السياسة

أما آن للنقد أن يخلع قفاز الحياء

أما آن للنقد أن يخلع قفاز الحياء

في زمن تلوح مقدمات الإنكسار الكبير ، والانهيارات الجماعية التي نشهد بدايتها من بيروت إلى بغداد، ومن دمشق إلى غزة، لم يعد مقبولا أن نمارس النقد السياسي والفكري بارتعاش اليد أو بتلعثم اللسان. لقد آن الأوان لنعلن، كما فعل مهدي عامل في مستهل كتابه في الدولة الطائفية عام 1986، أن لا حدث فوق النقد، ولا خطاب محصن من التفكيك، وأن إسقاط الحصانة عن النص و الخطاب هو الخطوة الأولى نحو إعادة بناء الوعي الذي يليق بقضية كالقضية الفلسطينية.
نعم، لا بد من تجاوز عقدة القدسية، التي طالما أحاطت بأفعال سياسية وممارسات حزبية خصوصا حين يتعلق الامر بقوى تتبنى خطاب المقاومة ، و التي جعلت من النقد فعلا مشبوها، بل خيانة في أعين البعض. و اليوم، فيما تغوص المنطقة في مستنقع كارثي يتقاطع فيه الطائفي بالاستعماري، والديني بالمصلحي، تصبح الممارسة النقدية فعلا تحرريا بامتياز.
إن ما قامت به " المقاومة الإسلامية " في غزة و ما يقوم به باقي " محور المقاومة " طيلة ما يزيد على سنتين و نصف و على الرغم بكل ما فيه من تضحيات ومواجهات بطولية، لا يعفيه من القراءة النقدية. فالمقاومة، حين تتلبس خطابا عقائديا أحاديا، وتختزل في طائفة أو تنظيم، تصبح عرضة لإعادة إنتاج الطائفية لا هدمها. وهنا لا بد من طرح السؤال بصوت عالٍ: هل ما يجري هو فعل مقاوم محرر، أم فعل سياسي يستخدم لتثبيت بنية سلطوية طائفية موازية للدولة، تستند إلى خطاب مظلومية مزمن يعيد إنتاج الانقسام؟
مهدي عامل نبه مبكرا إلى أن الممارسة الإيديولوجية في مجتمعات الطوائف ليست بريئة، بل تخدم – عن وعي أو لا وعي – إعادة إنتاج النظام الطائفي، تماما كما فعلت دولة المحاصصة واليوم، بات من الضروري أن نقول بوضوح: ليست كل مقاومة مشروع تحرر وطني، وليس كل سلاح محصن من النقذ. ما لم يكن الفعل السياسي حاملا لمشروع وطني ديمقراطي وطني جامع، فإنه يظل مشوبا بنقص جوهري، مهما تغلف بخطاب النصر والصمود.
علينا أن نتحرر من ازدواجية المعايير: فالنقد لا يمارس على "الآخر" فقط، بل على "الذات" أيضا، سواء كانت المقاومة، أو المعارضة، أو الحركات الإسلامية، أو اليسارية. إذ لا معنى لأي خطاب تحرري يرفض أن يقرأ ويحلل ويسائل. فالكارثة الحقيقية ليست فقط في الهزيمة الميدانية، بل في تحصين الهزيمة من النقد. لأن ذلك سيؤبدها و يديمها.
الوضع الحالي ينبغي أن يفهم كأزمة أعمق في بنية الوعي السياسي . وهنا تحديدا، تصبح العودة إلى استكشاف إرث فكري تشكل بعد نكسة 1967، حين واجه مثقفون يساريون الهزيمة لا بالإنكار، بل بالنقد الجذري. من بين هؤلاء، برزت أعمال صادق جلال العظم في "النقد الذاتي بعد الهزيمة"*، والياس مرقص في *"عفوية النظرية في العمل الفدائي" و"المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن"، وياسين الحافظ في "اللاعقلانية في السياسة" و "الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة".
ما يجمع هذه الأعمال ليس فقط تناولها للقضية الفلسطينية، في لحظة تاريخية حرجة ، بل منهجها في التفكير: رفض إنكار الهزيمة ، و رفض إختزال القضية في معركة خاطفة مسلحة بشعارات مرتجلة، فقاموا عبر مؤلفاتهم بتفكيك الخطاب الأيديولوجي السائد حينها .و اعتبروا أن الهزيمة ليست حدثا عسكريا فقط، بل نتيجة منطقية لخلل عميق في العلاقة بين الفكر والممارسة، بين الشعارات والواقع.
اليوم، وبعد أكثر من سنتين على السابع من أكتوبر، يبدو أن لحظة تاريخية جديدة لم تنكشف بعد للكثيرين ، هذه لحظة لاستعادة القضية الفلسطينية ، و العمل على تجاوز و لو جزءًا من حالة الارتباك التي نعيشها لسنوات. فتسارع الأحداث، واتساع رقعة الصراع نحو مواجهة إقليمية مع إيران، سيعيد لا محالة إنتاج آلية قديمة: ذوبان القضية الفلسطينية داخل صراعات أكبر، تعاد صياغتها وفق منطق المحاور و منطق جيوسياسي ، لا منطق التحرر.
في لحظة تاريخية كهاته، يكون للنقد الجريء موقعه الضروري. فلتسقط القداسة و التحصين عن الفعل السياسي، ولينكشف القناع عن خطاب المظلومية المزمن. آن أوان أن نرى الأشياء كما هي، لا كما نتمنى ان تكون.

