‭ ‬سنة‭ ‬2020،‭ ‬وذلك‭ ‬تزامنا‭ ‬مع‭ ‬فترة‭ ‬حكم‭ “‬بوش‭ ‬الابن‭” ‬وفقا‭ ‬لموقع‭ “‬ماذربورد‭”. ‬

يرى‭ ‬غالتون‭ ‬أن‭ ‬تولي‭ ‬ترامب‭ ‬للرئاسة‭ ‬سيسرع‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬الانهيار‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬تنبؤاته‭ ‬الدقيقة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬عام‭ ‬1978،‭ ‬ومظاهرة‭ ‬ساحة‭ ” ‬تيانآن‭ ‬مين‭” ‬في‭ ‬الصين‭ ‬عام‭ ‬1989‭. ‬وفي‭ ‬كتابه‭ “‬سقوط‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الأمريكية‭” ‬توقع‭ ‬صعود‭ ‬الخطاب‭ ‬الفاشي‭ ‬في‭ ‬أمريكا،‭ ‬وتقريبا‭ ‬كل‭ ‬تنبؤاته‭ ‬كانت‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬نظرية‭ ‬الروسي‭ (‬الكوكراكتيف‭) .‬

أما‭ ‬الدكتور‭ ‬وليد‭ ‬عبد‭ ‬الحي‭ ‬فيقدم‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬المحاضرات‭ ‬الدسمة‭ ‬تم‭ ‬بثها‭ ‬على‭ ‬قناة‭ “‬الفينق‭” ‬الأردنية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المقالات‭ ‬والأبحاث‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تنبؤات‭ ‬الدراسات‭ ‬المستقبلية‭ ‬حتى‭ ‬2030‭ ‬وهو‭ ‬يستند‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬بحوث‭ ‬27‭ ‬عالما‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬خلال‭ ‬2018‭ ‬و‭ ‬2019‭ ‬ونتائج‭ ‬بحوث‭ ‬العلوم‭ ‬التطبيقية،‭ ‬حيث‭ ‬اتضح‭ ‬له‭ ‬ـ‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬ثلاث‭ ‬اتجاهات‭ ‬حظيت‭ ‬بالتوافق‭ ‬بين‭ ‬أغلب‭ ‬العلماء،‭ ‬وسأكتفي‭ ‬هنا‭ ‬ب‭ “‬الاتجاه‭ ‬الأول‭” ‬ويتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بمكانة‭ ‬أمريكا‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬هناك‭: “‬استمرار‭ ‬في‭ ‬تآكل‭ ‬المكانة‭ ‬الدولية‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭”‬،‭ ‬ويقدم‭ ‬أبرز‭ ‬المؤشرات‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ (‬ويمكنكم‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬المقال‭ ‬لكونه‭ ‬غني‭ ‬بالمعطيات‭). ‬ونكتفي‭ ‬بهذا‭ ‬القدر‭ ‬حول‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تقدمت‭ ‬وتؤكد‭ ‬السقوط‭ ‬الوشيك‭ ‬لأمريكا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬هذا‭ ‬وقبل‭ ‬نهاية‭ ‬2019‭ ‬أقر‭ ‬أغلب‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬2020‭ ‬ستكون‭ ‬هي‭ ‬الأسوأ‭ ‬في‭ ‬الألفية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وحتى‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬كان‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭. ‬فالركود‭ ‬هو‭ ‬السمة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬عبرت‭ ‬عنها‭ ‬جل‭ ‬الأبحاث‭ ‬والإحصائيات،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الركود‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الكساد‭ ‬لمدة‭ ‬طويلة،‭ ‬وحسب‭ ‬إحصائيات‭ “‬جوجل‭” ‬فإن‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬كلمة‭ ‬الأزمة‭ ‬تضاعفت‭ ‬بخمس‭ ‬مرات‭ ‬عن‭ ‬2018،‭ ‬وحسب‭ ‬مركز‭”‬بيو‭” ‬لاستطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬فإن‭ ‬50‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬ستضرب‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬وأن‭ ‬20‭ ‬بالمائة‭ ‬منهم‭ ‬يحتاطون‭ ‬من‭ ‬الأمر،‭ ‬وقد‭ ‬قاموا‭ ‬بسحب‭ ‬كل‭ ‬أموالهم،‭ ‬واكتنزوها‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬البنوك،‭ ‬أما‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬فهو‭ ‬يحذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬مقبل‭ ‬على‭ ‬ركود‭ ‬عميق،‭ ‬ويرى‭ ‬أن‭ ‬حوالي‭ ‬90‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬ستشهد‭ ‬تراجعات‭ ‬في‭ ‬النمو،‭ ‬ويتوقع‭ ‬أن‭ ‬ينمو‭ ‬ب‭ ‬3‭ ‬بالمائة،‭ ‬وهو‭ ‬أقل‭ ‬نسبة‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬2008‭. ‬وهناك‭ ‬أسباب‭ ‬أخرى‭ ‬لها‭ ‬وزن‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الركود‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬متوقعا‭ ‬قبل‭ ‬كورونا؛‭ ‬فالحرب‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬والصين‭ ‬عامل‭ ‬أساسي‭ ‬له‭ ‬وزنه،‭ ‬فاقتصاد‭ ‬البلدين‭ ‬يمثل‭ ‬حوالي‭ ‬40‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬العالمي،‭ ‬وأي‭ ‬تباطؤ‭ ‬في‭ ‬اقتصادهما‭ ‬سيجر‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬الويلات،‭ ‬وخروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬عامل‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬تشكل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة؛‭ ‬لأن‭ ‬اقتصادها‭ ‬يمثل‭ ‬حوالي‭ ‬2‭.‬8‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬مما‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬تأثير‭ ‬على‭ ‬كتلة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬أما‭ ‬المديونية‭ ‬فهي‭ ‬مجرد‭ ‬بالونات‭ ‬قابلة‭ ‬للفرقعة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭. ‬فالعالم‭ ‬مديون‭ ‬بالكامل‭ ‬حسب‭ ‬المعهد‭ ‬الدولي‭ ‬للتموين‭ ‬التابع‭ ‬للبنك‭ ‬الدولي‭ ‬ويرى‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬الديون‭ ‬حوالي‭ ‬244‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬2018‭ ‬هذا‭ ‬يضاعف‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭ ‬العالمي‭ ‬لثلاث‭ ‬مرات،‭ ‬ونصيب‭ ‬الحكومات‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الديون‭ ‬هو‭ ‬65‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬والأفراد‭ ‬حوالي‭ ‬46‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬والشركات‭ ‬بجميع‭ ‬أنواعها‭ ‬130‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭. ‬وهذا‭ ‬بوسعه‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬بالبنوك‭ ‬إلى‭ ‬الإفلاس،‭ ‬وأمام‭ ‬أعيننا‭ ‬نموذج‭ ‬2008‭.‬

