الأخبار

الحرب في الشرق الأوسط: حصيلة 14 آذار/مارس – تدهور ترامب…

الحرب في الشرق الأوسط: حصيلة 14 آذار/مارس – تدهور ترامب…

الحرب في الشرق الأوسط: حصيلة 14 آذار/مارس – تدهور ترامب…
بقلم يوري بودولاكا.. مدون روسي.
نقلاً عن قناته على تيليغرام.
مترجم عن الروسية (طنوس شلهوب)

يبدو دونالد ترامب مثيراً للشفقة بصراحة، بل ومضحكاً أيضاً. ويكفي النظر إلى تصريحاته الثلاثة الأخيرة بشأن «حرية مرور» السفن عبر مضيق هرمز.
في 13 آذار أعلن تحقيق نصر كامل على إيران، وأن السفن يمكنها المرور بحرية عبر مضيق هرمز، داعياً قادة السفن إلى عدم الخوف ومتابعة مساراتهم. لكن ما إن استجاب بعض القباطنة لنصيحته حتى تلقت سفنهم ضربات بطائرات مسيّرة وصواريخ.
بعد ذلك دعا ترامب الصين وفرنسا وبريطانيا إلى إرسال سفنها الحربية إلى المضيق لضمان أمن الملاحة فيه. وهو ما أثار استغراباً كبيراً لدى الصينيين. فـ«المنتصر العظيم على إيران» يبدو أنه لا يعلم حتى الآن أن السفن الصينية تعبر المضيق بهدوء أصلاً ولا تحتاج إلى أي حماية.
كما تبيّن أمس أن فرنسا وإيطاليا تجريان مفاوضات «منفصلة» مع طهران، أملاً في الحصول على موافقتها لضمان مرور سفنهما أيضاً. والمثير أن كلا البلدين قام بذلك مباشرة بعد تعرض قواعدهما في المنطقة لهجمات. ومن الواضح أنه في ظل هذه الظروف لا يمكن الحديث عن أي عمل عسكري ضد إيران من جانب روما أو باريس.
أما بريطانيا فقصتها مختلفة، لكنها لا تقل طرافة. فالبريطانيون أنفسهم يعلّقون بسخرية على «اقتراح» ترامب قائلين إن أسطول «جلالة الملك تشارلز» الملكي لن يكون قادراً حتى على حماية نفسه في الظروف الحالية في مضيق هرمز، فكيف له أن يضمن أمن الآخرين.
ومن الغريب أيضاً سماع مثل هذه التصريحات من رئيس أميركي، في حين أن الأسطول الأميركي «الذي لا يُقهر» – والذي يفترض أنه هزم الإيرانيين بالفعل – يتمركز جباناً خارج مدى الصواريخ الإيرانية ولا يجرؤ على اتباع نصيحة ترامب نفسه.
لذلك جاء التصريح الثالث لذلك «المهرّج» – والذي صدر أيضاً أمس – أشبه بالاستهزاء بشركائه:
«على الدول التي تتلقى النفط عبر مضيق هرمز أن تؤمّن أمنها وأمن سفنها بنفسها».
أي أن هذا الشخص، بعد أن فجّر الاستقرار في المنطقة ووقع في مأزق، تخلّى ببساطة عن المسؤولية عن العواقب واقترح على «الشركاء» أن يحلّوا مشاكلهم بأنفسهم. كم يبدو هذا أمريكياً.
وهذا النمط يتكرر في هذه الحرب في كل شيء. فعلى سبيل المثال، في الليلة السابقة (ليلة 14 آذار) نفّذت القوات الأميركية ضربة صاروخية بواسطة منظومة هيمارس على جزيرة خرج، حيث يقع الميناء النفطي الرئيسي لتصدير النفط الإيراني. وقد أُطلقت الصواريخ من أراضي البحرين والإمارات، اللتين تلقيتا بعد ذلك الرد مباشرة.
فقد تعرّض ميناء الفجيرة – وهو الميناء الذي يُستخدم بديلاً لتجاوز مضيق هرمز – لضربة جديدة. وهذه الضربات أصبحت يومية وتعرقل عمله بشدة، وبالتالي تعرقل أيضاً تصدير النفط. كما استهدفت الضربات مكاتب بنوك أميركية، في خطوة تُعد مرحلة جديدة في هجمات إيران على الإمارات.
والإيرانيون يواصلون منذ أسبوعين تقويض صورة الإمارات حجراً بعد حجر، ويجب الاعتراف بأنهم حققوا نتائج ملموسة في ذلك.
وبالمناسبة، فقد جرى اعتقال نحو 50 شخصاً بسبب نشر صور ومقاطع فيديو للضربات على الإمارات، إذ تعتبر السلطات – القلقة على مستقبلها – أن هذه المواد «تضر بالنظام». لكن ذلك لا يجدي كثيراً، لأن اللقطات ما زالت تظهر، بما في ذلك من على متن السفن الأجنبية التي تنشرها بسرور.
وفي الوقت نفسه تواصل إيران توجيه ضربات يومية إلى إسرائيل. وهذه الضربات تمر بسهولة مفاجئة، وقد أصبحت بالنسبة للإسرائيليين نوعاً من الروتين وثمناً لطموحاتهم. ليس فقط طموحات رئيس حكومتهم بنيامين نتنياهو، بل طموحاتهم هم أيضاً، إذ إن الدعم داخل إسرائيل لضرب إيران يكاد يكون شاملاً، وبالتالي لا أحد يلوم إلا نفسه.
أما برأيي، فإن أهم أحداث الأمس جرت في العراق، حيث تحاول الولايات المتحدة كسر مقاومة «الميليشيات الشيعية» التي أطلقت داخل البلاد حرب عصابات حقيقية ضد «المعتدين». ونتائج هذه المواجهة ستحدد الكثير، بما في ذلك قرار شن عملية برية ضد إيران.
وهذه العملية، التي تدفع إيران الولايات المتحدة إليها عبر مقاومتها ونجاحاتها، قد تكون بالنسبة لواشنطن إما نصراً أو كارثة.