عن الكاتب

محمد السفريوي

محمد السفريوي

مناضل يساري

الأخبار

الجامعة التي تطرد أبناءها بسهولة، تخاطر بأن تفقد رسالتها قبل أن تفقد طلبتها…

الجامعة التي تطرد أبناءها بسهولة، تخاطر بأن تفقد رسالتها قبل أن تفقد طلبتها…

قرار طرد ثمانية عشر طالبا دفعة واحدة من جامعة ابن طفيل في القنيطرة ليس مجرد إجراء تأديبي عادي، بل حدث خطير الدلالة، و يطرح سؤالا عميقا حول معنى الجامعة وحدود السلطة داخلها. فالجامعة، في كل تقاليد و اعراف التعليم العالي، ليست مؤسسة عقابية بل فضاء للمعرفة والنقاش والاختلاف. و حين تتحول إلى مؤسسة للطرد الجماعي فإن الأمر يصبح اختلالا في تصور المؤسسة الجامعية لدورها.
ما حدث داخل أسوار الجامعة بدا أقرب إلى “مجزرة أكاديمية”: ثمانية عشر طالبا وطالبة من تخصصات مختلفة ، جرى طردهم نهائيا من أسلاك الإجازة والماستر والدكتوراه. والسبب هو مشاركتهم في إضرابات طلابية دافعت عن مجانية التعليم واحتجت على الرسوم والتلاعب بتواريخ الامتحانات. أي أن العقوبة لم تكن مرتبطة بعنف جسدي أو اعتداء خطير أو غش، بل بنشاط نقابي وسياسي طلابي، وهو نشاط يعتبر جزءا من الحياة الجامعية في كل دول العالم.
مبدأ المساءلة التأديبية في الأعراف الأكاديمية تقوم على مبدأ التناسب. فالعقوبات القصوى مثل الطرد النهائي لا تستعمل إلا في حالات استثنائية: العنف الخطير، الاعتداءات الجسدية، أو شبكات الغش المنظمة. و جل الاجتهادات القضائية الأوروبية تعتبر الطرد النهائي عقوبة غير متناسبة ، وتلجأ إلى عقوبات محدودة زمنيا.
لهذا يبدو القرار الذي اتخذته إدارة الجامعة خرق خطير للأعراف الجامعية و لا يمكن تبريره أكاديميا. فطرد ثمانية عشر طالبا دفعة واحدة ، رسالة سياسية أكثر مما يعكس قرارا بيداغوجيا. الرسالة ببساطة تقول إن النشاط الطلابي الذي هو جزء من التكوين ممنوع و مجرم.
الجامعة المغربية مرت بمحطات صعبة، لكنها ظلت دائما فضاء يتشكل فيه الوعي السياسي والثقافي للأجيال. وعندما تضيق المؤسسة بهذا الدور فإنها لا تعاقب فقط مجموعة من الطلبة، بل تضرب وظيفة الجامعة نفسها باعتبارها مدرسة للمواطنة والنقاش العمومي.