إلى‭ ‬هنا‭ ‬قد‭ ‬أوضحنا‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬بسيط‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قائما‭ ‬قبل‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬الذي‭ ‬زاد‭ ‬هذا‭ ‬المناخ‭ ‬تأزما‭ ‬جراء‭ ‬ما‭ ‬ترتب‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬ضرر‭ ‬على‭ ‬القطاعات‭ ‬الصحية‭ ‬وعلى‭ ‬غفلة‭ ‬من‭ ‬انتباه‭ ‬العالم‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬كل‭ ‬التوقعات‭ ‬تتعمق‭ ‬بشكل‭ ‬رهيب،‭ ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينتظر‭ ‬فيه‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬وأغلب‭ ‬دارسي‭ ‬المستقبل‭ ‬ظهور‭ ‬بؤر‭ ‬اقتصادية،‭ ‬ظهرت‭ ‬أمامهم‭ ‬أزمة‭ ‬إضافية‭ ‬فيما‭ ‬أصبح‭ ‬يعرف‭ ‬اليوم‭ ‬بفيروس‭ ‬كورونا‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬2019‭ ‬وبداية‭ ‬ 2020‭ ‬تحديدا‭ ‬في‭ ‬وهان‭ ‬الصينية،‭ ‬فكان‭ ‬تعاطي‭ ‬العالم‭ ‬مع‭ ‬الخبر‭ ‬كلٌ‭ ‬حسب‭ ‬ثقافته‭ ‬وواقعه،‭ ‬الغرب‭ ‬مثلا‭ ‬تنصل‭ ‬لعلاقته‭ ‬بالصين‭ ‬وفرّ‭ ‬المستثمرون‭ ‬التابعون‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬فقد‭ ‬ظلت‭ ‬تشمت‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬لحق‭ ‬بالصين،‭ ‬بدعوى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬قمع‭ ‬مسلمي‭ “‬الإيغور‭”. ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا‭ ‬ومهرجها‭ ‬ترامب‭ ‬فقد‭ ‬سخر‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬البدايات‭ ‬الأولى‭ ‬لظهور‭ ‬الوباء،‭ ‬ولم‭ ‬يتوقع‭ ‬حجم‭ ‬الكارثة‭ ‬لسذاجة‭ ‬تفكيره‭ ‬الفاشي،‭ ‬وبعد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬كانت‭ ‬أورويا‭ ‬قد‭ ‬شربت‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الكأس،‭ ‬وأصبحت‭ ‬إيطاليا‭ ‬أولى‭ ‬البؤر‭ ‬بعد‭ ‬الصين،‭ ‬وحتى‭ ‬باقي‭ ‬بلدان‭ ‬أوروبا‭ ‬لم‭ ‬تتعاطى‭ ‬مع‭ ‬الأمر‭ ‬بجدية‭ (‬باستثناء‭ ‬اليونان‭ ‬الجارة‭ ‬الإيطالية‭)‬،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬الأرقام‭ ‬تزداد‭ ‬بشكل‭ ‬مرعب،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬لأمريكا‭ ‬إلا‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬الأزمة‭ ‬بدون‭ ‬إرادة‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭. ‬
يتبع

عن الكاتب

سفيان جناتي

سفيان جناتي

مناضل يساري

الحركات الاجتماعية

8 مارس اي عيد والنساء تباد وتهمش.

8 مارس اي عيد والنساء تباد وتهمش.