عن الكاتب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب اكاديمي وكاتب لبناني مقيم في كندا

السياسة

من إيران الى الاسلام، خطاب المأزق!

من إيران الى الاسلام، خطاب المأزق!

في كثير من الأحيان، تكشف اللغة السياسية التي تُستخدم في زمن الحروب ما تعجز الوقائع الميدانية عن قوله صراحة. في هذا السياق يمكن فهم عودة بنيامين نتنياهو إلى خطاب يتحدث فيه عن مواجهة «التطرف الاسلامي السني والشيعي» .

يمكن قراءة هذا الخطاب في ضوء المأزق الذي يواجهه العدوان الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. فالمشروع الصهيو-أميركي كان يفترض تحقيق نتائج سريعة وفق اولويات: إسقاط النظام، او إخضاعه وفق السيناريو الفنزويلي. غير أن تعثر تحقيق إنجاز حاسم امام صمود ايراني فاجأ المعتدين، وبدء انكشاف كلفة المواجهة وتعقيداتها، وضع نتانياهو، الذي كان يقدم نفسه بصورة فرعون المنطقة الذي لا يُهزم، أمام مأزق حقيقي.

في مثل هذه اللحظات، يصبح الخطاب الأيديولوجي أداة لتعويض الفشل الميداني بصيغة مواجهة حضارية أو دينية شاملة. عندما تُعرَّف الحرب، في الخطاب السياسي، على أنها مواجهة بين إسرائيل و«الإسلام السني والشيعي»، فإن غياب النتائج العسكرية السريعة لم يعد يبدو إخفاقا مباشرا، بل جزءا من معركة طويلة ومعقدة بطبيعتها.

كما يخدم هذا الخطاب هدفا آخر يتمثل في محاولة إعادة تعبئة المعسكر الغربي حول إسرائيل. فحين تُقدَّم إسرائيل بوصفها رأس الحربة في مواجهة «خطر إسلامي» شامل، يصبح من الأسهل مطالبة الحلفاء الغربيين بتقديم دعم سياسي وعسكري أكبر، وتحويل الحرب من صراع إقليمي إلى قضية ذات بعد عالمي.

واللافت في هذا السياق أن نتنياهو جمع السنة والشيعة في خطاب واحد، وهو ما يعكس إدراكا صهيونيا بأن الاستقطاب الطائفي (سني - شيعي) الذي ساد في المنطقة خلال السنوات الماضية لم يعد كافيا لتأمين البيئة الاستراتيجية التي كانت تل أبيب تستفيد منها. لذلك يجري الانتقال من خطاب يستثمر في الانقسامات داخل المنطقة إلى خطاب يعيد رسم خط مواجهة أشمل بين إسرائيل والعالم الإسلامي برمته.

بهذا المعنى، لا تبدو عودة نتنياهو إلى لغة المواجهة الحضارية تعبيرا عن ثقة بالنصر بقدر ما تعكس محاولة لإدارة آثار المأزق. فكلما تعثر تحقيق الإنجاز العسكري، ازدادت الحاجة إلى خطاب يوسع إطار الصراع ويعيد تعريفه في وظيفة مزدوجة الاهداف للتعبئة الداخلية والخارجية.

عن الكاتب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب اكاديمي وكاتب لبناني مقيم في كندا

الأخبار

المقاومة ودولة الكومبرادور!

المقاومة ودولة الكومبرادور!

في التناقض البنيوي بين التحرير والتبعية.

الحرب على المقاومة في لبنان لم تبدأ اليوم، بل بدأت فعلياً منذ لحظة الانسحاب الإسرائيلي المذل من جنوب لبنان عام 2000، حين سقطت بصورة مدوية أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر». يومها انهارت أيضاً منظومة العملاء الذين هرب كثير منهم خلف جيش الاحتلال، بعدما اكتشفوا فجأة أنهم أصبحوا بضاعة منتهية الصلاحية. في المقابل، تعاظمت في أعين اللبنانيين والعرب صورة المقاومة القادرة على فرض الانتصار. غير أن هذا المشهد لم يولد فجأة؛ فقد كانت بذوره قد زُرعت منذ الرصاصات الأولى التي أطلقت في صدر الاحتلال في بيروت عام 1982 مع انطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، قبل أن يبلغ هذا المسار ذروته مع إنجاز التحرير على يد المقاومة الإسلامية. وكما في كل تجارب تحرر الشعوب، كان الثمن الذي دفعه اللبنانيون باهظاً، بل باهظاً جداً.