لهذا فإن إعتبار هذه القرارات قضية يتبناه كل الديمقراطيين ليست فقط إنصافا لطلبة معنيين، بل دفاعا عن فكرة الجامعة ذاتها: جامعة لا تخاف من الاحتجاج، ولا تعاقب الحلم، ولا تختزل المعرفة في الانضباط الصامت. لأن الجامعة التي تطرد أبناءها بسهولة، تخاطر بأن تفقد رسالتها قبل أن تفقد طلبتها.

عن الكاتب

محمد السفريوي

محمد السفريوي

مناضل يساري

حوارات ونقاشات

هل نحتاج اليوم إلى خطاب عقلاني جديد حول القضية الفلسطينية لمواجهة موجة التطبيع المتزايدة؟

هل نحتاج اليوم إلى خطاب عقلاني جديد حول القضية الفلسطينية لمواجهة موجة التطبيع المتزايدة؟

السؤال أضحى أكثر ملحاحية اليوم من أي وقت مضى. فالتطبيع لم يعد مجرد قرار فوقي تتخذه بعض الأنظمة، بل أصبح خطابا متناميا يعيد تشكيل وعي المواطنين، وتقديم العلاقة مع الكيان الصهيوني باعتبارها أمرا عاديا في عالم تحكمه المصالح والواقعية السياسية.
خطاب التطبيع لا يعمل فقط عبر السياسة، بل عبر إعادة صياغة السردية نفسها: الكيان يقدم كقوة تكنولوجية متقدمة وشريك اقتصادي محتمل، بينما يعاد تقديم الصراع كحكاية قديمة مهتزة أنهكت الجميع. أمام هذا الخطاب، يجد المواطن نفسه بلا أدوات تحليل حقيقية لفهم ما يجري، و ما طبيعة الصراع.
الخطورة أن المجال ترك طويلا بين خطابين غير قادرين على إقناع المجتمع. فمن جهة، هناك خطاب ديني طائفي يختزل القضية في لغة مذهبية مغلقة، و أساطير و نبوؤات. فيبدو لكثيرين - خصوصا الأجيال الشابة - بعيدا عن فهمهم للسياسة والتاريخ. ومن جهة أخرى، هناك خطاب رسمي لأنظمة رجعية يقدّم التطبيع باعتباره تعبيرا عن “العقلانية” في مواجهة ما يسميه بالشعارات .
في هذا الفراغ ينمو التطبيع في جزء منه ، كظاهرة نفسية قبل أن يتحول إلى موقف سياسي.
هنا تحديدا تبرز الحاجة إلى دور اليسار التقدمي و العقلاني ، فمن المفترض تاريخيا أن يكون هذا التيار هو المنتج الرئيسي لخطاب عقلاني يشرح طبيعة الصراع بوصفه صراع تحرر وطني ضد مشروع استيطاني إحلالي. لكن للأسف فالواقع الحالي أظهر أن حضوره ظل في كثير من الأحيان محدودا في ردود فعل ظرفية.
فضيلة أكثر من سنتين من حرب غزة، اكتفى جزء كبير من هذا التيار بإصدار بيانات إدانة متكررة أو بالدعوة إلى وقفات احتجاجية موسمية. وهي خطوات مهمة من حيث المبدأ، لكنها لا تكفي وحدها لبناء وعي اجتماعي متماسك. فما نفتقده حقا هو العمل الثقافي والفكري المنظم: ندوات عامة، مهرجانات ثقافية، عروض أفلام ووثائقيات، ونقاشات مفتوحة تعيد شرح تاريخ القضية الفلسطينية وطبيعة المشروع الصهيوني للأجيال الجديدة.
لذلك فإن التحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في رفض التطبيع، بل في بناء سردية عقلانية ومقنعة حول فلسطين. سردية تشرح الصراع بلغة السياسة والتاريخ والقانون الدولي، لا بلغة الانفعال وحده. و لا بلغة تتماهى مع الخطاب المقاوم دون مسائلة ….
وهنا تحديدا يمكن لليسار أن يستعيد دوره الطبيعي: ليس فقط كقوة احتجاج، بل كمنتج للأفكار والمعاني. فالمعركة ضد التطبيع، في جوهرها، هي أولا معركة على الوعي.