ان الثامن من مارس ليس عيدا، بل صرخة مكبوتة تنبعث من اعماق الهامش حيث يئن الجسد النسائي تحت وطأة الاستغلال والنسيان، كيف يمكن ان نسميه عيدا والنساء يذبحن في افريقيا تحت سيوف الفقر والحروب، وفي ايران تحت قصف الطائرات الصهيوامريكية، وفي فلسطين حيث تتحول الامهات الى شهيدات يحملن اجساد ابنائهن الممزقة في احضانهن، وكيف يمكن للورود والخطب ان تغطي على دماء النساء في المخيمات والمستشفيات المدمرة والشوارع المليئة بالحطام. اي عيد هذا ونساء الجبال في المغرب، خاصة اعالي وزان وتاونات وشفشاون، ما زلن عالقات في كهوف التهميش، بعيدات عن كل ما يسمى حضارة، يقطعن مسالك الوعر باحمال الخشب والماء والاطفال على ظهورهن المنحنية، في قرى لا تصلها سوى رياح الشتاء القارسة والمطر الغزير الذي يحول الجدران الطينية الى انقاض، فتغرق البيوت وتجرف الحياة، وتترك النساء ينقذن ما تبقى من متاع بيدين مجروحتين وقلب ينزف دما ودموعا.
اي عيد ونحن نشهد في وزان كيف يهاجم الفيضان، ويغمر الوادي ويغسل الارض الخصبة والمساكن الهشة، وتغدو النساء اول الضحايا، يفقدن المحاصيل والمواشي والامان، يقفن في الوحل يجمعن شظايا حياة انهارت مع السيول، ثم يعودن الى بناء الجدران المتشققة بلا دعم حقيقي، بينما الدولة ترسل التقارير والوعود والمساعدات الوهمية التي لا تصل الا الى الصور الاعلامية، وفي تاونات نفس المشهد يتكرر، حيث يجرف الوادي بيوت الفقراء ويترك النساء يواجهن الشتاء بلا سقف، ويعانين من تشققات الارض التي تبتلع طرقاتهن وتحول كل خطوة الى مخاطرة مميتة، قرى معزولة لا يصلها طبيب ولا مدرسة ولا حتى جريدة تخبر عن معاناتهن، بل فقط انباء الفيضانات حين تموت ويصبحن ارقاما في نشرات الطوارئ.
وفي شفشاون، المدينة الزرقاء التي تخفي تحت جمالها السياحي جروح النساء في الجبال المحيطة، يصبح المطر الغزير او الجفاف سبب تعميق وضعهم فتغدو النساء في المنعزلات يقاتلن للبقاء، يعتنين بالمرضى بلا ادوية احيانا ، ويبنين من جديد بما تبقى من قوة في اجسادهن المنهكة، تهميش يتفاقم مع كل عاصفة، حيث لا يصل الى هناك سوى صمت السلطات والمساعدات المتأخرة، وتصبح النساء حارسات للحياة في عالم ينساهن حتى في الايام العادية، فكيف في كارثة.
اي عيد ونحن نرى العاملات في سي كوميك بمكناس، واقفات في الشوارع منذ شهور وسنوات ، يطالبن باجورهن المستحقة وحقهن في عمل امن، يواجهن ابواب المصنع المغلقة والوضع الصعب ، نساء حولن الاستغلال الى نضال يومي، يحملن لافتات مكتوب عليها كلمات الخبز والكرامة، ومعهن عاملات نماطيكس ونيكا سارل في طنجة، ينزلن الى الشارع تحت الشمس الحارقة والمطر البارد، يعرضن اجسادهن للاستنزاف والمرض والقمع، فلا يجدون تضامنا حقيقيا من نقابات خارت قواها، ولا من احزاب مشغولة بحساباتها الانتخابية، بل يتعرضن للطرد والابتزاز والتشهير كخائنات للوطنية.
اي عيد ونساء فكيك ينزلن الى الشارع للدفاع عن الماء والارض، عن حق بسيط في الثروة الطبيعية التي ورثنها الاجيال، يواجهن الخصخصة والشركات الجشعة بمسيرات حافية العناد، وفي خنيفرة والرشيدية والحوز يحملن الحطب والاطفال والهموم على الظهر نفسه، بلا طرق مواصلات ولا كهرباء ولا صحة، فقط وعود تذوب مع الشمس، نساء يصبحن رمزا للصمود لكنهن في الواقع ضحايا نظام يبني المدن على حساب الريف.
اي عيد والاغتصاب يلتهم الطفولة، فتيات صغيرات يتحولن الى ضحايا في احياء مهملة، ملفات تغلق بتنازلات قسرية واحكام مخففة، مجتمع يحمي الجاني ويطالب الضحية بالصمت حفاظا على الشرف الوهمي، وفتيات في بداية العمر في جبال الشمال والجنوب يقررن ركوب قوارب الموت من الاحياء الهامشية، يتركن الفقر والذكورية خلفهن ويواجهن البحر المتوحش، يغرقن في المتوسط او يصلن الى ضفاف الاستغلال الجديد، خيار بين القبر البطيء في القرية او المجهول القاتل.
كيف يكون العيد ونساء هذا البلد يعانين سلطة بنية ذكورية متجذرة في كل زاوية، في البيت حيث يصبحن خادمات مجانيات، في العمل حيث يستنزفن بلا حقوق، في الشارع حيث يحاسبن على خطواتهن، وفي القانون حيث يعاملن كمواضيع لا فاعلات، والاعتراف بمعاناتهن ما زال كلمات جوفاء، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية مجرد شعارات في تقارير دولية تحتفل بها في المدن بينما الهامش يئن في صمت.
لهذا كله يتحول الثامن من مارس الى محطة وجع لا احتفال، لحظة للتذكير بان نسوية حقيقية تنبت في الهامش بعيدا عن النسوية الليبرالية اللامعة في المركز، نسوية تتجسد في طوابير سي كوميك ومسيرات فكيك وصمود نساء الجبال في وزان وتاونات وشفشاون، نساء يربطن الجسد المتعب بالارض المنهوبة والاجور المسروقة والحدود القاتلة، لا يطلبن الزهور بل الخبز والماء والكرامة والطرق والمدارس والمستشفيات، نسوية تقول ببساطة ان العيد لن يأتي ما دام الهامش في هذا المأسى، وان الثامن من مارس يوم معركة لا ترف، يوم يجب ان يصبح صرخة جماعية لاعادة توزيع الثروة والعدالة لا مجرد احتفال نخبوي يغطي على الجرح الكبير.
هكذا يصبح 8 مارس ليس عيدا بل وقفة للتذكير بوجود نسوية هامشية متمردة تختلف جذريا عن النسوية البرجوازية الليبرالية التي تحتفل في المراكز الحضرية بينما النساء الحقيقيات في الهوامش يصنعن تاريخهن بكفاحهن اليومي فتجربة سي كوميك ونماطيكس ونيكا سارل ليست حالات معزولة بل نموذج للنسوية الطبقية التي تربط الحقوق بالتوزيع العادل للثروة وتناضل ضد الهيمنة الراسمالية التي تستغل اجسادهن كالات وتسرق عمرهن كوقود للربح وفي جبالة بعد الفيضانات ازدادت المعاناة لكن النساء هناك يقاومن بصمود يفوق الوصف يعيدن بناء القرى بأيديهن ويواجهن الانهيارات الجديدة ويطالبن بحقوقهن في وجه الإهمال الحكومي الذي يفضل المشاريع الكبرى على حساب الهوامش فالنسوية الحقيقية تنبثق من هذه الجبال وهذه المصانع لا من المؤتمرات والندوات حيث تختزل المراة الى قضية رمزية بينما هي في الواقع قوة منتجة مستغلة في قلب النظام الراسمالي وعليه يجب ان يكون 8 مارس يوما للتضامن الطبقي لا للاحتفال الاستهلاكي يوما يجمع فيه اليسار الحقيقي صفوف النساء العاملات والمزارعات والمهمشات لبناء جبهة مشتركة ضد الاستغلال الذكوري والراسمالي والامبريالي الذي يبقي النساء في الهامش ليبقى العالم كما هو فالتغير الحقيقي يبدأ من جبالة ومن شوارع طنجة ومكناس حيث تصرخ النساء لا عيد لنا حتى تتحرر كرامتنا وثروتنا واجسادنا وان كان الطريق طويلا والثمن باهظا فإن صوت هذه النسوية الهامشية هو الذي سيعيد تشكيل الفضاء العام ويحرّر المراة من قيود الوهم الاحتفالي الى واقع النضال الفعلي.

عن الكاتب

سفيان جناتي

سفيان جناتي

مناضل يساري

الأخبار

معركة الوعي في الزمن الخوارزمي

معركة الوعي في الزمن الخوارزمي

اذا كان الاستعمار الكلاسيكي قد قام على اخضاع الجسد، فان الامبريالية الرقمية المعاصرة تقوم على اخضاع الوعي. لقد انتقلت معركة السيطرة من ميدان الجغرافيا الى ميدان الادراك، من السيطرة على الموارد الى السيطرة على المخيلة والرغبة.
ففي عصر الراديو والصحافة، كانت وسائل الاعلام ادوات للتاثير والاقناع. اما اليوم، فقد تحولت الى ادوات برمجة للوعي الاجتماعي، تضبط انماط السلوك والتفكير وحتى ردود الفعل العاطفية.
منشور على فيسبوك، او صورة على انستغرام، قادرة على احداث اثر سياسي وجماهيري اكبر مما كانت تفعله جريدة او خطبة سياسية قبل عقود.


لقد توسعت اجهزة الهيمنة الايديولوجية التي تحدث عنها لوي التوسير لتشمل هذه المنصات الرقمية التي تمارس دور المدرسة والكنيسة والاعلام القديم جميعا، ولكن بفاعلية اكبر وادق، لانها تخاطب الفرد لا بوصفه مواطنا بل بوصفه مستهلك بيانات.
وبذلك يتحول الوعي الى ساحة انتاج رمزي تستثمر فيها الراسمالية فائض القيمة الثقافية.
^^ثانيا الراسمالية الرقمية وانتاج القبول الطوعي.
الراسمالية الجديدة لم تعد تكتفي بالتحكم في وسائل الانتاج المادي، بل صارت تمتلك كذلك وسائل انتاج المعنى. هذه الراسمالية الخوارزمية تخلق شروطا نفسية وثقافية تجعل الانسان يشارك طوعا في اعادة انتاج قهره، تماما كما شرح غرامشي في تحليله لمفهوم الهيمنة الثقافية.
الخطر في الخوارزميات ليس في تقنيتها فحسب، بل في وظيفتها الاجتماعية فهي تقوم بتغذية كل فرد بالمحتوى الذي يخدم مصالح القوى المهيمنة، وتقصي ما يناقض تلك المصالح. بهذا الشكل، تنتج الخوارزميات جدرانا شفافة حول كل فرد، فيعيش داخل فقاعة معرفية تزيف له الواقع وتمنحه وهم الاختيار الحر.
فالمستخدم حين يعبر عن رايه، ويشير، ويشارك، يظن انه فاعل، بينما يتحول فعله نفسه الى طاقة تستثمر في ترويج نظام اوسع من السيطرة.
لقد اصبح التفاعل هو الشكل الجديد للرضا، واصبحت المشاهدة مشاركة في منظومة الانتاج الرمزي للسلطة.
^^ ثالثا الفضاء الرقمي والهيمنة على المجتمعات الهشة.
الفضاء العام الذي عرفته الحداثة، والمبني على التبادل الحر للاراء، لم يعد موجودا على صورته القديمة. لقد تحول الى فضاء رقمي متشظى، تسيره الشركات، وتراقبه الحكومات، وتملأه الجيوش الالكترونية، فكل ما ينتج من راي او تعليق او صورة يمر عبر قنوات مراقبة خفية. في هذا الفضاء، تتقاطع مصالح الدولة مع مصالح راس المال العالمي، وتستخدم البيانات كسلاح، ولم تعد السلطة بحاجة الى قمع مباشر لان ادوات الرقابة اصبحت داخل الجيوب، تحصي الخطوات وتقرأ الكلمات وتحلل الميول.
وهكذا ظهرت فئة جديدة من العمال غير المرئيين؛ اولئك الذين يشتغلون داخل مكاتب مغلقة لتوجيه النقاشات، وتضخيم الاحداث، وصناعة الاتجاهات العامة، وهؤلاء هم العمال الخفيون للثقافة الجديدة، يعملون على تحويل الموقف الشعبي الى سلعة سياسية قابلة للتداول.
في المجتمعات التي تفتقر الى البنية الثقافية المتماسكة، كما في المنطقة العربية، تزداد خطورة هذا النمط من السيطرة، فحين تغيب المدرسة الناقدة وتنحل الوسائط الفكرية يصبح المجتمع عرضة للاختراق الكامل.
يرى بيير بورديو ان الطبقات الهشة لا تمتلك راسمالا ثقافيا يحميها من الهيمنة الرمزية، ولهذا يسهل تطويعها عبر الخطاب الاعلامي، ويتجسد هذا التطويع اليوم عبر المحتوى المرئي السريع الذي يعيد تشكيل الذوق العام والخيال الجمعي بما يخدم مصالح السلطة او القوى الامبريالية.
لقد اصبحت الانظمة تستثمر في ما يمكن تسميته بالخضوع الناعم، اي ذاك الذي يتحقق عبر الاقناع اللطيف والترويض العاطفي، لا عبر القمع العنيف، فالمواطن هنا لا يجبر على الطاعة بل يقنع نفسه بها باسم الامن او الترفيه او الوطنية.
ومن اخطر ما انتجته الخوارزميات الاستعمارية قدرتها على تفجير المجتمعات من الداخل، فهي لا تكتفي بتضليل الوعي الجمعي بل تزرع داخل كل جماعة احساسا زائفا بالنقاء ضد الآخر، فتحول الصراع مع الصهيونية الى صراع طائفي او مذهبي يفتت الاصطفاف الشعبي ضد العدو الحقيقي.
^^ رابعا نحو وعي نقدي في مواجهة استعمار الذات.
لم يعد الاستعمار بحاجة الى احتلال الارض، فقد صار يمتلك ما هو اعمق القدرة على صناعة السردية.
حين تحتكر قوة معينة تعريف الحدث ومعناه، فانها تتحكم في ادراك الشعوب له، ولذلك لا عجب ان تتحول كبرى الصحف والقنوات في الغرب الى ابواق تبرر قتل الفلسطينيين او غزو الشعوب الاخرى بذريعة الدفاع عن النفس، لان الاعلام هنا لا ينقل الحقيقة بل يصنعها.
هذه القدرة على صناعة الحقيقة جزء من استراتيجية قديمة للهيمنة الغربية، تتجلى اليوم في حملات منظمة على شبكات التواصل، تشوه المقاومة وتبيض جرائم الاحتلال في ثوب رقمي جديد.
وفي اللحظة نفسها يخرج الخطاب الديني من شيوخ من مهمته الاخلاقية الى وظيفة التبرير الايديولوجي، منشغلا بالتكفير والتحريض بدل مواجهة الاستبداد، فيتحول الدين من قوة تحرر الى اداة ضبط ومن مرجعية قيمية الى وسيلة انقسام اجتماعي.
في مواجهة هذا الواقع لا تكفي الشعارات، فالصراع اليوم هو صراع على امتلاك ادوات انتاج المعنى، والوعي النقدي هو السلاح الذي يمكن ان يعيد التوازن.
المقاومة هنا هي بناء اعلام بديل يخلق سرده المستقل ويعيد الوعي الى جذوره الطبقية والانسانية، وهي ايضا مقاومة تعليمية وتربوية تهدف الى خلق مواطن قادر على القراءة النقدية للمحتوى لا مجرد متلق منفعل.
يعيش الانسان المعاصر داخل شبكة كثيفة من المراقبة والتمثلات الزائفة حتى صار يراقب نفسه ويخضعها باسم التفاعل والقبول الاجتماعي. لقد نجحت الراسمالية الرقمية في تحويل ادوات التواصل الى ادوات اخضاع تمارس استبدادها عبر الحواس والرغبات، فتصبح اكثر الاشكال تقدما من الاستعمار لانها تجعل المستعمر يحب قيوده، وكل نقرة او صورة او تعليق ليست فعلا صغيرا بل اسهام في مشروع ضخم لاعادة انتاج السيطرة الرمزية على العالم.
اننا في زمن يدار فيه الوعي كبنية وتقاس فيه المشاعر كمخرجات بيانات، والمطلوب اليوم ليس فقط فضح هذا النظام بل استعادة ملكية وعينا، تحرير اللغة من الخوارزمية، واعادة القدرة للانسان على ان يكون ذاتا لا بيانا.

