حوارات ونقاشات

تقييم أولي في توصيف أزمة الفكر الماركسي بالمغرب

تقييم أولي في توصيف أزمة الفكر الماركسي بالمغرب

ما يميز الحالة الراهنة للفكر الماركسي ، بغض النظر عن تياراته المتنوعة هو الركود والتراجع في الاهتمام بالفكر الماركسي في المغرب على مستويات مختلفة، سواء في الساحة الجامعية أو السياسية أو الفكرية.
لا شك أن غياب تدريس الماركسية ومناهجها في جامعتنا المغربية ، وضعف تأطير الطلبة اليساريين لقضايا الفكر والسياسة ، كان له أثر بين على انفراد الدولة وأطرها في تمييع الجدال الفكري وسيادة التفاهة كوجه جديد في الثقافة السائدة، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتحول العديد من الأنظمة الاشتراكية إلى أنظمة رأسمالية ، أصبح الترويج لعدم جدوائية الماركسية ، باعتبارها أيديولوجيا "منتهية" أو "غير قابلة للتطبيق" أو "متجاوزة" . ولعل هيمنة الفكر النيوليبرالي، تحت عدة مسميات مختلفة : حداثية وما بعد حداثية في معظم دول العالم، بما في ذلك المغرب، جعل الماركسية أقل جذبًا في الأوساط الجامعية.
من جانب ٱخر نلحظ ضعف النقاشات الفكرية وتطوير الأدوات النظرية التي تفتقر إلى العمق أو التحديث، حيث أن الفكر الماركسي لا يتم استثماره بالشكل الذي يتلاءم مع القضايا الراهنة في المجتمع المغربي. بل ينحو إلى تعويضه باقتباسات من الفكر الماركسي التاريخي مما يجعله متشبعا بمفاهيم اديولوجية كلاسيكية، لاتسمح برؤية التناقضات والانقسامات العميقة في المجتمع ، وعلى الخصوص في مسألة التمثيل السياسي للفئات الشعبية، فبدل دراسة الأيديولوجيات التي تتبناها الطبقات الشعبية، خاصة الطبقة العاملة، يتم إسقاط مخلفات اديولوجية لفترة سابقة على ظروف و تحديات اقتصادية واجتماعية حديثة مثل أزمة الهشاشة والتهجبر والتفاواتات العميقة في توزيع الثروة وانهيار القيم وأزمة الهوية واضطهاد النساء والفلاحين الفقراء وغيرها.
هناك ضعف متزايد حول عدم تركيز اليسار المغربي على القضايا الحقيقية التي تؤثر على الطبقة العاملة المغربية. بما في ذلك قضايا مثل العمل غير الرسمي، وتحسين شروط العمل، والاحتجاجات الاجتماعية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية.
بالإضافة إلى النقص الواضح في دعم الحركات الاجتماعية التي تسعى لتحسين ظروف الحياة في المناطق الريفية والنائية، والتركيز على القضايا مثل التعليم، والصحة، وتوفير فرص العمل.
وفي ظل إعادة هيكلة الرأسمالية التبعية في ظل النفوذ الأمريكي الجديد ، لا توجد دراسات معمقة حول العلاقة بين الشركات الكبرى والدولة في المغرب وكيفية تأثير هذه العلاقة على توزيع الثروات بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.. وخلق كانتونات اجتماعية جديدة ، كما يحصل اليوم من خلال عمليات هدم البيوت والمحلات التجارية.، وتوسيع الشوارع .
يدفعنا هذا إلى تسجيل غيابً ملحوظ لدراسات معمقة حول التشكيلة الاجتماعية المغربية، التي تجمع بين خصائص اقتصادية واجتماعية متنوعة؛ مما يعني أن الماركسية تحتاج إلى إعادة صياغة أدواتها التحليلية لتتناسب مع الواقع المغربي، نفس الأمر يتعلق بالصراع المجالي بين الحضر والريف، وخاصة في ظل التفاوتات الاقتصادية الكبيرة بين المناطق، قد تكون نقطة ضعف في الفكر الماركسي المعاصر في المغرب.
نشهد أيضا تناقضا ملحوضا بين التغيرات الرقمية المتسارعة وبين اجترار الكساد الثقافي، وسيادة التفاهة على المستوى الجمالي والقيمي.
كما أشرتَ، رغم التطور الكبير في وسائل الإعلام الرقمية وانتشار الثقافة عبر الإنترنت، يبدو أن اليسار المغربي لا يزال متأخرًا عن استثمار هذه الوسائل لنشر أفكاره أو جذب الشباب. وهذا يعود إلى
افتقار العديد من التيارات اليسارية في المغرب إلى استراتيجيات فعالة في استخدام المنصات الرقمية لخلق نقاشات فكرية جادة.
ومما لاشك فيه أن جزء أوبعض من اليسار المغربي ، ما يزال محاصرًا في رؤى تقليدية قديمة، تتعلق بالأيديولوجيا والسياسة التقليدية، دون الانخراط في التحديات التي تطرحها الثورة الرقمية.
و في ظل التغيرات المناخية التي تؤثر على المغرب بشكل خاص، حيث الفيضانات الأخير تكشف عن المستور في سياسات الدولة، يبدو أن الفكر الماركسي لم يتقدم في اجتراح سياسة مناخية لفهم كيفية تأثير هذه الأزمة على الفئات الأكثر فقراً، ولا سيما الطبقات العاملة والفلاحين، باعتبار أن أزمة المناخ لا تنفصل عن الهيمنة الرأسمالية ببلادنا.
وكخلاصة ، فإن عملية إبداع الفكر الماركسي في المغرب تتطلب إعادة النظر في الأدوات النظرية التي يستخدمها الماركسيون، وتكييفها مع السياق الاجتماعي والسياسي المحلي. كذلك، يجب على اليسار المغربي أن يستفيد من التقدم التكنولوجي ليعيد فتح النقاشات الفكرية والنظرية حول المستقبل، وأن يتبنى مقاربات جديدة لتفعيل الحركات الاجتماعية والشبابية والنسائية وتحفيز النقاشات الثقافية العميقة.

حسن صعيب

عن الكاتب

حسن صعيب

حسن صعيب

كاتب ماركسي مغربي

تعليق واحد

  1. بالنسبة لمقالة الاستاذ حسن صعيب عن ازمة الفكر الماركسي في المغرب، هل المشكلة في الادوات النظرية المنهجية للماركسية، او بغياب جهد بحثي يقوم على تفكيك الواقع المغربي كبنية تابعة ومحاولة فهم التناقضات المحلية والتوزع الطبقي وتأثير اقتثاد الكومبرادور على تآكل الطبقة الوسطى والهجرة من الريف ومشاكل اابطالة والسكن والتعليم والصحة والشباب والنساء والخ من وجهة نظر ماركسبة؟

Leave a Reply to Tannous Chalhoub Cancel reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *