جذور المسقبل

روني ديمون: اما أن نحلم أو نموت.

روني ديمون: اما أن نحلم أو نموت.


« L'homme ne croit pas à l'apocalypse qu'il fabrique.
Et pourtant nous avançons déjà vers le désastre ». / « Une
croissance indéfinie est impossible, nous n'avons qu'une
seule Terre, mais une civilisation du bonheur est possible.
Les solutions existent, mais l'opinion les ignore car les
structures actuelles et les détenteurs du pouvoir économique
et politique s'y opposent ». / « Lorsque nous plantons des
arbres, nous plantons des graines pour la paix et des graines
d’espérance ».. R. D.
سنة ،1973 سيصدر روني ديمون Dumont René، الذي سيترشح سنة 1974 للرئاسيات
الفرنسية كأول مترشح بيئي في فرنسا )وربما في العالم(، قلت سيصدر نصا سيصبح تاريخيا هو اليوطوبيا
أو الموت mort la ou utopie’L .. النص - مثلما يشير عنوانه - هجوم حاد على الخيارات /التصورات
المهيمنة.. هناك مشكلتان تهددان الوجود البشري في تقدير ديمون : التبذير المجنون للموارد واالنفجار
السكاني األكثر جنونا .. لكن هناك حلول.. وهذه الحلول فيما يعتبر ديمون اما أن تكون شمولية أو ال تكون..
روني ديمون هو أوال معارض شرس لإلمبريالية الغربية.. فهذه اإلمبريالية، بالنسبة لروني، هي
المسؤول األول عن احتقانات عالمنا.. وبشكل خاص عن مشاكل دول العالم الثالث.. سيدعو روني مبكرا
جدا الى نظام عالمي جديد يكون مبنيا على التوزيع العادل للثروات الكوكبية، على التعاون والتضامن،
نظام يجب أن ينهي تماما مع منطق النهب والتفاوتات الرهيبة..
سيتحول روني الى الفكر البيئي الجذري فترة قليلة بعد اصدار التقرير التاريخي لنادي روما،
الشهير أيضا بتقرير ميدوز.. سيصدر نص وحدها ايكولوجيا اشتراكية écologie une Seule
socialiste ضمنه مخاوفه األساسية .. روني من األوائل الذين انتبهوا/نبهوا الى الدمار الذي تخلفه
المشاريع الصناعية/التكنولوجية الضخمة في قلب األنساق الطبيعية.. بالنسبة لروني الحل ال يوجد في مثل
هذه المشاريع.. في تصور هذا المتخصص في الزراعة البديلة الحل يوجد في رد االعتبار لإلنسان، في
تشكيل جماعات )قروية/حضرية( صغرى تسمح لكل واحد باالنبثاق داخل مجاله/ مدينته.. س يكتب روني
أشياء إيجابية جدا عن النموذج الصيني لتلك الفترة، النموذج المبني على اقتصاد متمركز انطالقا من
القاعدة، اقتصاد يحترم كثيرا العمل اليدوي.. لكن الشمولية التي انتهى اليها النظام الماوي ستجعل روني
ينفض يده بسرعة عن بلد "الثورة الثقافية"..
سافر ديمون كثيرا في محاولة إلقناع الدول العالمثالثية بعدم السير الملغوم وراء النموذج الغربي..
دافع بشدة عن االستقاللية.. وهذه االستقاللية، فيما نظر ديمون، مستحيلة بال مراقبة ديموغرافية .. بال
اقتصاد الطاقة.. بال حماية واصالح األراضي..
اعتبر د يمون أن النمو ليس مشكل مال، بذور، أسمدة، ولكنه أساسا مشكل اختالل في التوازن بين
العناصر الثالثة.. اعتبر أن العالقات التي يربطها االنسان مع الحقل الزراعي هي نفسها العالقة التي
يربطها مع االنسان - بالنظر الى أن العالقات االجتماعية تشكل القاعدة التي تقف عليها فالحة ونمو صناعي
بجودة عالية.. بل انه ذهب حد القول بأن أساس عالقات اجتماعية جيدة ه ي، أوال، عالقات جيدة بين
الرجال والنساء.. معتبرا أن تحرر النساء مهم جدا في سياق التحكم في النمو الديموغرافي وعموما في
تنزيل السيرورات التنموية..
سيفاجأ ديمون الفرنسيين في ظهور تلفزي سنوات السبعينيات بتفاحة وقنينة ماء في يده شارحا
لمواطنيه بكلمات استثنائية الى أي حد هذه الثروات هي ثمينة، ال يمكن تعويضها.. سيفاجئهم أيضا بتنبؤه
بارتفاع وشيك ومهول في ثمن البترول )أزمة سنوات 1973(.. لم/لن يمل روني أبدا – وكان من األوائل
في ذلك - من شرح نتائج ما لم يكن يسمى بعد حينها العولمة: انفجار ديموغرافي، انتاجية مفرطة، تلوث،
2
مدن صفيح، تفاقم الهوة بين دول الجنوب ودول الشمال.. كان ديمون أيضا من األوائل الذين استعملوا
مفهوم التنمية المستدامة..
سيترشح ديمون مثلما أشرت النتخابات الرئاسة الفرنسية سنة 1974 وسيحصل على نتيجة ملتبسة:
أقل من 2 في المئة.. كان مدير حملته حينها هو البيئي الهام األخر بريس اللوند .. ان ما كان أساسيا في
مجموع العملية أنها فتحت الباب نحو االيكولوجيا السياسية لجيل كامل بدأ يعي حدود الموارد الكوكبية
ووهم نمو النهائي..
خلفية روني، الخلفية البيودينامية، مهمة جدا في سياق مناقشة قضايا الصحة البشرية/االيكولوجية..
البيودينامية نظرية تومن ب قوة اإلنسان حيث هو، بقدرة االنسان على االنطالق من ذاته، باستعداد االنسان،
وعلى الدوام، على إطالق مقاربات /مقاومات ميكروسكوبية، محلية، فعالة .. البيودينامية تفجر أصولية
المركز/األعلى .. تصورات ديمون احتفاء باذخ بالهوامش.. وهذا مهم في اعادة بناء عالم ما بعد الرأسمالية..