عن الكاتب

سفيان جناتي

سفيان جناتي

مناضل يساري

الأخبار

الإفراج عن الأمين العام للحزب الشيوعي الكيني

الإفراج عن الأمين العام للحزب الشيوعي الكيني

يشكل الإفراج عن الأمين العام للحزب الشيوعي الكيني، بوكر أومولي، ورفاقه مقابل غرامة مالية محطة جديدة في مسار الصراع الاجتماعي والسياسي الذي تخوضه الحركة الشيوعية في كينيا ضد السلطة وطغيان رأس المال.
فالقضية لا تتعلق بمجرد اعتقال سياسي عابر، بقدر ما تكشف عن عمق التوتر بين نظام سياسي يزداد تبعية للمؤسسات المالية الإمبريالية، وحركة يسارية ناشئة تسعى إلى استعادة موقع الطبقة العاملة في الفعل السياسي والاجتماعي.
كلمات أومولي بعد الإفراج عنه «هذا ليس عدلا، بل عقاب بالفقر» تلخص جوهر الصراع.
فالدولة التي فشلت في إسكات الأصوات المطالبة بالعدالة الاجتماعية اختارت أن ترهق المناضلين بالوسائل الاقتصادية، محولة القضاء إلى أداة استنزاف، والعقوبة إلى شكل حديث من القمع الطبقي.
ومع ذلك، يبرهن مشهد أومولي في زنزانته وهو يحول السجن إلى مدرسة للثورة على أن الفكر الماركسي في كينيا ما زال حيا ومتجذرا، قادرا على تحويل الألم إلى وعي، والقيد إلى منبر.
الحزب الشيوعي الكيني، على صغر حجمه، يمثل امتدادا لتاريخ طويل من النضال اليساري في شرق إفريقيا، منذ نواة الوعي الطبقي التي تشكلت إبان الحقبة الاستعمارية وحتى اليوم.
نشأ الحزب في ظل هيمنة ليبرالية مفرطة رعتها حكومات ما بعد الاستقلال، لكنه وجد موطئ قدم بين الطلبة والعمال والمزارعين المهمشين في ضواحي نيروبي ومومباسا.
تركز نشاطه على نقد الخصخصة الممنهجة، ومناهضة هيمنة الشركات الغربية والصينية، والمطالبة بسيادة وطنية حقيقية على الموارد.
إن اعتقال أومولي ورفاقه – ومن قبلهم عدد من الناشطين الماركسيين – يعبر عن خوف السلطة من التحام الفكر بالشارع، ومن أن تتحول الماركسية إلى لغة احتجاج جماعي تتجاوز حدود الجامعات والندوات.
فالمعركة في جوهرها هي معركة على الوعي: وعي الجماهير بقدرتها على التنظيم والمطالبة بحقوقها، ووعي الطبقة الحاكمة بأن سيطرتها ليست قدرا محتوما.بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى القضية بمعزل عن المشهد الإفريقي العام، حيث تعود الحركات اليسارية إلى الواجهة في مواجهة سياسات التقشف والإفقار النيوليبرالي. وكما قال أحد أنصار أومولي: إنهم يستطيعون كسر العظام، لكنهم لا يستطيعون أن يوقفوا الفكرة.