لكن تحرير الأرض لم يترافق مع مشروع اقتصادي-اجتماعي لفك التبعية عن المركز الإمبريالي. فمهمة كهذه تتطلب قوى داخلية قادرة على خوض معركة طويلة ومعقدة ضد بنية اقتصادية وسياسية متجذرة. وقد جاء ذلك في لحظة تاريخية اتسمت بطغيان إمبريالي عالمي، وغياب ظهير دولي داعم لمشاريع التحرر، إلى جانب تراجع المشاريع «الاستقلالية» التي رفعت شعاراتها قيادات قومية عربية في بلدان مثل سوريا والعراق. أما على الصعيد الداخلي، فقد التحق قسم من «اليسار» بالسلطة وتخلى تدريجياً عن برامجه، بينما كان الحزب الشيوعي اللبناني يرزح تحت وطأة أزمة عميقة وتراجع سياسي وتنظيمي. وفي المقابل، فإن حزب الله، الذي أنجز مهمة التحرير العسكرية، لم يكن يمتلك برنامجاً اقتصادياً-اجتماعياً بديلاً عن النموذج الريعي الذي كرسته البرجوازية الكومبرادورية في لبنان.

غير أن الانتصار العسكري للمقاومة لم يترافق مع تحول موازٍ في البنية الاقتصادية للدولة. فلبنان بقي أسيراً لنموذج اقتصادي ريعي يقوم على الخدمات المالية والمصرفية والتحويلات الخارجية، وهو نموذج يعيد إنتاج التبعية للمراكز الرأسمالية العالمية. وهكذا نشأ تناقض موضوعي: مقاومة تواجه المشروع الإمبريالي عسكرياً، ودولة يستند اقتصادها إلى علاقات عضوية مع هذا المشروع نفسه. وفي مثل هذا السياق يصبح الانتصار العسكري، مهما كان كبيراً، محكوماً بقيود البنية الاقتصادية التي تحتضنه.

ولا يتعلق الأمر فقط بمواقف قوى سياسية أو اصطفافات ظرفية، بل بطبيعة الدولة نفسها. فالدولة اللبنانية التي نشأت في ظل الانتداب لم تتشكل كدولة سيادة وطنية مكتملة، بل كإطار لإدارة التوازنات الطائفية والاقتصادية المرتبطة بالخارج. لقد صُمم هذا الكيان ليكون مساحة تسوية بين مصالح داخلية متشابكة مع مصالح دولية، أكثر مما صُمم ليكون دولة قادرة على خوض صراع طويل مع منظومة الهيمنة العالمية. ومن هنا كان التوتر شبه الدائم بين مشروع مقاومة يسعى إلى فرض معادلة سيادية، وبنية دولة تقوم وظيفتها الأساسية على تجنب مثل هذا الصدام.

كما أن العداء للمقاومة داخل بعض الأوساط اللبنانية لا يرتبط فقط بالخلاف حول السلاح أو حول العلاقة مع إسرائيل، بل يعكس خوفاً اجتماعياً وطبقياً من التحولات التي قد يفرضها ميزان القوى الذي صنعته المقاومة. فصعود قوى اجتماعية كانت تاريخياً مهمشة في البنية السياسية والاقتصادية للبلاد يهدد التراتبية التقليدية التي حكمت المجتمع اللبناني لعقود سابقة، وهو ما يدفع بعض النخب إلى النظر إلى المقاومة ليس فقط كقوة عسكرية، بل كعامل محتمل لإعادة توزيع القوة داخل المجتمع نفسه.

وهنا يبرز السؤال الأعمق الذي يفرضه هذا المسار كله: هل يمكن لمشروع مقاومة طويل الأمد أن يستقر فعلاً داخل دولة تقوم بنيتها الاقتصادية والسياسية على منطق التبعية؟ أم أن هذا التناقض البنيوي سيظل يعيد إنتاج نفسه في أزمات متلاحقة؟

في هذا السياق، تبدو الطائفية في لبنان أبعد بكثير من كونها «مرضاً» عابراً يمكن معالجته ببعض الإصلاحات السياسية. فهي في جوهرها الشكل التاريخي الخاص لبنية السلطة في البلد، ووظيفتها الأساسية ضمان إعادة إنتاج التبعية الاقتصادية والسياسية، بما يخدم مصالح المركز الإمبريالي في الخارج، والبرجوازية الكومبرادورية في الداخل.

بعد أحداث 11 أيلول 2001، سعت الإمبريالية الأميركية إلى إعادة تشكيل المنطقة العربية بما يتجاوز ترتيبات سايكس-بيكو التي لم تعد، في نظرها، قادرة على تأمين مصالحها الاستراتيجية. كان الهدف المركزي يتمثل في دمج المشروع الصهيوني في المنطقة باعتباره جزءاً عضوياً من نظامها السياسي والاقتصادي، مستفيدة من التراجع التاريخي لحركة التحرر الوطني العربية، ومن انتقال مركز الثقل في القضية الفلسطينية من حركة مقاومة إلى سلطة متعايشة مع الاحتلال. في هذا السياق، شكلت المقاومة في لبنان إحدى أبرز العقبات أمام هذا المشروع، وهو ما دفع إسرائيل إلى شن حربها المدمرة على لبنان عام 2006 أملاً في سحق المقاومة وفرض شروط الاستسلام عليها. غير أن نتائج الحرب جاءت معاكسة لتلك التوقعات؛ فبالرغم من الدمار الهائل والخسائر البشرية والتهجير، تمكنت المقاومة من منع الجيش الإسرائيلي من تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية، بل وألحقت به هزيمة واضحة.