عن الكاتب

محمد منير الحجوجي

محمد منير الحجوجي

محمد منير الحجوجي الوردي.. كاتب ومترجم.. منشغل بقضايا التخلف/الاستبداد/الفساد.... دوليا ومحليا.. يحلم بمغرب اخر غير هذا الذي يصر على الاندثار...

جذور المسقبل

البردغم الايكولوجي: قلب جذري لفهمنا لحضورنا في العالم…

البردغم الايكولوجي: قلب جذري لفهمنا لحضورنا في العالم…

« L’une des meilleurs contributions qu’ont pu apporter les philosophes, comme l’a montré Socrate depuis très longtemps, a consisté dans la critique de leur propre culture ».. Michael Zimmerman.

بشكل صدفوي تماما، وفي قفزة غير متوقعة، ستظهر الفكرة الخضراء في منطقة بعيدة جدا عن المنطقة.... الخضراء.. لدى ناس لا ينتمون للمجال العلمي بمعناه الدقيق.. تاريخيا، كانت لهذه الظروف الفجائية، لهذه الرياح الاستثنائية وقع كبير على القضية البيئية..

خريف سنة 1983 سيخاطب فيلسوف استرالي شاب هو ريتشارد سوليفان زملاؤه في المؤتمر العالمي الخامس عشر للفلسفة الذي انعقد بفارنا في بلغاريا متسائلا: "هل ثمة حاجة الى أخلاق جديدة بيئية؟".. جاء تساؤل/نص سوليفان فترة قليلة بعد نشر فيلسوف أسترالي شاب أخر هو تري إليوان لنص ممتاز في "المجلة النيويوركية للكتب" The new york review of books.. وفي الصيف من السنة ذاتها سينشر الفيلسوف الدنماركي ومتسلق الجبال أرني نايس (أنظر الحلقة الرابعة) نصا مفصليا هو الأخر في المجلة الفلسفية الدولية "تقصي" Inquiry تحت عنوان "الضحل والعميق، حركة الايكولوجيا بعيدة المدى: خلاصة".. ان النصوص الثلاثة تشكل، في نظر كل الرواد الذين أتوا لاحقا، الشرارة التي أعلنت عن ميلاد حقل جديد كليا في الفلسفة..

تلتقي النصوص الثلاثة في نقدها الجذري للفلسفة الغربية التقليدية.. تطرح النصوص أفكارا من أجل فلسفة غير متمركزة بشريا، فلسفة تريد رد الاعتبار للأنساق الحية، كل الأنساق، فوق كوكبنا.. ان الفلسفة الغربية منذ أفلاطون حتى مشارف اللحظة البيئية مطبوعة فيما يقول اليوان/سوليفان/نايس ب"الشوفينية البشرية".. أما الطريق للخروج من اللعبة فهو توسيع الفئة القاعدية للأخلاق بحيث تشمل الكائنات غير البشرية، الكائنات المحرومة أخلاقيا، بدءا بالنباتات والحيوانات المفردة (أشجار، كلاب...)، انتهاء بالتجمعات أو الكليات البيئية من قبيل الأنواع الحية (الحوت الأزرق) والمنظومات البيئية..

لقد انصبت جهود الفلسفة الغربية لتفسير ما يجعل الكائنات البشرية ذات خصوصية وما الذي يجعلنا وحدنا جديرين بالمعاملة الخلقية.. جاءت الفلسفة البيئية لتعرية مثل هذه الأوهام التي قادتنا الى شفير الهاوية.. وهنا سيطور فيلسوف ايكولوجي مفصلي أخر هو بول و. تايلور، سنوات بعد النصوص الأولى، نسخة أكثر تطورا وأكاد أقول أكثر تطرفا هي المركزية الحيوية Biocentrisme  (حرفيا: نظرية أخلاقية "متمركزة على الحياة").. مفاد رؤية تايلور أن كل الكائنات الحية هي "مراكز غائية للحياة".. في تصور تايلور - وهو ما يتفق معه ايكو/أخلاقي أخر هو غودباستر- كل الأشياء الحية لها مصالح وبالتالي لها خيرها/فضلها الخاص، بغض النظر تماما عن استخداماتنا لها، وبشكل مستقل تماما عن كونها حاسة أو لامبالية.. بالنسبة لتايلور جميع الكائنات الحية (من ذبابة الفاكهة الى الحيتان العظمى) ذات قيمة خلقية متساوية.. تفرض هذه الرؤية أن نغير راديكاليا من تصورنا لموقعنا/دورنا نحن أنفسنا داخل العالم..

لقد كشفت الأخلاق الجديدة كيف أن النظرة الغربية المهيمنة لم تنسجم أبدا مع أخلاق بيئية.. كيف أنها استبعدت تماما أية أخلاق بيئية.. فالطبيعة وفق هذه الرؤية تعد ملكية حصرية للإنسان، وهو حر في أن يتعامل معها كما يشاء، فهي توجد لأجله وحسب - كما ورثنا ذلك عن التيار الرواقي/الأغسطيني..  ومع أن التقاليد الغربية تضمنت بعض الانفتاحات البيئية (أذكر بموقف الاشراف الذي يقدم الانسان بمنزلة المشرف أو القيم وموقف التعاون الذي يقدم الانسان مكملا للطبيعة) الا أن الموقف الذي هيمن ووجد من ينظر له في أكبر لحظات الفلسفة الغربية هو الموقف الشوفيني/التمركزي..

الجميل في الفلسفة هو رؤيتها الشمولية.. هو موقعتها الأمور في سياقاتها العامة.. هكذا نفهم بشكل نسقي.. ونتحرك، في أخر المطاف، بشكل أفضل..

القاعدة الذهبية اذن هي ما يلي: على المرء أن يعامل الناس/مجموع الحي كما يحب أن يعاملوه..  المفروض في هذه القاعدة أن تثور العالم.. الوعي الأخلاقي/الفردي/الذهني مهم جدا اذن.. صحيح أن التغيير صعب دون دينامية جماعية.. لكن ممكن جدا أن نقلب المعادلة الماركسية ونراهن على التنوير الفردي مدخلا لزعزعة الخيارات الكبرى...

عن الكاتب

محمد منير الحجوجي

محمد منير الحجوجي

محمد منير الحجوجي الوردي.. كاتب ومترجم.. منشغل بقضايا التخلف/الاستبداد/الفساد.... دوليا ومحليا.. يحلم بمغرب اخر غير هذا الذي يصر على الاندثار...

جذور المسقبل

أرني نايس: الرجل الذي حلم بالتفكير كالجبال.

أرني نايس: الرجل الذي حلم بالتفكير كالجبال.

وهو ينحت مفهوم "الايكولوجيا العميقة"، سيمنح أرني نايس

للايكولوجيا أولى تعبيراتها الفلسفية.. سيل es

نايس الايكولوجيا - مستلهما فيما يصرح هو نفسه ارث سبينوزا وغاندي- بمعارضتها بايكولوجيا "تمركزية/سطحية" ليس لها من هدف سوى الحفاظ على الموارد لتطوير - الكلمة ليست حادة بما فيه الكفاية - البلدان الغنية.. إعادة وضع الطبيعة في قلب قيمنا:

هذا هو الانقلاب الذي يقترحه علينا نايس.. سيعترف أرني بتأثير نص راشيل كرسون عليه، النص الموسوم ب الربيع الصامت..