عن الكاتب

محمد السفريوي

محمد السفريوي

مناضل يساري

حوارات ونقاشات

نحو قراءة أدق لمفهوم التناقض

نحو قراءة أدق لمفهوم التناقض

حلّ التناقض الداخلي هو ما يجعل مواجهة التناقض الخارجي ممكنة.

يستدعي اليسار مفهوم التناقض كلما ووجه بسؤال حول مواقفه من أنظمة أو حركات رجعية تتبنى خطاب ديني قروسطي و ترفع شعارات المقاومة.
و يضطر للعودة للمفهوم التناقض لتبرير مواقفه. لكن و بقليل من التمعن ، ما نقوم به اليوم في ساحات الصراع مع الكيان الصهيوني تحديدا ، هو تحويل هذا المفهوم الجدلي المعقد إلى مفتاح ميكانيكي مبسط: الخارج هو العدو، والداخل مؤجل. و هذا بالضبط هو قلب الخلل.
ماو تسي تونغ، في نصه المؤسّس “حول التناقض”، لم يعتبر أن التناقض مع الخارج يلغى النتاقض الداخلي ، بل أعلن شيئا أدقّ: حركة أي تناقض خارجي تمرّ عبر تناقض الداخل. و أضاف أن العلّة الأساسية في حركة الظاهرة كامنة في باطنها. وما يأتي من الخارج ليس سوى محفّز ثانوي. بهذا المعنى، حتى التناقض مع الاحتلال يظل محكوما بالطريقة التي تنتظم بها القوى في الداخل، وبالطبيعة الاجتماعية والسياسية للداخل.

تحويل مقولة “التناقض الرئيسي/الثانوي” إلى شعار فوقي عمومي يدفعنا إلى إلغاء الداخل بحجة الانتصار للخارج. فالتحالفات الهجينة تصبح منطقية، ومراكمتها تتحول إلى واجب وطني. كل هذا تحت لافتة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. وهكذا يفقد المفهوم أصله الجدلي و لايتبقى منه إلا القشرة.
النتيجة أمامنا اليوم: الكيان الصهيوني و حلفاؤه يراكمون أوراق القوة لأن الداخل أسير التناقضات المكبوتة أو الممنوعة من الاشتغال.
ما بين قوى طائفية و مذهبية و قوى تحررية ليست “تناقضات ثانوية”، بل منافذ داخلية يتسرب منها الانهيار، ويستفيد منها العدو لكي يمدد هيمنته.
فالقوى المهيمنة حاليا —خصوصا الإسلام السياسي—تعيد إنتاج بنية التخلف التي تبقي الجبهة الداخلية ذات قابلية للهزيمة، وهو ما يمنح الكيان تفوقا إضافيا و مجانيا. فحين يؤجل الصراع السياسي الحر بدعوى مواجهة الاحتلال، يتحوّل “التناقض الرئيسي” إلى مانع لشروط بناء قوة قادرة على المواجهة الفعلية.
للأسف التناقضات نقرأها بكسل معرفي و بشكل ميكانيكي و ليس جدلي : فالرئيسي والثانوي. تتفاعل، تتصادم، تعطل بعضها البعض. وإذا أهملنا الداخل، فلن تربح الخارج.
وهذه هي الحقيقة التي قالها ماو بوضوح: حلّ التناقض الداخلي هو ما يجعل مواجهة التناقض الخارجي ممكنة.
اليوم، وبعد كل ما جرى في غزة والضفة ولبنان وسوريا ، و ما يجري حاليا بعد شن حرب على إيران ، يبدو الدرس بليغا:
لا يمكن بناء قوة تاريخية في مواجهة الكيان إذا ظلت قوى الداخل تعيد إنتاج الاستبداد، أو الطائفية، أو الانقسام، أو بنى فكرية ترفض الاعتراف بالتعدد وتستخدم الدين أو الهوية الإثنية لطمس الصراع الاجتماعي.

إن استعادة الفعالية التاريخية للمجتمعات العربية لا تمرّ عبر رفع منسوب الصراخ ضد العدو، بل عبر ترميم الداخل، فتحه للنقد، للسجال، للمحاسبة، وللتغيير. عندها فقط يصبح الانتصار ممكنا تاريخيا.

عن الكاتب

محمد السفريوي

محمد السفريوي

مناضل يساري

السياسة

الطائفية ليست قدراً: راهنية استعادة تحذير مهدي عامل

الطائفية ليست قدراً: راهنية استعادة تحذير مهدي عامل

يتعايش اليوم التيار التقدمي عموما و اليساري خاصة مع أخطر الأوهام التي استقرت في وعينا السياسي : أن الطائفية قدر تاريخي، وأن مجتمعاتنا محكومة ببنيتها المذهبية و الطائفية، بحيث لا يمكن تخيل السياسة خارجها. هذا التصور، الذي يبدو في ظاهره توصيفاً واقعياً، يخفي في عمقه تبريراً لبنية سلطة ولصيغة صراع تخدم، في نهاية المطاف، مشاريع التفتيت والتخلف . هنا بالضبط تتجدد راهنية تحذيرات مهدي عامل، الذي رأى في الطائفية شكلا من أشكال الوعي الزائف، ينتج ويعاد إنتاجه سواء داخل بنية الأنظمة القائمة أو حتى حركات المقاومة و الممانعة.

لم يتعامل مهدي عامل مع الطائفية كمعطى ثقافي ثابت، بل كصيغة سياسية ـ أيديولوجية تتجذر في نمط إنتاج كولونيالي تابع. في قراءته للحالة اللبنانية، و بالضبط في كتابه "في الدولة الطائفية"، اعتبر أن الطائفية ليست تجليا لتنوع ديني، بل آلية لإعادة إنتاج السيطرة الطبقية عبر قناع مذهبي. بهذا المعنى، تحوّل الطائفية التناقض الاجتماعي إلى تناقض طائفي، فتخفي الصراع الطبقي الحقيقي خلف ستار الهوية.

ما قاله مهدي عامل عن لبنان يمكن تعميمه على تجارب أخرى في المنطقة. فحين أُعيد تأسيس النظام السياسي في العراق بعد 2003 على قاعدة المحاصصة، لم يكن الأمر مجرد "اعتراف بالتنوع"، بل إعادة صياغة الدولة كغنيمة طوائف. هكذا تختزل السياسة في تفاوض دائم بين زعامات مذهبية، بينما تهمّش قضايا التحرر والتنمية والعدالة. الدولة لا تعود إطاراً جامعاً، بل ساحة توزيع حصص. والمواطن لا يعرَّف بصفته فرداً ذا حقوق، بل كائنا في جماعة مذهبية.