بعد عام 2005، ومع التحولات السياسية التي شهدها لبنان، انتقلت القوى السياسية المعادية للمقاومة – والتي تعبر في جوهرها عن مصالح البرجوازية اللبنانية المرتبطة بالخارج – من مرحلة التعايش القلق مع وجود مقاومة مسلحة إلى مرحلة العداء العلني لها، برعاية خليجية وإدارة أميركية مباشرة للصراع.

ومع طوفان الأقصى ودخول المقاومة اللبنانية في حرب الإسناد، ارتفع منسوب الخطاب المعادي للمقاومة إلى مستويات غير مسبوقة من التحريض. ولم يقتصر الأمر على مهاجمة خيار المقاومة نفسه، بل امتد ليطال البيئة الاجتماعية التي تشكل حاضنتها الأساسية، مستعيداً صوراً تاريخية من التهميش والاستغلال الاجتماعي الذي عانت منه شرائح واسعة من هذه البيئة. وقد اختلط في هذا الخطاب البعد الاجتماعي بالتحريض الطائفي وبالسخرية من العادات والطقوس الدينية، في محاولة واضحة لتفكيك النسيج الاجتماعي وإذكاء الانقسامات الداخلية، بما يخدم مشاريع التفتيت التي تُرسم للمنطقة.

اليوم تمر المقاومة في لبنان بمرحلة شديدة الصعوبة، في ظل العدوان الأميركي-الصهيوني المتواصل على إيران وعلى بقية قوى محور المقاومة. فهي لا تواجه فقط آلة القتل والتدمير الإسرائيلية، بل أيضاً قوى داخلية ربطت مشروعها السياسي صراحة بالمحور الأميركي-الإسرائيلي، وذهبت بعيداً في رهاناتها إلى حد المجازفة بالسلم الأهلي من أجل كسر المقاومة أو نزع سلاحها. وخلال الفترة التي تلت حرب الاسناد وبنتيجة الضربات التي وُجهت للمقاومة، عملت الولايات المتحدة على إعادة تركيب السلطة في لبنان – سياسياً وقضائياً وأمنياً – بما ينسجم مع مشروعها لإلحاق لبنان بالمشروع الابراهيمي، بالتوازي مع إدارة مكثفة للحرب الإعلامية والنفسية بهدف إضعاف البيئة الحاضنة للمقاومة واستنزاف قدراتها البشرية والسياسية.

إن صمود إيران واستمرار المقاومة في لبنان في مواجهة هذه الحرب الوجودية قد يفرضان في نهاية المطاف توازناً جديداً يدفع التحالف الامبريالي الصهيوني المعادي إلى تقديم تنازلات. غير أن السؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد كل هذه التضحيات يبقى سؤالاً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد: كيف يمكن لمقاومة خاضت معركة وجودية دفاعاً عن الوطن أن تتعايش مستقبلاً مع قوى داخلية لم تكتفِ بمعارضتها، بل ذهبت إلى حد التواطؤ مع الأعداء لقطع رأسها؟

عن الكاتب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب اكاديمي وكاتب لبناني مقيم في كندا

حوارات ونقاشات

الهمجية الصهيونية ومعركة الوعي!

الهمجية الصهيونية ومعركة الوعي!

في كل الحروب الاستعمارية، لا يكتفي المعتدي باستخدام القوة العسكرية، بل يسعى أيضا إلى احتلال الوعي. فالقوة الحقيقية لا تتحقق فقط عندما يفرض العدو إرادته بالقصف والتدمير، بل عندما ينجح في إقناع ضحاياه بأنهم هم سبب ما يحدث لهم. هنا تتحول الهيمنة من مجرد تفوق عسكري إلى هيمنة سردية وفكرية.

هذا ما نشهده اليوم في لبنان لدى بعض الخطابات التي تحمّل المقاومة مسؤولية التهجير والتدمير المنهجي والوحشي والقتل الذي يرتكبه الاحتلال الصهيوني. في هذه المقاربة يتم قلب المعادلة بالكامل: يصبح المعتدي ثانويا في السردية، بينما تتحول الضحية أو من يقاوم العدوان إلى المتهم الأول. وهكذا تُعاد صياغة الحدث وفق المنطق الذي يريده العدو نفسه.

ليست هذه الظاهرة جديدة في تاريخ الاستعمار. فالهيمنة الاستعمارية لطالما عملت على إعادة إنتاج سرديتها داخل المجتمعات المستهدفة. يصبح النقاش عندئذ ليس حول الجريمة ذاتها، بل حول ما إذا كان الضحية قد "استفزّ" الجلاد. وفي هذه اللحظة تحديدا يحقق المشروع الاستعماري أحد أهم أهدافه: أن يتبنى بعض أبناء المجتمع الواقع تحت العدوان لغة العدو ومفاهيمه وتحليلاته.