سيعتبره الصدمة التي أفاقته من سبات دام أكثر من اللازم..

(أنظر الفقرة حول راشيل في هذا الكتاب)..

سيبدع اذن نايس مفهوم "الايكولوجيا العميقة" (نحن هنا سنة 1973)، لتعيين تيار بيئي لا يقطع فقط مع رؤية تمركزية للعالم، مع رؤية تضع حاجيات البشر فوق حاجيات/حقوق الشركاء الأخرين على الأرض، ولكن، وهذا أهم، مع "ايكولوجيا سطحية" لا تتعرض الا لأثار التلوث.. يكتب نايس: "هناك فرضية واسعة الانتشار في البلدان المتقدمة مفادها أن تجاوز الأزمة البيئية هو مشكل تقني ولا يستدعي أي تغيير في الوعي أو في النسق الاقتصادي.. هذه الفرضية هي مما يتوجب دحضه"

تتجه الايكولوجيا العميقة، على العكس من ذلك، الى القيم التي توجد في جذر نمط الإنتاج الذي يقود الى التخريبات/الأخطار مثلما نعاينها.. انها تريد تغيير الوعي.. تغيير نمط الإنتاج..

يعتبر أرني أن كل كائن فوق الأرض يساوي بالضبط كل اس قيمة الكائن البشري، قوا أريد قول هو أنه يتوفر على قيمة محايثة غير قابلة للتكميم.. انه ليس متساو أو غير متساو.. ان له الحق في العيش وفي التطور.. نقطة الى السطر.. يمكن إن اضطررت أن أقتل ذبابة على وجه رضيعي لكن لا يمكن أن أقول بأن لي الحق في حياة أعلى من حياة الذبابة"..

سيدافع أرني عن فكرة مفادها أن قيمة أشكال الحياة غير البشرية مستقلة عن الاستعمال الذي يمكن أن يكون لها لأهداف بشرية محدودة.. سيعتبر أن ليس للبشر الحق في اختزال الكائنات غير البشرية في إشباع الحاجيات البشرية.. سيفضح التدخلات البشرية في العالم غير البشري باعتبارها تدخلات تقود الى تأزيم العالم.. سيلح على أن الحل يتطلب تحسنا دالا في شروط الحياة، الحياة في شموليتها.. وهذا يجب أن يهم البنيات الاقتصادية، التكنولوجية، الايديولوجية الأساسية..

يجب اذن أيضا تغيير نمط الإنتاج..

يدافع نايس عن رؤية كارثوية.. يقول: "ان النوع البشري هو الأول على الأرض الذي يتوفر على الامكانية الفكرية لتخريب شروط بقائه على قيد الحياة.. وكذا شروط بقاء الأخرين.."..

المشكل لدى نايس ليس النمو الديموغرافي.. المشكل أكبر من ذلك.. المشكل هو نمو غير مسبوق في التدميرات البيئية الناتجة عن تعميم خيار الإنتاج/الاستهلاك.. يجب أن نختار طريقا جديدا بمعايير أخرى للتقدم، للفعالية، للفعل العقلاني.. يجب تصور أشكال عيش أخرى، والبداية، فيما يصر نايس، ستكون بدعم

"الحرية والاستقلالية والتمركزات الاقتصادية المحلية السبيل الأمثل لتفجر طاقات وممكنات الشخصية الانسانية".. يمكن للأزمة أن تقود نحو انبعاث وعي جديد، نحو ولادة رغبة في أشكال اجتماعية تهدف الى بناء تعايش فعال، تعايش، يقول نايس، سيصعب تحقيقه "بلا تكنولوجيا عالية وبلا نمو اقتصادي بتدخلات أقل وتجربة حياة أكثر ثراء".

ان ما حرك أرني الايكوسياسي هو أرني متسلق الجبال..

نايس من أهم الرياضيين الذين رفعوا تحدي تسلق الجبال الشاهقة للسلاسل الهندية.. الهدف لم يكن فقط رياضيا.. لقد كان أيضا فلسفيا: "ان الرهان، يقول أرني، هو أن ننجح في التفكير مثل جبل، أن تكون لنا رؤية الجبل، رؤية شمولية، من الأعلى".

