في زمن تلوح مقدمات الإنكسار الكبير ، والانهيارات الجماعية التي نشهد بدايتها من بيروت إلى بغداد، ومن دمشق إلى غزة، لم يعد مقبولا أن نمارس النقد السياسي والفكري بارتعاش اليد أو بتلعثم اللسان. لقد آن الأوان لنعلن، كما فعل مهدي عامل في مستهل كتابه في الدولة الطائفية عام 1986، أن لا حدث فوق النقد، ولا خطاب محصن من التفكيك، وأن إسقاط الحصانة عن النص و الخطاب هو الخطوة الأولى نحو إعادة بناء الوعي الذي يليق بقضية كالقضية الفلسطينية.
نعم، لا بد من تجاوز عقدة القدسية، التي طالما أحاطت بأفعال سياسية وممارسات حزبية خصوصا حين يتعلق الامر بقوى تتبنى خطاب المقاومة ، و التي جعلت من النقد فعلا مشبوها، بل خيانة في أعين البعض. و اليوم، فيما تغوص المنطقة في مستنقع كارثي يتقاطع فيه الطائفي بالاستعماري، والديني بالمصلحي، تصبح الممارسة النقدية فعلا تحرريا بامتياز.
إن ما قامت به " المقاومة الإسلامية " في غزة و ما يقوم به باقي " محور المقاومة " طيلة ما يزيد على سنتين و نصف و على الرغم بكل ما فيه من تضحيات ومواجهات بطولية، لا يعفيه من القراءة النقدية. فالمقاومة، حين تتلبس خطابا عقائديا أحاديا، وتختزل في طائفة أو تنظيم، تصبح عرضة لإعادة إنتاج الطائفية لا هدمها. وهنا لا بد من طرح السؤال بصوت عالٍ: هل ما يجري هو فعل مقاوم محرر، أم فعل سياسي يستخدم لتثبيت بنية سلطوية طائفية موازية للدولة، تستند إلى خطاب مظلومية مزمن يعيد إنتاج الانقسام؟
مهدي عامل نبه مبكرا إلى أن الممارسة الإيديولوجية في مجتمعات الطوائف ليست بريئة، بل تخدم – عن وعي أو لا وعي – إعادة إنتاج النظام الطائفي، تماما كما فعلت دولة المحاصصة واليوم، بات من الضروري أن نقول بوضوح: ليست كل مقاومة مشروع تحرر وطني، وليس كل سلاح محصن من النقذ. ما لم يكن الفعل السياسي حاملا لمشروع وطني ديمقراطي وطني جامع، فإنه يظل مشوبا بنقص جوهري، مهما تغلف بخطاب النصر والصمود.
علينا أن نتحرر من ازدواجية المعايير: فالنقد لا يمارس على "الآخر" فقط، بل على "الذات" أيضا، سواء كانت المقاومة، أو المعارضة، أو الحركات الإسلامية، أو اليسارية. إذ لا معنى لأي خطاب تحرري يرفض أن يقرأ ويحلل ويسائل. فالكارثة الحقيقية ليست فقط في الهزيمة الميدانية، بل في تحصين الهزيمة من النقد. لأن ذلك سيؤبدها و يديمها.
الوضع الحالي ينبغي أن يفهم كأزمة أعمق في بنية الوعي السياسي . وهنا تحديدا، تصبح العودة إلى استكشاف إرث فكري تشكل بعد نكسة 1967، حين واجه مثقفون يساريون الهزيمة لا بالإنكار، بل بالنقد الجذري. من بين هؤلاء، برزت أعمال صادق جلال العظم في "النقد الذاتي بعد الهزيمة"*، والياس مرقص في *"عفوية النظرية في العمل الفدائي" و"المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن"، وياسين الحافظ في "اللاعقلانية في السياسة" و "الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة".
ما يجمع هذه الأعمال ليس فقط تناولها للقضية الفلسطينية، في لحظة تاريخية حرجة ، بل منهجها في التفكير: رفض إنكار الهزيمة ، و رفض إختزال القضية في معركة خاطفة مسلحة بشعارات مرتجلة، فقاموا عبر مؤلفاتهم بتفكيك الخطاب الأيديولوجي السائد حينها .و اعتبروا أن الهزيمة ليست حدثا عسكريا فقط، بل نتيجة منطقية لخلل عميق في العلاقة بين الفكر والممارسة، بين الشعارات والواقع.
اليوم، وبعد أكثر من سنتين على السابع من أكتوبر، يبدو أن لحظة تاريخية جديدة لم تنكشف بعد للكثيرين ، هذه لحظة لاستعادة القضية الفلسطينية ، و العمل على تجاوز و لو جزءًا من حالة الارتباك التي نعيشها لسنوات. فتسارع الأحداث، واتساع رقعة الصراع نحو مواجهة إقليمية مع إيران، سيعيد لا محالة إنتاج آلية قديمة: ذوبان القضية الفلسطينية داخل صراعات أكبر، تعاد صياغتها وفق منطق المحاور و منطق جيوسياسي ، لا منطق التحرر.
في لحظة تاريخية كهاته، يكون للنقد الجريء موقعه الضروري. فلتسقط القداسة و التحصين عن الفعل السياسي، ولينكشف القناع عن خطاب المظلومية المزمن. آن أوان أن نرى الأشياء كما هي، لا كما نتمنى ان تكون.
السياسة