عن الكاتب

سفيان جناتي

سفيان جناتي

مناضل يساري

حوارات ونقاشات

المناطق الجبلية بين الكوارث الطبيعية والاقصاء من التعويضات

المناطق الجبلية بين الكوارث الطبيعية والاقصاء من التعويضات

عاش المغرب خلال الشهرين الماضيين أوضاعا طبيعية استثنائية لم يشهدها منذ عقود، حيث اجتاحت فيضانات عارمة وسيول جارفة مناطق واسعة من الشمال، مخلفة خسائر بشرية ومادية جسيمة، وعازلة عشرات الدواوير والمناطق القروية عن العالم الخارجي. وبينما اجتاحت المياه المدن والأحياء وقطعت الطرق وهدمت الجسور، كانت الجبال والبوادي تدفع الثمن الأفدح في صمت، وسط سؤال يتردد بإلحاح لماذا يتم إقصاء المناطق الأكثر تضررا من قوائم التعويض، وعلى رأسها إقليم تاونات و وزان وشفشاون ودواوير القصر والحسيمة ؟
في هذه المقالة سنركز على تاونات في افق انجاز تغطية باقي المناطق المذكورة.
منذ أواخر يناير 2026، شهدت جهة طنجة تطوان الحسيمة والمناطق المجاورة تساقطات مطرية قياسية تجاوزت في بعض الأماكن 600 ملم خلال أسابيع قليلة، بعد سنوات من الجفاف، حيث حولت الأمطار الطوفانية الأودية إلى أنهار هادرة، وغمرت المدن والقرى، وتسببت في نزوح عشرات الآلاف من سكان الشمال، خاصة من مدينة القصر الكبير والقرى المحيطة بها، اذ تحولت أحياء بأكملها إلى بحيرات مائية وتعرضت مناطق فلاحية شاسعة لخسائر كبيرة في المحاصيل والماشية.
غير أن الصورة الأكثر قسوة تجسدت في إقليم تاونات، الذي يمكن اعتباره الإقليم المقصي بامتياز، رغم أن الكارثة فيه اتخذت أبعادا إنسانية واجتماعية وبيئية مركبة.
التقارير الميدانية وثقت انهيار عشرات المنازل الطينية والإسمنتية، وتهديد مئات أخرى بالسقوط، خاصة في أحياء مدينة تاونات مثل أولاد عبو، السلام، لعمور، الدومية، وحي أحجر دريان الذي شهد انهيار منزلين متلاصقين خلال أقل من أسبوع، رغم كونهما مبنيين بالإسمنت.
وفي دوار تازغادرة بجماعة البيبان، سقط ضحيتان تحت أنقاض منزل متهالك، بينما نزحت أسر أخرى بسبب التشققات الكبيرة وتهديد الانهيار.
الأرقام الرسمية المعلنة من اللجنة الإقليمية لليقظة في تاونات تحدثت عن مئات التدخلات تجاوزت 1500 عملية، همت إغاثة الأسر المهددة، وإيواء حوالي 230 أسرة في مراكز بديلة أو خيام أو لدى الأقارب والجيران.
إلا أن هذه الأرقام، وفق تقارير محلية، لا تعكس حجم الكارثة الحقيقي في الجبال، حيث تتحدث معطيات ميدانية عن أكثر من 25 منطقة متضررة بشكل كبير داخل الإقليم، تضم أزيد من 17 دوارا قرويا وبعض دواوير قرية با محمد و8 أحياء حضرية عفساي واد مديونة.
كما سجلت عزلة شبه كاملة لدائرة تيسة التي يقطنها أكثر من 15 ألف نسمة، بسبب انهيار الطرق والقناطر وانجراف التربة، فضلا عن غمر منازل بالكامل وضياع أثاث ونفوق ماشية ودواجن بالجملة ومحاصل الزيتون بنسبة 80فالمية حسب سكان المنطقة.
إلى جانب ذلك، تضررت محاور طرقية حيوية، من بينها مقاطع من الطريق الوطنية رقم 8، ما فاقم من صعوبة وصول الإسعاف والتموين وعمق عزلة السكان.
وفي عدد من الجماعات القروية، وجد المواطنون أنفسهم محاصرين بين الانهيارات الأرضية وارتفاع منسوب الأودية، في ظل هشاشة البنيات التحتية وضعف التجهيزات الوقائية، رغم أن المنطقة مصنفة منذ سنوات ضمن الأقاليم المهددة بالكوارث الطبيعية.
الصورة في القصر الكبير والقرى المحيطة بها، ووزان وتازة والحسيمة، لا تقل قسوة، لكنها تختلف في مستوى الحضور الإعلامي والتعاطي الرسمي.
فقد عاشت القصر الكبير أياما سوداء مع تحول عدة أحياء إلى بحيرات مائية، ما أدى إلى إجلاء آلاف السكان نحو مخيمات إيواء مؤقتة. كما تكبدت المناطق الفلاحية المحيطة خسائر فادحة في المحاصيل والماشية، خصوصا في سهول اللوكوس والغرب ومناطق جبالة. وتم تخصيص اعتمادات مالية لدعم الفلاحين المتضررين، غير أن جزءا من القرى الجبلية والبوادي ظل في وضع أكثر هشاشة وإقصاء من حيث المواكبة والتعويض.
في تازة، أدت الأمطار الطوفانية في جماعات واد أمليل وغياثة الغربية وأولاد تاونزة وأولاد عبد الله لمكارك وغيرها إلى خسائر فادحة في صفوف صغار المزارعين، وتضرر منازل وانقطاع حركة السير وعزلة مناطق بكاملها. وفي وزان والحسيمة، تكررت صور انهيار المنازل وتشققها، وقطع الطرق وعزل الدواوير الجبلية، دون أن تحظى هذه الوقائع بنفس مستوى المتابعة الرسمية والإعلامية الذي حظيت به بعض المناطق الأخرى.