مثلما خط في كتاب كلاسيكي كبير هو نحو ايكوزوفيا

..... Vers une écosophie...لحياة

معروف عن نايس نحته لمفهوم الايكوزوفيا.. والايكوزوفيا تعني أكثر من مجرد الانتباه للحياة.. الايكوزوفيا - في تصورها الأعلى - هي الانصات/الاحسان الى الحياة في كل أشكالها.. لكي أكون جيدا في حياتي على كل الكائنات الأخرى أن تكون هي أيضا مرتاحة، جيدة في حياتها.. لكي أتنفس الأوكسيجين على طحالب الكوكب، منتجة الأوكسيجين الأولى، أن تكون في حالة صحيا جيدة.. لكي أحيى على المحيطات أن تحيى.. المهمة اذن هي أن أفعل دون أن أمس شروط البقاء فوق كوكبنا، هي أن أفعل وعيني على شروط الحياة في مجموعها.. هذه هي المعادلة الكبرى.. ان هدف الايكوزوفيا - وهو الهدف المفصلي للإيكولوجيا بشكل عام -

هو إعادة الانسان الى مكانه الحقيقي: عنصر ضمن الحلقة لا كائنا يقرر من أعلى..

عن الكاتب

محمد منير الحجوجي

محمد منير الحجوجي

محمد منير الحجوجي الوردي.. كاتب ومترجم.. منشغل بقضايا التخلف/الاستبداد/الفساد.... دوليا ومحليا.. يحلم بمغرب اخر غير هذا الذي يصر على الاندثار...

جذور المسقبل

راشيل كرسون: الانسان الكيميائي.

راشيل كرسون: الانسان الكيميائي.

« Pour la première fois dans l'histoire de l'humanité, tout être humain est désormais soumis au contact de produits chimiques dangereux, de la conception jusqu'à la mort ». R. C.

المفكرة الأعظم في تقديري للقرن العشرين حتى لا أقول لكل التاريخ البشري..

عندما نشرت راشيل كرسون  Carson Rachel كتابها الشهير "الربيع الصامت" Silent

Spring سنة 1962 في محاولة للتنظير لاكتشافها الرهيب لصمت العصافير في الحقول الشاسعة لمنطقتها في مكان ما من الوسط الأمريكي لم تكن تعرف أنها فتحت الباب أمام زلزال معرفي.. الاكتشاف المركزي للكتاب هو ما يلي: ان الارتماء في الاستراتيجيات الأنتربوصناعواستهلاكية بدأ يغير من كيمياء/جيولوجيا العالم.. وصمت العصافير إثر تناولها مبيدات فلاحية سامة كان المؤشر على أننا دخلنا عصرا جديدا.. هو الأنتروبوسين.. عصر صناعة/الهرولة نحو الهاوية.. عصر تدمير الشروط ذاتها التي تضمن بقاء الحياة فوق الكوكب..

لقد قلبت راشيل كرسون فهمنا لحضورنا في العالم... مع راشيل، بدأنا نفهم أننا لسنا معزولين عن "الأخرين"، أننا لسنا وحدنا في هذا العالم، وأن نمطنا الأنتروبولوجي الحداثي/التقدمي/السعيد بدأ – لاحظوا مستوى الخطر - يصطدم بحدود الحلقة الحية....

بعد كتابات المؤسس دافيد هنري طورو أواسط القرن 19 ستدخل القضية الايكولوجية فترة سبات عميق.. لن نسمع عن الرهان البيئي لمدة قرن تقريبا.. ظلت كتابات دافيد معلقة في السماء.. الذين ملأوا المشهد كانوا من أصحاب الاشتباك مع الرأسمالية: ماركس، لينين، لوكاتش، ماركوز، هايدغر..، الخ... هذه الكتابات "غطت" تماما على الملف البيئي.. كان الفكر "الاستراتيجي" يتحرك "خارج" العالم.. لم يكن هناك من يعري عن الرهان الأخر للرأسمالية: الربح بتدمير الأرض..1 كان في الأمر، بشكل ما، خدمة ممتازة للرأسمالية.. حتى ذلك الصباح العجيب من ربيع 1962، حين ستلاحظ عالمة بيولوجية بحرية، هي راشيل كرسون، ظاهرة استثنائية في الحقول الشاسعة لمنطقتها في العمق الأمريكي: الاختفاء التام لصوت العصافير، وعلى مساحات واسعة.. أخذت كرسون عينة من تراب المنطقة للتحليل.. النتيجة التي حصلت عليها كانت مفجرة..