المفارقة أن الطائفية لم تقتصر على أنظمة و سلط حاكمة، بل تسللت حتى إلى بنيات و خطاب المقاومة. فحين يعاد تعريف المقاومة ضمن أفق مذهبي، وتبنى شرعيتها على تمثيل طائفة بعينها، فإنها تخاطر بفقدان بعدها التحرري الجامع. المشكلة ليست في الخلفية الاجتماعية أو الدينية لأي حركة، بل في تحويل الطائفة إلى وحدة سياسية مغلقة. عندها يصبح الاصطفاف المذهبي جزءاً من تعريف الذات، ويتراجع الأفق الوطني أو القومي الأوسع.

بهذا المعنى، تخدم الطائفية – و إن دون قصد – المشروع الصهيوني. فوجود كيان استيطاني في قلب المنطقة يحتاج إلى محيط مفكك، ليستمر وجوده. فكلما تعمّق الانقسام الطائفي، تراجعت إمكانية بناء جبهة تاريخية واسعة تعيد تعريف الصراع في المنطقة باعتباره صراعا تحرريا ضد استعمار استيطاني مدعوم من قوى الهيمنة العالمية.

و أهم ما يقدمه لنا مهدي عامل ليس التشخيص فقط، بل الإمكانية النظرية للتجاوز. إذا كانت الطائفية بنية سياسية تاريخية، فهي قابلة للتفكيك. تفكيكها يمر عبر إعادة بناء السياسة على قاعدة المواطنة والعدالة الاجتماعية، وربط الصراع الداخلي بصراعه الخارجي. أي استعادة الترابط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، بدل تفكيكهما في هويات متناحرة.

الطريق إلى مواجهة المشروع الصهيوني لا يمر عبر إعادة إنتاج خطاب مذهبي مضاد، بل عبر كسر منطق الطائفة كوحدة سياسية. المطلوب هو إعادة بناء فضاء سياسي يرى في التنوع ثراء اجتماعياً، لا أساساً للتقاسم أو الاحتراب.

حين نعود إلى مفهوم التحرر الحقيقي الذي يربط جدليا بين تحرير الأرض و تحرير الإنسان، يتراجع الوهم الطائفي. لأن الصراع يُعاد تعريفه في مستواه التاريخي الصحيح: صراع شعوب ضد مشروع استيطاني ـ إحلالي. أما حين تختزل السياسة في هويات جزئية، فإننا نعيد إنتاج شروط ضعفنا بأيدينا.

تحذير مهدي عامل لم يكن مجرد قراءة في حرب أهلية لبنانية، بل تنبيهاً مبكراً إلى مسار إقليمي كامل. واليوم، بعد عقود من التفكك والاستقطاب، يبدو أن استعادة هذا التحذير ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً ضرورياً لإعادة بناء مشروع تحرري جامع. الطائفية ليست قدراً. هي أداة. وكما بُنيت، يمكن أن تُفكك. لكن ذلك يبدأ بإعادة تعريف السياسة نفسها: من صراع طوائف إلى صراع تحرر.

عن الكاتب

محمد السفريوي

محمد السفريوي

مناضل يساري

السياسة

لماذا لم يفلح اليسار في توظيف الوسائط التواصلية الجديدة كما فعل سابقا مع الجريدة المركزية؟

لماذا لم يفلح اليسار في توظيف الوسائط التواصلية الجديدة كما فعل سابقا مع الجريدة المركزية؟

فشل التنظيمات السياسية، خصوصا تلك المتشبثة بالبنية الكلاسيكية الهرمية، في إدماج الوسائط التواصلية الحديثة. ليس مجرد تأخر تقني أو ضعف طارئ يعيق الحضور الرقمي. بل إنه عجز بنيوي يمس جوهر التصور التنظيمي نفسه، و حدود نقله من سياقه التاريخي إلى واقع راهن تغيّرت فيه بنية المعلومة وآليات إنتاج السلطة داخل المجتمعات و بشكل جذري.