الأخطر من القصف نفسه اذاً، هو ما يحدث في مستوى الخطاب. ففي خضم هذه الوقائع، يظهر خطاب يحمّل المقاومة مسؤولية ما يجري من تدمير وتهجير، وكأن العدوان الإسرائيلي ليس سوى رد فعل على وجودها. هكذا يحدث انقلاب كامل في رؤية الوقائع: فبدلا من تسمية المعتدي باسمه، يُنقل اللوم إلى الطرف الذي يواجهه.

إن هذا المنطق يعكس نجاحا جزئيا للرواية التي يسعى المشروع الصهيوني إلى فرضها منذ عقود. فهذه الرواية تقوم على فكرة بسيطة لكنها شديدة الفعالية: إسرائيل ليست دولة تمارس القوة، بل دولة “مضطرة” دائما للدفاع عن نفسها. ومن خلال تكرار هذا الخطاب في الإعلام والسياسة الدولية، يصبح من الممكن تحويل كل حرب تشنها إلى فعل دفاعي، مهما كان حجم الدمار الذي تخلّفه.

إن تحميل المقاومة مسؤولية جرائم الاحتلال من قبل قوى اليمين اللبناني المرتبطة بالغرب الامبريالي، ووسائل الاعلام المرتزقة الممولة من انظمة الخليج، هو جزء من الصراع ومن وظيفة هذه القوى، وادواتها الاعلامية، في سعيها للسيطرة والحاق الهزيمة بالمقاومة. نحن هنا بمواجهة اختلاف سياسي عميق حول الخيارات أو الاستراتيجيات، ومن اولويات هذه القوى مع اسيادها إحداث اختراق عميق للوعي الاجتماعي بالسردية المهيمنة. فبدلا من تسمية الفاعل الحقيقي – أي القوة التي تمتلك الطائرات وتقصف البيوت وتقتل المدنيين العزل، الاطفال والنساء والشيوخ، وتهجر قرى وبلدات واحياء بكاملها– يجري تحويل النقاش إلى محاكمة من يواجه هذا العدوان.

الهيمنة في معناها الأعمق لا تُمارَس فقط بالقوة، بل عبر تشكيل الإدراك العام بحيث يبدو الواقع كما يريده الأقوى. وعندما يبدأ المجتمع نفسه بإعادة إنتاج هذه القراءة، يصبح الصراع ليس فقط على الأرض، بل أيضا على المعنى والذاكرة.

لذلك فإن مواجهة الهيمنة لا تقتصر على مواجهة العدوان العسكري، بل تشمل أيضاً تحرير الوعي من سرديات القوة المهيمنة، وإعادة وضع المسؤوليات في مكانها الحقيقي: حيث يُسمّى المعتدي معتديا والضحية ضحية، والمقاومة فعلا نشأ في سياق العدوان لا سببا له.

عن الكاتب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب اكاديمي وكاتب لبناني مقيم في كندا

التقنيات المتقدمة

الذكاء الاصطناعي في الحروب : قوة بلا إرادة!

الذكاء الاصطناعي في الحروب : قوة بلا إرادة!

د. طنوس شلهوب

إن التضخيم الإعلامي لدور الذكاء الاصطناعي، مقابل الخوف غير المنضبط من تبعاته، يفرضان نقاشا علميا يميّز بين الواقع والخيال، ويضع الأمور في نصابها: الذكاء الاصطناعي أداة متطورة تعزّز قدرة الإنسان، لكنها لا تحلّ محلّه في تحديد الغايات وصنع القرار.

في الحروب الحديثة اصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من منظومات القرار العسكري. غير أن الصورة الشائعة عنه — بوصفه “عقلا إلكترونيا يضغط الزناد” — تبقى أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. فالذكاء الاصطناعي لا يحل مكان العامل البشري، بل يعيد تشكيل البيئة التي يتخذ فيها العسكريون القرار.

يبدأ الدور الأهم في تحليل البيانات الضخمة. الجيوش الحديثة تغرق في سيل من الصور الفضائية، إشارات الاتصالات، مقاطع الطائرات المسيّرة، وبيانات الرادار. هنا تتدخل الخوارزميات لفرز هذا الكم الهائل، واكتشاف الأنماط الشاذة أو التحركات غير المعتادة.

مشاريع مثل “Project Maven” التابعة لـ
United States Department of Defense وزارة الدفاع الاميركية، تُظهر كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصر ساعات من التحليل البشري إلى دقائق، عبر التعرف الآلي على الأجسام والتحركات في ساحات القتال.

في مجال الاستخبارات الإشارية، يساعد الذكاء الاصطناعي على تحليل تدفقات الاتصالات اللاسلكية ورصد التغيرات الدقيقة في أنماط البث. هو لا “يقرأ العقول”، لكنه يستطيع ملاحظة أن نمطا معينا من الاتصالات تكرر قبيل تحرك عسكري سابق، فيرفع درجة الإنذار. هنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة تنبيه مبكر، لا صاحب قرار.

أما في الحرب السيبرانية، فيؤدي دورا مزدوجا: دفاعيا عبر اكتشاف الهجمات الإلكترونية بسرعة أكبر، وهجوميا عبر تحليل نقاط الضعف في الشبكات المعادية. ومع أن هذا المجال يظل محاطا بالسرية، إلا أن الثابت أن السباق فيه عالمي، تشارك فيه القوى الكبرى والإقليمية على حد سواء.