سنة 1964 ستصدر راشيل كرسون كتابا هو الربيع الصامت spring Silent سيعتبره البيئيون النص المؤسس للايكولوجيا الجذرية.. وجهت كرسون دراستها نحو أثار الاستخدام الواسع لمبيد الديتيتي

DTT في الزراعة على الأنساق الحية.. والخلاصة التي خرجت بها كانت رهيبة، ورهيبة جدا: لقد قاد

المبيد النكرة حتى تلك اللحظة الى قتل أعداد هائلة من العصافير اللطيفة الموجودة بمحيط الاستعمال وذلك عبر إضعاف بيوضها.. نبه الكتاب الأمريكيين الى ضرورة تفحص معاييرهم المسلم بها نحو الطبيعة الحية، الى ضرورة مراجعة ما يبدو لهم أنها بداهات لا يمكن التشكيك فيها.. أشارت كرسون أيضا الى أمر هام، وهام جدا: مع هذا المبيد لن يقتصر الأمر فقط على العصافير.. ان ما يجب أن نفهمه – وفهمه فعلا البيئيون وعموم الجمهور الذي تابع الملف في تلك الفترة - أن تدمير الأرض من الممكن جدا أن يرتد على البشر ويقود الى كوارث غير مسبوقة.. الحل؟ إعادة بناء شاملة لعلاقتنا بالطبيعة.. ان ما يجب أن نفهمه، في الأول والأخير، أن العالم الطبيعي مهم جدا لقيمته بذاته وليس لأنه نافع للبشر..

يعتبر مبيد الديتيتي من أخطر أنواع المبيدات الموجودة لحد الساعة فوق الأرض.. بدأ الاتجاه نحو الاستعمال الواسع لهذا المبيد بعد الحرب الثانية في سياق البحث عن الرفع من الإنتاجية.. مهمة المبيد الهجوم على النظام العصبي للأنواع الحشرية "المضرة" قبل شلها نهائيا.. والمشكل بطبيعة الحال ليس هو هذا.. أو ليس هو هذا فقط.. عندما ترش الخضر والفواكه بالديتيتي فإنك تحميها من هجوم الحشرات

1 مع الإشارة الى بعض التلميحات الايكوماركسية الجميلة لدى ماركس. ملف يتوجب فتحه.

"المخربة" )في التصورات البيئية الجذرية/العميقة هي تلعب دورها في انتاج دورة أو حلقة الحياة( لكنك

تعطي في نهاية المسار خضرا/فواكه ملغومة.. الديتيتي لا يقف اذن عند قتل الحشرات.. انه يمر نحو

المنتوجات الغذائية ثم بطبيعة الحال نحو البشر.. محدثا تدميرات ليس أقلها سرطانات لم يكن أحد يعلم بها حتى تلك الفترة..

هناك مشكل أخر.. كشفت كرسون أن الديتيتي ما ان ينغرس/يتراكم داخل السلسلة الحية حتى

يطور قدرة على التأقلم/المقاومة )قد يعمر داخل الطبيعة الى حدود 15 سنة..( ان انغراسه في قلب الأنساق الحية يجعل من الصعب حصره.. خطورته أنه لا يبقى فقط في السطح.. تأتي الأمطار لتحمله عميقا في التربة.. نحو المياه الجوفية.. الفضيحة الأخرى أن له قدرة كبيرة على التنقل لمسافات طويلة.. وهنا تتعقد الأمور.. نحن أمام كارثة.. بالكاف الكبرى.. تختم راشيل..

مع راشيل تدخل القضية البيئية، اذن، عالم البحث العلمي الدقيق.. طورو فتح الباب.. طورو هو الذي أطلق الشرارة الأولى، هو الذي رسم البوصلة الكبرى.. راشيل ستضع أسس القراءة الايكولوجية، وتدقيقا الايكوعلمية، للعالم.. سيعترف أرني نايس )سأخصص له الحلقة القادمة( بأن اكتشافه الربيع... هو ما حرض على تحرير مقاله الشهير لبداية الثمانينيات حول "العميق والضحل"، وهو المقال الذي ستخرج منه كل الحركات البيئية التي تتبنى النضال البيئي الراديكالي..

عن الكاتب

محمد منير الحجوجي

محمد منير الحجوجي

محمد منير الحجوجي الوردي.. كاتب ومترجم.. منشغل بقضايا التخلف/الاستبداد/الفساد.... دوليا ومحليا.. يحلم بمغرب اخر غير هذا الذي يصر على الاندثار...

جذور المسقبل

هنري دافيد طورو: صرخة من زمن أخر.

هنري دافيد طورو: صرخة من زمن أخر.

هنري دافيد طورو: صرخة من زمن أخر.