لينين صاحب أشهر تصور تنظيمي لم يشتغل خارج شروط عصره، بل بالعكس اشتغل بالمتاح آنذاك. و هو الجريدة المركزية. التي أدرك جيدا إمكانيتها فمنحها موقعا محوريا في مشروعه للتنظيم، واعتبرها «منظما جماعيا» يؤدي دور هيئة أركان سياسية وفكرية. عبرها يوحّد الخط السياسي، ينسّق بين الخلايا، تضمن وحدة الخطاب، ويجري الربط بين النظرية والممارسة. لم تكن الجريدة بالنسبة له أداة تواصل فقط، بل جزءا عضويا من بنية حزب مركزي، منضبط، وهرمي.

طبعا هذا الاختيار الواعي كان يعي طبيعة الوسيط نفسه. فالجريدة الورقية تقوم على انتقال المعلومة من الأعلى إلى الأسفل، من باعث مركزي إلى متلق جماعي. علاقة أحادية الاتجاه تسمح بتراكم الوعي، وبناء الانضباط، وإنتاج سلطة سياسية مركزية متماسكة. القارئ أو المتلقي هنا ليس شريكا في إنتاج الرسالة التواصلية ، بل موضوعاللتوحيه و للتأطير والتكوين. وهنا تحديدا تكمن قوة الجريدة المركزية: عقل جماعي منظم، لا ساحة نقاش مفتوحة.
أما اليوم و بعد أن فقد الإعلام المكتوب دور الصدارة في إيصال المعلومة ، و أصبحت الجريدة و المجلة و الدورية جزءا من منظومة تواصلية أكثر تعقيدا و متعددة الوسائط، فهل ما زالت المعادلة اللينينية قائمة اليوم؟.
وسائل التواصل الاجتماعي أعادت صياغة حركة المعلومة من جذورها. نحن أمام وسائط لا تنتقل فيها المعلومة عموديا، بل أفقياً وتبادليا. الباعث يتحول إلى متلق، والمتلقي يصبح منتجا للمحتوى، ومشاركا في صياغة الخطاب وتوجيهه. هكذا يتحول “الجمهور” إلى مجتمعات رقمية تفاعلية، سريعة، لامركزية، يصعب إخضاعها لمنطق الانضباط والضبط المركزيين.

هنا يتجلى مأزق التنظيمات ذات البنية العمودية. فهي تحاول، دون وعي كاف، إسقاط منطق الجريدة المركزية على وسائط لا تعترف بالمركز ولا بهيئة الأركان. والنتيجة حضور مرتبك، خطاب أحادي في فضاء تفاعلي، وخوف دائم من فقدان السيطرة على المعنى والرسالة.

الخلاصة بسيطة لكنها جذرية: لينين نجح لأنه كيف التنظيم مع المتاح في زمنه، لا لأنه فرض نموذجا فوق التاريخ و الواقع . أما اليوم، فإن البنية الحزبية، إذا أرادت استيعاب الوسائط المتاحة، مطالبة بأن تتكيف مع طبيعتها، لا أن تخضعها قسرا لمنطق تجاوزه الزمن. فحزب هرمي صارم لا يمكنه أن يسكن فضاء أفقيا دون أن يتصدع. وإذا كانت الجريدة المركزية هيئة أركان، فإن الشبكات الاجتماعية تفرض أشكالا أخرى من القيادة، والتنسيق، وإنتاج المعنى.

دون هذا الوعي، سيظل العجز قائما، و الضعف الإعلامي و الإشعاعي حاضرا وستبقى تنظيماتنا عالقة بين حنين إلى أدوات الأمس، وواقع جديد يشتغل بمنطق لا يعترف بالمركز ولا بالوصاية.