وفي ميدان الطائرات المسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل، يساهم الذكاء الاصطناعي في الملاحة، تجنب العوائق، وتحديد الأهداف المحتملة. لكن معظم الجيوش لا تزال تعتمد مبدأ “الإنسان في الحلقة”، أي أن القرار النهائي باستخدام القوة يبقى بيد عنصر بشري.

بعيدا عن ساحات القتال، يظهر دور أقل صخبا وأكثر تأثيرا في اللوجستيات والصيانة التنبؤية: توقع الأعطال قبل وقوعها، إدارة سلاسل الإمداد، وحساب الاستهلاك المتوقع للذخائر. هذه الاستخدامات لا تتصدر العناوين، لكنها تعزز القدرة القتالية بشكل ملموس.

من المهم التمييز بين الأنظمة العسكرية المغلقة وبين النماذج التجارية التي تطورها شركات مثل
Anthropic أو OpenAI.
الأولى تُبنى على بيانات سرية وتُدمج ضمن شبكات قيادة وتحكم عسكرية، بينما الثانية صُممت أساسا لأغراض مدنية وتجارية (وهذا لا يمنع من احتمال استخدامها عسكريا).

غير أن الاعتماد المتزايد على مؤشرات الذكاء الاصطناعي لا يخلو من مخاطر؛ فالخوارزميات، مهما بلغت دقتها، تبقى رهينة جودة البيانات التي تتغذى منها وافتراضات المصمّمين الذين بنوها. وإذا ما أُسيء تفسير مخرجاتها أو مُنحت ثقة مطلقة، فقد تقود إلى قرارات خاطئة تُضخم الخطأ بدل أن تصححه. لذلك يبقى الحكم البشري النقدي شرطا لازما لموازنة سرعة الآلة بحكمة التقدير.

في الخلاصة، الذكاء الاصطناعي ليس كيانا مستقلا يتخذ قراراته بمعزل عن البشر، بل هو أداة متطورة للغاية تعزز قدرة الإنسان على التحليل والاستنتاج واتخاذ القرار. قوته تكمن في سرعته الفائقة في معالجة البيانات، واكتشاف الأنماط التي قد تعجز العين البشرية عن رصدها، وتقليص هامش الخطأ في البيئات المعقدة. غير أن فعاليته وحدوده يحددهما دائما الإطار البشري. فهو يسرّع الفعل، لكنه لا يخلق الغاية؛ يعظّم القدرة، لكنه لا يستبدل الإرادة.

عن الكاتب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب اكاديمي وكاتب لبناني مقيم في كندا

السياسة

!مع ايران، نعم

!مع ايران، نعم

د. طنوس شلهوب

أنا مع إيران، لا لانني أتبنى شكل نظامها السياسي أو أبرّر كل سياساته، بل لأنني أنظر الى موقعها في البنية الإمبريالية. المسألة، في جوهرها، ليست مذهبية ولا ثقافية، بل صراع بين مركز إمبريالي يسعى إلى إعادة إنتاج هيمنته، وطرف يحاول توسيع هامش سيادته وفك تبعيته.

النظام الرأسمالي العالمي ليس ساحة تبادل متكافئ، بل منظومة تفرض على الأطراف دورا محددا: تصدير المواد الخام، استيراد السلع المصنعة، والخضوع لمنظومة مالية وتكنولوجية يتحكم بها المركز. حين يحاول بلد طرفي أن يعيد توجيه موارده لبناء قاعدة صناعية، أو أن يطور قدراته الدفاعية، أو أن ينسج تحالفات خارج المدار الأطلسي، فإنه يصطدم حتما بآليات الضبط: العقوبات، الحصار، الشيطنة الإعلامية، وأخيرا التهديد أو العدوان.

ما يُسمى «المجتمع الدولي» ليس إلا التعبير السياسي عن كتلة تاريخية مهيمنة، بالمعنى الغرامشي، تُحسن الجمع بين القوة والإقناع. هذه الكتلة لا تكتفي بالردع العسكري، بل تبني خطابا أخلاقيا عن «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» لتبرير إخضاع كل من يحاول كسر قواعد اللعبة. وحين يُعاد إنتاج صورة إيران كـ«خطر مطلق مصدّر للإرهاب »، فإن ذلك يخدم وظيفة أيديولوجية: تحويل الصراع البنيوي إلى مسألة ثقافية أو دينية.

وليس التواطؤ الغربي حكرا على واشنطن. فالعواصم الأوروبية وأوتاوا لا تقف في موقع الوسيط المحايد، بل في موقع الشريك البنيوي داخل المنظومة الأطلسية. العقوبات، الغطاء الدبلوماسي، إعادة إنتاج الخطاب الأمني ذاته — كل ذلك يكشف أن ما يُسمّى «القلق الأوروبي» ليس سوى لغة لسياسة واحدة: منع أي طرف من توسيع هامش استقلاله. إن أوروبا التي تتحدّث عن القانون الدولي، وكندا التي تتغنى بالتعددية، تنخرطان عمليا في منظومة الردع وفي تبرير العدوان والعمل العسكري حين يتعلّق الأمر بتحدّي مركز النظام العالمي.