« Si vous voulez convaincre un homme qu'il agit mal, agissez bien. Mais ne vous souciez pas de le convaincre. Les hommes croient ce qu'ils voient. Alors, donnez-leur à voir ! ».. H. D. Th.

         يشكل هنري دافيد طورو Thoreau، الى جانب راشيل كرسون (أنظر الحلقة الخاصة براشيل بعده) المؤسسان الرئيسيان للايكولوجيا الجذرية.. الأمر شبه معجزة بالنسبة لطورو.. كيف أمكن لرجل معزول، بصحة عليلة، يعيش وسط ناس لامبالين تماما، في عالم لم يلج بعد بقوة العصر الرأسمالي الاستنزافي/التخريبي، أن يدفع بمثل هذه الرؤية الاستبصارية؟.. بعبارة أخرى، كيف يمكن أن ننتج كلاما في شيء لم تظهر ملامحه الكبرى بعد؟..

سنة 1854 سيصدر هنري دافيد طورو نصا سيدخل به التاريخ هو: والدن أو الحياة في الغاب Walden ou la vie dans les bois.. وضع طورو في النص خلاصة تجربته على ضفاف بحيرة والدن، في ولاية ماساشوست.. عاش طورو في المكان عامين ونصف تقريبا في كوخ شيده بنفسه.. موضوع النص هو الحياة البرية باستعمال فقط ما هو ضروري بعيدا عن الاكراهات الزائدة للحضارة.. يشرح طورو كيف أن غالبية البشر يعيشون حياة يأس هادئ.. وللإفلات من الفخ، يدعو طورو الى التحرر من قبضة المجتمع، ومن قبضة العمل، ومن قبضة الهوس بمراكمة الممتلكات الزائدة.. علينا، يقول طورو، بتعلم العيش بأقل ما يمكن من الأشياء.. فلكل شخص حاجياته، التي ليست هي حاجيات الآخرين..

وقبل حوالي قرن من التيارات المضادة للرأسمالية، سيطلق طورو نقدا شرسا للاستهلاك الجماهيري ولمجتمع قائم على رغبات مفروضة من مشاعر مرضية، من مثل الغيرة من ممتلكات الجار.. سيدعو وسيمارس على الأرض الاكتفاء الذاتي، الذي سيعتبره المدخل الأساسي للتحرر.. وهو في قلب الغاب، وهو على ضفاف بحيرة استثنائية، سينزل هذا القارئ النهم للطبيعيين الكبار (ليني، هامبوبلد...) حياة منتبهة إلى إيقاعات الفصول، إلى تموجات الطبيعة، الى تحركات الحيوانات، الى همسات الحشرات.. ان الحياة، يكتب طورو، إما أن تكون روحانية، ملتصقة بالحاضر، أو لا تكون:

« Le matin, c'est quand je m'éveille et qu'une aube est en moi »..

يكشف النص عن القراءات الجميلة لطورو.. فسقراط مثلا، حتى وإن لم يذكره بالاسم، يظهر بشكل قوي بين سطور التأملات: "أن تكون فيلسوفا لايعني فقط أن تكون لك أفكار عميقة، ولا أن تؤسس مدرسة، ولكن أن تكون لك حكمة العيش وفق مبادئها، مبادئ البساطة والاستقلالية والعصامية والثقة.. أن تكون فيلسوفا هو أن تحل بعض مشاكل الحياة ليس فقط نظريا ولكن بالممارسة الفعلية"..

في الكوخ، سيخط طورو أفكارا سيجمعها في مذكرات استثنائية..  تأملات سيكون موضوعها المركزي هو الحوار مع الطبيعة.. في هذه المرحلة المتقدمة من حياته القصيرة، سيكشف طورو عن تصوره النهائي للحياة، عن خيبة أمله الكبرى في البشر:

« Les êtres humains pour lesquels je n'éprouve aucune sympathie, me sont beaucoup plus étrangers que la matière inanimée - les pierres ou la terre »..

وقبل وفاته، سينشط طورو مجموعة من المحاضرات للدفاع عن رؤيته الانتقادية للمجتمع.. ستثمر هذه المرحلة نص العصيان المدني La désobéissance civile، وفيه دافع عن حق المواطن في رفض الأوامر الظالمة، وبالذات إن صدرت عن السلطة القائمة..

طورو، مفكر/أب الايكولوجيا الجذرية، نظريات اللانمو، التوجهات الأناركية.. أما كوخه، فلقد تحول إلى معلمة سياحية مفتوحة..