ورغم هذا الحجم الكبير من الخسائر في تاونات وباقي الأقاليم الجبلية، فوجئ سكان هذه المناطق باستثنائها من لائحة "المناطق المنكوبة" التي تتيح تفعيل صندوق الكوارث الطبيعية ومنح التعويضات للمتضررين.
هذا الاستثناء أثار موجة استنكار واسعة، خاصة أن القانون المنظم لصندوق الكوارث الطبيعية يمنح لكل متضرر من كارثة طبيعية حقا في التعويض عن فقدان المسكن وإعادة البناء، لكن ذلك يبقى مشروطا بصدور قرار رسمي بإعلان المنطقة "منكوبة". وهنا مكمن الإشكال فإلى حدود اليوم، لم يصدر قرار مماثل يشمل تاونات وشفشاون وتازة ووزان والحسيمة، رغم أن الأضرار فيها كبيرة وموثقة.
تبريرات رسمية تحدثت عن "اعتبارات تقنية وقانونية" مرتبطة بطريقة تفعيل مرسوم إعلان المناطق المنكوبة، دون تقديم معايير واضحة وشفافة لاحتساب حجم الضرر وتحديد حدود الأقاليم المعنية وحسب تصريح وزير التجهيز والماء نزار بركة ان عدم ادراج هذه المنطقة راجع بالاساس الى ماهو تقني بحيث لم تسجل المنطقة العدد المحدد من ساعات تساقطات المطرية وهذا ما يطرح سؤال هل نحن امام تدبير للازمة يراعي فيها الراسمال البشري اي الانسان ام اننا امام تدبير تقني يعتمد على باراميتر المطر ويقيس من خلاله حجم الكارثة والنكبة دون النظر الى واقع الحال واوضاع الساكنة وهل هكذا تدار الازمات ضمن ما يسمى( بالدولة الاجتماعية ). هذا الغموض زاد من شعور سكان الجبل بأنهم يؤدون ثمن الهشاشة والتهميش مرتين، مرة حين تضربهم الكارثة في غياب بنية تحتية قوية وخدمات أساسية لائقة، ومرة ثانية حين يجري استثناؤهم من التعويض والإنصاف بعد وقوع الكارثة.
في هذا السياق، برزت مبادرات شعبية ولجان محلية تحاول سد الفراغ ورصد الحقيقة:
في تاونات، سارع فاعلون محليون وأبناء الإقليم إلى تأسيس لجان لمتابعة الكارثة والوقوف على حجم الأضرار بالدواوير والقرى، من خلال إعداد تقارير مفصلة تتضمن أسماء الدواوير المعزولة والمتضررة، وعدد المنازل المنهارة والمتشققة، والطرق المقطوعة والقناطر المنهارة، والخسائر الفلاحية والحيوانية، وعدد الأسر المشردة والمهددة. هذه التقارير تهدف إلى الضغط من أجل الاعتراف الرسمي بحجم الكارثة وتمكين المتضررين من حقوقهم القانونية في التعويض والمواكبة، مع المطالبة بمساءلة الجهات المسؤولة عن تدبير الأزمة.
في المقابل، تتحدث مصادر محلية عن صعوبات في وصول بعض مساعدات المجتمع المدني إلى المتضررين، وإجراءات غير مفهومة في المنع، ما يطرح أسئلة ملحة حول طريقة تدبير الإغاثة ومعايير توزيع الدعم، ومن يقرر الأولويات في ظل محدودية الإمكانيات وغياب رؤية مندمجة لتنمية الجبل وحمايته من الكوارث المتكررة.
هذا الوضع يعيد إلى الواجهة سؤال "الهامش والمركز" في السياسات العمومية، إلى أي حد يتم إشراك سكان الجبال والقرى في وضع الأولويات، وكيف يتم تمثيلهم حين يتعلق الأمر بتوزيع موارد الصناديق العمومية وبرامج إعادة الإعمار؟ما حدث في تاونات خلال هذه الفيضانات يتجاوز كونه حدثا طبيعيا عابرا، ليطرح سؤال العدالة المجالية والاجتماعية في التعامل مع الكوارث.
فحين تتضرر مناطق معينة، تتحرك الدولة بسرعة وتفعل اليات التعويض والصناديق الخاصة، بينما حين يتعلق الأمر بأقاليم جبلية مصنفة أصلا ضمن مناطق الهشاشة التاريخية، يكون الحضور أضعف والاعتراف أقل.
سكان تاونات اليوم لا يطالبون فقط بإعادة بناء البيوت المتصدعة والمنهارة، بل يطالبون قبل ذلك بالاعتراف الرسمي بأن ما عاشوه كارثة حقيقية تستوجب ردا سياسيا ومؤسساتيا في مستوى حجم الألم والخسارة.
إن ما جرى في تاونات وباقي الأقاليم الجبلية المتضررة يختزل معادلة قاسية، الهامش يدفع الثمن مرتين، مرة لأنه مهمش قبل الكارثة، ومرة أخرى لأنه مقصي بعدها. وبين الفيضانات التي تجرف التربة وتكشف هشاشة البنية التحتية، والقرارات التي تستثني مناطق بأكملها من لوائح التعويض، تتكرس قناعة لدى سكان الجبل بأن عليهم الاعتماد على تضامنهم الذاتي ولجانهم المحلية، في انتظار أن تعيد السياسات العمومية الاعتبار لهذا "الجبل المنسي" وتضعه في قلب معادلة التنمية والإنصاف، لا في هامشها.
المصادر المستند إليها في إعداد هذا التقرير:
الجزيرة نت، يورونيوز، أنفاس بريس، فاس نيوز، مدار 21، الحدث تيفي، مغرب تايمز، موقع تاونات نت، جريدة العاصمة، الأسبوع الصحفي، المنصات الرسمية الحكومية المتعلقة بصندوق الكوارث الطبيعية والتصريحات الوزارية، وتقارير محلية وبيانات صادرة عن فاعلين مدنيين من إقليم تاونات والمناطق المتضررة الأخرى مثل اللجنة