أما تواطؤ الانظمة العربية والخليجية، فلا يُفهم إلا من خلال موقعها البنيوي. فالأنظمة الريعية المرتبطة بالسوق العالمية تشكّل جزءا من الكتلة التابعة، وتجد في المظلة العسكرية الأميركية ضمانة لاستمرارها. أي تجربة إقليمية تحاول توسيع هامش الاستقلال تشكل تهديدا لها، لأنها تفضحها عندما تطرح سؤالا: هل يمكن كسر معادلة التبعية؟

معيار العداء الإمبريالي ليس علمانية النظام أو تدينه. لقد تحالف المركز الإمبريالي تاريخيا مع أنظمة محافظة ودينية حين كانت مندمجة في بنيته، وعادى أنظمة علمانية حين خرجت عن طاعته. المسألة ليست في شكل النظام السياسي، بل في موقع الدولة من سلاسل التبعية. لذلك فإن اختزال الصراع في «ثيوقراطية» مقابل «حداثة» هو تضليل يخفي جوهر النزاع: من يملك القرار السيادي في توجيه الفائض الوطني؟

قد تكون التجربة الإيرانية مثقلة بتناقضاتها الطبقية الداخلية، وهي لا تمثل نموذجا اشتراكيا، لكن الصراع الدائر حولها يتجاوز هذه الحدود. إنه صراع على حقّ بلد طرفي في أن لا يبقى طرفا تابعا إلى الأبد.

لا يمكن فهم شدة الاستهداف من دون التوقف عند موقع إيران من القضية الفلسطينية. فمنذ عقود، اختارت الوقوف في الضفة المقابلة لمسار التطبيع والاندماج في المنظومة الإقليمية التي ترعاها واشنطن. دعمها الثابت لفلسطين — سياسيا وماديا — وضعها في مواجهة مباشرة مع الكيان الغاصب، أحد أعمدة النظام الإمبريالي في المنطقة. هنا يتقاطع البعد الجيوسياسي مع البعد الرمزي: ففلسطين ليست قضية حدود، بل عقدة الهيمنة ذاتها. ومن يرفض التسليم بشرعية الأمر الواقع هناك، إنما يطعن في بنية النظام الإقليمي برمّته.

في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وقف الشيوعيون مع عبد الناصر ضد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، رغم أن النظام كان يلاحقهم ويسجنهم. هذا الانحياز يُقاس بمبدأ أساسي: مواجهة العدوان وحماية الاستقلال.

أنا مع إيران، ببساطة، لأن الشيوعي يقف في خندق الشعوب حين تتعرض للعدوان الإمبريالي، حتى وهو يحتفظ بحقه في نقد البنى الطبقية الداخلية لتلك المجتمعات. الانحياز هنا ليس انحيازا لسلطة، بل انحياز إلى مبدأ: أن التناقض الرئيسي في لحظة العدوان هو بين الهيمنة والاستقلال، بين المركز الذي يفرض إرادته بالقوة، والطرف الذي يحاول أن ينتزع حقه في تقرير مصيره.

الاستقلال ليس جريمة. والجريمة الحقيقية هي أن يُعاقَب من يرفض الانحناء.

الوطن او الموت… سننتصر.

عن الكاتب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب اكاديمي وكاتب لبناني مقيم في كندا

السياسة

اليسار، ازمة مشروع أم أزمة بنية؟ التاريخ لا ينتظر!

اليسار، ازمة مشروع أم أزمة بنية؟ التاريخ لا ينتظر!

يصور خالد الكريشي في مقاله «اليسار العربي خارج التاريخ» في جريدة المغرب الالكترونية اليسار العربي كقوة غائبة، أسيرة الجمود الأيديولوجي، ومنفصلة عن هموم الناس اليومية. ينتقد المقال غياب المشاريع العملية وضعف التأثير السياسي، لكنه يغفل عن عاملين حاسمين: الهيمنة الإمبريالية التي تشكل عائقا جوهريا أمام أي مشروع تقدمي، والهشاشة البنيوية التي تحدد إمكانيات التحرك في مجتمعاتنا. من هنا، يطرح المقال فرصة للرد: إعادة التفكير في فاعلية اليسار لا تبدأ بالتشخيص وحده، بل بفهم العوامل التاريخية والاقتصادية التي تحدد قدرته على التغيير.

تتكرر أطروحة تقول إن اليسار العربي أصبح “خارج التاريخ”، وإن الإسلام السياسي هو الذي يتصدر صناعة الأحداث وتحديد موازين القوة. لا شك أن اليسار يعيش أزمة عميقة تنظيميا وشعبياً. لكن تحويل هذه الأزمة إلى حكم نهائي بالإقصاء التاريخي ينطوي على تبسيط مخلّ لواقع أكثر تعقيدا.

المسألة ليست في إنكار الأزمة، بل في كيفية تفسيرها:
هل هي أزمة ذاتية خالصة؟
أم أنها نتاج تفاعل بين اختلالات داخلية وبنية تبعية خارجية تضيق هامش الفعل السياسي؟

اولا: اليسار عموماً تراجع في مواقع السلطة والتمثيل، لكن في الحراكات الاجتماعية، في النقابات المهنية، في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لا يزال الحسّ اليساري حاضراً، حتى لو لم يُترجم إلى قوة شعبية كبرى. التراجع السياسي لا يعني العدم التاريخي، بل يعكس خللًا، وربما كبيراً، في التمثيل والتنظيم.