عن الكاتب

محمد السفريوي

محمد السفريوي

مناضل يساري

السياسة

هل آن الأوان لتجاوز الإحتجاج نحو السياسة؟

هل آن الأوان لتجاوز الإحتجاج نحو السياسة؟

يضع فلاديمير لينين في الفصل الثاني من كتاب " ما العمل ، تمييزا دقيقا بين الاحتجاج والسياسة. الاحتجاج، كما يفهمه، هو التعبير العفوي عن السخط؛ أي رد فعل أولي على ظلم ملموس. إنه لحظة الإعلان عن التناقض، لكنه لا يرقى تلقائيًا إلى مستوى مشروع التغيير شامل. أما السياسة، فهي القدرة على ربط هذه اللحظات المتفرقة ببنية و طبيعة سلطة القائمة، و إعادة صياغتها في برنامج، وتنظيم، وتكتيك ، واستراتيجية .

الاحتجاج يشتعل حين تتراكم المظالم؛ أما السياسة تبدأ حين نشتغل على تنظيمها في أفق واضح. الاحتجاج يطالب بتصحيح جزئي أو إدانة وقائع ؛بينما السياسة تسائل النسق القائم ككل. ومن دون هذا الانتقال، تظل الحركة سجينة دورات الغضب والانطفاء.
هذا التمييز الذي أخبرنا به لينين ، يضعنا اليوم أمام سؤال صريح داخل واقع اليسار المغربي. لماذا صار الاحتجاج يحتل المساحة الأوسع في ممارسته ؟ وقفات، مسيرات، بيانات تنديد، حملات تضامن. سعي دؤوب لحضور دائم في الشارع، دون أن يرافقه إنتاج فكري وتنظيمي يراكم المعنى. يسار يسعى سعيا حثيثا للإحتجاج كلما سنحت الفرصة، لكن اشتغاله على الرابط النظري والسياسي بين كل احتجاج يظل ضعيفا. يتحرك اليسار بسرعة مع كل حدث، غير أن السؤال الاستراتيجي حول البديل، وحول طبيعة الدولة، وحول الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، يبقى مؤجلا أو عاما او مجرد شعارات عامة.

هنا تصبح المؤتمرات والمحطات التنظيمية و الأجهزة القيادية مطالَبة بأكثر من تدبير عملية تجديد القيادات أو تعديل القوانين الداخلية. المطلوب أن تتحول هذه المحطات إلى ورشات لإنتاج أوراق دقيقة، وبرامج مفصلة، ومشاريع قطاعية واضحة في التعليم، والصحة، والشغل، والعدالة الجبائية، والحريات. على اليسار أن يدرك أنه عليه أن يمارس السياسة و يعيد إنتاجها . عبر إدراك أن الأدبيات ليست ترفا نظريا، بل شرط لتحويل الاحتجاج إلى سياسة. من دون وثائق مؤطرة، وتحليل ملموس للواقع الملموس، يبقى الخطاب أسير الشعارات العامة.
السياسة التي تنساها يسارنا ، في معناها العميق هي بناء مشروع لما نعتبره عموم الكادحين: العمال، وصغار الفلاحين، والمستخدمين، والمعطلين، وكل الفئات التي تدفع ثمن الاختيارات السائدة. وهذا المشروع لا يستخلص تلقائيا من الشارع، بل يصاغ في نقاش منظم، ويختبر في الممارسة، ويطوّر عبر النقاش الشفاف و المفتوح.
الفرق إذن ليس بين النزول إلى الشارع أو عدمه، بل بين احتجاج يفرغ الغضب، وسياسة تبني أفقا. وإذا كان الاحتجاج ضرورة أخلاقية، فإن السياسة ضرورة تاريخية. والمؤتمرات المقبلة مدعوة لأن تكون لحظة انتقال من الأولى إلى الثانية.

محمد السفريوي

عن الكاتب

محمد السفريوي

محمد السفريوي

مناضل يساري