عن الكاتب

سفيان جناتي

سفيان جناتي

مناضل يساري

الحركات الاجتماعية

ذكرى وتذكير

ذكرى وتذكير

في ذكرى الشهيد نذكر تضحيات الرفاق الخالدين وندعو الى فعل يحيي دربهم اليوم، يتجدد في أعماقنا ذكرى اغتيال الشهيد محمد بن عيسى ايت الجيد، في جو لا يختلف عن سابقه، جو يغلب فيه العواطف والمشاعر السائدة على التفكر العقلاني الجاد والبحث عن مخارج حقيقية للمشروع الثوري الذي ضحى من أجله هذا الرفيق الشهيد ورفاقه من شهداء شعبنا المغربي العظيم.
ان تضحياتهم الجسيمة، تلك التي سالت دماؤها في ساحات النضال وأعماق الزنازن، لم تكن لمجرد تخليد ذكراهم بإعلانات حداد رسمية عابرة أو تعاطف زائف أو تلك التعبيرات العاطفية الشكلية التي تغطي على الفراغ السياسي والعجز عن الفعل الملموس.


هذه التضحيات كانت صرخة حية تدعو الى عمل مستمر ومنهجي، لا الى وقفات رثائية تنتهي بسرعة وتذوب في الهواء دون أثر، فهي دعوة لتحويل الدم المسفوك الى وقود لثورة شاملة تبني الغد.
نعم، يجب ان نشهر بحياتهم ونعرف الشعب بتضحياتهم الخالدة، ونطالب بكشف الحقيقة امام الجماهير المغربية بكل صراحة وشجاعة، حقيقة اغتيالهم واغتيال شهداء شعبنا، تلك القائمة الطويلة التي تطول يوما بعد يوم، من أعماق الزنازن المظلمة الى ساحات النضال المشرقة، مرورا بسجون الاستبداد وميادين الكرامة.
غير ان الاهم بكثير، والأكثر إلحاحا، هو جعل هذه التضحيات حية وفعالة، عبرة وعمل مباشر يتجاوز الذكريات السطحية، باتباع خطاهم بدقة وإخلاص، صيانة دمائهم بإصرار لا يلين، والسير على دربهم من خلال تطوير المشروع الثوري الشامل الذي يرتبط يوميا بالجماهير الشعبية في كل ميدان وكل حي، للوصول الى تغيير جذري يحقق مجتمع العدالة والكرامة حيث يعيش الجميع حر دون ظلم أو استغلال أو تبعية.
وفي هذه الذكرى، نتذكر شهيد القاعديين التقدميين وشعبنا المغربي المناضل، ونجد فيها مناسبة ذهبية لتوجيه و تذكير الى رفيقنا الماركسيين الراديكاليين في وطننا وخارجه.
ان شهداءنا ومعتقلينا جعلوا من ذواتهم شموعا تضيء طريق المضطهدين في كل مكان وزمان، تضحياتهم لم تكن للتخليد الشكلي فحسب، بل للعيش من اجل التغيير الفعلي الملموس؛ فقد ضحوا بانفسهم وحقهم في العيش الكريم، ليصبح المسير نحو الحرية والعدالة مجسدا في كل خطوة جماهيرية، في كل نضال يومي يبني الغد الأفضل ويفتح أبواب المستقبل. فلنحول هذه الذكرى الى وقفة عمل حقيقية، لا الى مجرد كلمات تذوب في الهواء أو شعارات تتردد دون فعل.
ان هذه المرحلة الحساسة من تاريخ المنطقة، في ظل التحولات العالمية المتسارعة والفراغ السياسي المحلي الذي يهدد بمزيد من الهيمنة والتخلف، تستدعي ضرورة التوقف الجاد والتفكر العميق مع الرفاق الراديكاليين في مستقبل موحد. اليوم أكثر من أي وقت مضى، نحتاج الى نقاش جماعي يعيد صياغة المشروع الثوري ليتناسب مع التحديات الجديدة، الاستبداد المتغلغل، الاستغلال الرأسمالي المتوحش، التفاوت الاجتماعي الهائل. يجب ان نجتمع في دواويرنا ومدننا، في الورش والحقول والجامعات، لنرسم خطة عملية تربط بين تراث الشهداء ومتطلبات اللحظة، خطة تعيد الثقة الى الجماهير، توحد الصفوف، وتحول الغضب الشعبي الى قوة منظمة قادرة على دفع حركة التاريخ الى الامام.
في هذه الذكرى، لا نريد مجرد تكريم شكلي، بل تجديد عهد مع دماء الشهداء.
نريد ان تكون تضحيات ايت الجيد ورفاقه بوصلة توجهنا نحو التغير الحقيقي، تلك التي لا تقف عند حدود الذكريات بل تمتد الى بناء مجتمع يضمن العدالة لكل مغربي. فليكن هذا اليوم بداية لمرحلة جديدة من النضال المنظم، حيث يصبح كل رفيق صوتا للشهداء، وكل خطوة فعلا يحيي إرثهم.
صيانة التضحيات وحفظ الذاكرة جزء من صيانة التراكم.

عن الكاتب

سفيان جناتي

سفيان جناتي

مناضل يساري