ثانيا: اختزال المشهد في الإسلام السياسي وتقديمه كفاعل أوحد يتجاهل بنية السلطة الفعلية في المنطقة: أنظمة عسكرية وأمنية تمسك بالمفاصل. اقتصاد ريعي مرتبط بالأسواق العالمية. تدخلات إقليمية ودولية ترسم حدود الممكن.
حتى في فلسطين، حيث ارتبطت المقاومة في السنوات الأخيرة باسم حركة حماس، لا يمكن إلغاء حضور فصائل يسارية مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولا اختزال المشهد في فاعل واحد.
الصراعات الجارية في المنطقة لا تُختزل في ثنائية “سني–شيعي” أو “إسلامي–غير إسلامي”، بل تتداخل فيها اعتبارات جيوسياسية واقتصادية أعمق.

ثالثا: البعد البنيوي – مجتمعات طرفية في نظام عالمي غير متكافئ. هنا يكمن عنصر غالبا ما يُهمل في تشخيص أزمة اليسار: موقع البلدان العربية في النظام الرأسمالي العالمي بوصفها اقتصادات طرفية أو شبه طرفية. وهذه المجتمعات تعاني من: مديونية مزمنة تربط القرار الاقتصادي بشروط المؤسسات المالية الدولية. تبعية تكنولوجية وعسكرية. اقتصاد ريعي أو استهلاكي أكثر منه إنتاجي. هشاشة في السيادة الغذائية والصناعية. في مثل هذا السياق، يصبح هامش السياسات الاجتماعية المستقلة محدوداً. وأي مشروع عدالة اجتماعية يصطدم بسقف خارجي: اتفاقيات، ديون، التزامات أمنية، وضغوط سياسية.
أزمة اليسار هنا ليست فقط عجزاً تنظيمياً، بل أزمة مشروع تحرري في فضاء عالمي يضغط باستمرار لإعادة إنتاج التبعية. فبعد انهيار تجارب التحرر الوطني في السبعينيات والثمانينيات، أُعيد دمج الاقتصادات العربية في السوق العالمية بشروط غير متكافئة، وتراجعت إمكانات التنمية المستقلة.
إن تحميل اليسار كامل المسؤولية عن التراجع يغفل هذه الحقيقة البنيوية، كما أن ردّ كل شيء إلى “المؤامرة الخارجية” يعفي القوى المحلية من مسؤوليتها. التحليل المتوازن يربط بين العاملين.

رابعا: بين التكتيك والذيلية. في بيئات استقطاب حاد، تضطر القوى السياسية إلى تحالفات ظرفية.
بعض قوى اليسار أخطأت في التموضع، ووقعت في اصطفافات أضعفت صورتها. هذا صحيح.
لكن تعميم “الذيلية” كحكم شامل يتجاهل الفوارق بين تحالف تكتيكي لحظة معينة، وبين ذوبان كامل في مشروع آخر. السياسة في المجتمعات المنقسمة ليست مختبرا نظريا نقيا، بل ساحة معادلات معقدة.

خامسا: أزمة تمثيل في بيئة سلطوية. الحديث عن “توحيد المرشحين” و”التداول الديمقراطي” يفترض بيئة سياسية طبيعية. لكن في معظم الدول العربية: المجال العام مُقيّد. المال السياسي طاغٍ. التنظيم النقابي محاصر. والانتخابات (حيث تُمارس) محدودة الأثر أو خاضعة لميزان قوة غير متكافئ. في مثل هذه البيئة، لا تكون أزمة اليسار أزمة خطاب فقط، بل أزمة إمكانية سياسية موضوعية.

سادسا: الحاجة الموضوعية لمشروع عدالة اجتماعية. رغم كل شيء، تتسع الفجوات الاجتماعية، تتآكل الطبقة الوسطى، تتراجع الخدمات، وتتصاعد البطالة والهجرة. هذه التحولات تخلق موضوعيا حاجة إلى مشروع ديمقراطي اجتماعي. المفارقة أن الحاجة إلى اليسار تزداد في اللحظة التي يضعف فيها تنظيميا.
لكن أي عودة جدية لا يمكن أن تقوم على شعارات مجردة، بل على:
إعادة بناء التنظيم من القاعدة الاجتماعية.
بلورة برنامج اقتصادي واقعي يواجه التبعية لا يتجاهلها.
الجمع بين العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني.
تجديد الخطاب دون التفريط بالجوهر.

اليسار العربي ليس خارج التاريخ، بل داخل معادلة اختلال كبرى: اختلال داخلي في التنظيم والتجديد، واختلال خارجي في بنية النظام العالمي. وتجاهل أحد البعدين ينتج تحليلًا مبتورا.
فلا يمكن فهم التراجع من دون نقد ذاتي، ولا يمكن تجاوزه من دون مواجهة منطق التبعية والهيمنة.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان اليسار قد خرج من التاريخ، بل كيف يمكن لقوى العدالة الاجتماعية في مجتمعات طرفية خاضعة لضغوط خارجية وداخلية أن تعيد بناء مشروع تحرري ديمقراطي اجتماعي قابل للحياة.
التاريخ لم يُغلق بعد. لكنه لا ينتظر أحداً.

د. طنوس شلهوب

عن الكاتب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب

طنوش شلهوب اكاديمي وكاتب لبناني مقيم في كندا