طورو نموذج جميل للمنظر الذي فهم أن الأهم هو، أولا، تعرية الأخطار.. طورو كان واعيا بصعوبة المهمة.. كان واعيا بأن الأمر يشبه الاستراتيجية السيزيفية: العمل/الفضح دون أن ننتظر نتائج فورية.. شيم الكبار..

عن الكاتب

محمد منير الحجوجي

محمد منير الحجوجي

محمد منير الحجوجي الوردي.. كاتب ومترجم.. منشغل بقضايا التخلف/الاستبداد/الفساد.... دوليا ومحليا.. يحلم بمغرب اخر غير هذا الذي يصر على الاندثار...

جذور المسقبل

خطبة الهندي الأحمر

خطبة الهندي الأحمر

لم أجد، وأنا أفكر في نص يقدم للفكر الأخضر، أفضل من هذه الخطبة، المعروفة تاريخيا بخطبة الهندي الأحمر.. نحن هنا في الخمسينيات من القرن 19، في عز هجمة الانسان الأبيض على الشعوب/الأراضي الهندية لأمريكا الشمالية..  (1)..

نص الخطبة..

بعث الرئيس من واشنطن رسالة يعلمنا فيها عن رغبته في شراء أرضنا.

ولكن كيف يمكنك شراء أو بيع السماء؟ أو الأرض؟

هذه الفكرة غريبة علينا.

كل جزء من هذه الأرض هو مقدس عند شعبي،

كل إبرة صنوبر وكل شاطئ وكل نقطة ندى في الغابات المظلمة وكل ينبوع ماء،

كلهم مقدسون في ذاكرة وخبرة شعبي.

نحن جزء من هذه الأرض وهي جزء منا.

الأزهار العطرة هي أخوتنا.

الدببة والغزلان والنسور هم إخواننا.

كل خيال في مياه البحيرات الصافية يخبر ذكريات في تاريخ شعبي.

رقرقة المياه هي صوت أجدادي،

الأنهار هي أخوتنا يحملون زوارقنا ويطعمون أولادنا.

إذا بعناكم أرضنا تذكروا أن الهواء غالٍ علينا،

أن الهواء يبعث روحه في كل حي يتنفس،

الريح التي أعطت أجدادنا نفسهم الأول في الحياة أيضا تستلم تنهدهم الأخير.

نعرف التالي: ليس مرجع الأرض الإنسان، وإنما الإنسان مرجعه الأرض.

كل شيء في الدنيا مترابط ترابط الدم الذي يوحدنا.

لم يصنع الإنسان الحياة ولكن هو فقط خيط في نسيجها.

كل ما يفعله لهذا العش من نفع أو ضرر سيعود عليه.

مستقبلكم غامض بالنسبة لنا.

ماذا سيحصل عندما تبيدون كل أبقار البافالو؟

ماذا سيحصل عندما تطغى رائحة الإنسان على زوايا الغابات النائية أو عندما تشوب الأسلاك الكهربائية مناظر الجبال؟

هذه هي نهاية العيش وبدء صراع البقاء.

عندما يختفي آخر هندي أحمر مع غاباته ولا يبقى من ذكرياته إلا خيال سحابة عابرة فوق البراري،

هل ستبقى هذه الشواطئ والغابات؟

هل سيبقى أي أثر لروح شعبي؟

نحب هذه الأرض كما يحب المولود الجديد دقات قلب أمه.

فإذا بعناكم أرضنا أحبوها كما أحببناها.

اعتنوا بها كما اعتنينا بها.

حافظوا في أذهانكم على ذاكرة الأرض كما كانت عندما استلمتموها.

حافظوا على الأرض لجميع الأطفال وأحبوها كما يحبنا الله جميعا.

نحن واثقون من شيء واحد ألا وهو أن الله واحد.

لا يمكن أن ينفصل عنه أي رجل سواء كان هنديا أحمر أم أبيض.

لذلك، نحن جميعا أخوة في نهاية المطاف.

هامش

(1): الخطبة جواب قائد هنود الدواميش بالوسط الأمريكي على رسالة يطلب فيها الرئيس الأمريكي لتلك الفترة بيع الزعيم الهندي الدولة الأمريكية أرض الأباء والأجداد..

عن الكاتب

محمد منير الحجوجي

محمد منير الحجوجي

محمد منير الحجوجي الوردي.. كاتب ومترجم.. منشغل بقضايا التخلف/الاستبداد/الفساد.... دوليا ومحليا.. يحلم بمغرب اخر غير هذا الذي يصر على الاندثار...