من تحت رماد الاستغلال في المنطقة الصناعية اكزناية بطنجة، اندلعت اليوم شرارة وعي طبقي جديدة، أشعلتها وقفة تضامنية جمعت عاملات وعمال شركتي “ناماطيكس” و“NIKA Sarl” مع مناضلات ومناضلي أطاك طنجة أمام بوابة “NIKA”، في مشهد يلخص انهيار جدار الخوف وولادة إحساس عميق بوحدة المصير النضالي. هذه اللحظة ليست مجرد وقفة احتجاجية عابرة، بل حلقة في مسلسل طويل من الصمود ضد آلة رأسمالية لا ترى في العامل سوى ملحق للآلة يمكن التخلص منه متى شاءت.
ما يقارب 460 عاملاً وعاملة وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع التشريد: عمال “ناماطيكس” المعتصمون منذ أكثر من أربعة أشهر بعد طرد جماعي دون أجور أو تعويضات، وعمال “NIKA Sarl” الذين فجروا اعتصامهم مؤخراً عقب طرد جماعي فوري، ليكتشف الجميع أن ما يجمعهم ليس فقط آلامهم، بل عدو واحد يمارس نفس أساليب النهب والازدراء.
هكذا تحولت ساحة الاعتصام أمام “NIKA” إلى فضاء للتلاقي بين تجربتين: تجربة صمود طويل الأمد في “ناماطيكس”، وتجربة غضب متفجر في “NIKA”، تلتقيان في نقطة واحدة هي ضرورة النضال الوحدوي.

شهادات العاملات، خصوصاً من “NIKA”، صاغت أمام الحاضرين محاكمة علنية لجحيم الاستغلال داخل المعمل. عاملات أنهكتهن السلاسل الإنتاجية يروين كيف كان العمل يجري في ظروف مهينة، تحت ضغط دائم لاستخراج أقصى “قيمة زائدة” على حساب صحتهن وأجسادهن، مع تحايل مستمر على الأجور والحقوق الاجتماعية، ثم في النهاية رميهن إلى الشارع بدم بارد. ظروف العمل داخل هذه المعامل لم تكن سوى عملية استنزاف ممنهجة: أجر هزيل، وتوتر دائم، ومراقبة لصيقة للإنتاج، ثم حين يظهر أي “خلل” في منطق الربح يلقى بالعمال والعاملات خارج أسوار المصنع دون أدنى اعتبار لسنوات من العطاء.
في “ناماطيكس” بدأت المأساة بطرد جماعي قبل أربعة أشهر، حيث وجد العمال والعاملات أنفسهم فجأة بلا أجور، بلا تعويضات، وبلا أي ضمانة لمستقبلهم أو مستقبل أسرهم.
أما في “NIKA”، فقد جاء الطرد الجماعي كتتويج لمعاناة تراكمت لسنوات: عقود هشة، تهديد دائم بالطرد، احتجاجات صغيرة محاصرة في مهدها، إلى أن قررت الإدارة التخلص من اليد العاملة دفعة واحدة.
في الحالتين، تتجلى بوضوح صورة رأسمال لا يبالي بالكوارث الاجتماعية التي يتسبب فيها، بل يبحث فقط عن أعلى هوامش الربح بأقل تكلفة بشرية ممكنة.
ما ميز هذه الوقفة التضامنية هو انتقال الصرخة من مستوى الشكوى الفردية إلى مستوى الوعي الطبقي الجماعي.

العاملات اللواتي كن يهمسن سابقاً داخل الورش أو في الممرات الخلفية للمصنع، أصبحن اليوم يقفن أمام البوابة يروين معاناتهن بصوت عال، أمام رفاقهن ورفيقاتهن، وأمام مناضلي أطاك طنجة، لتتحول الحكايات المتفرقة إلى لوحة متكاملة ترسم ملامح جحيم رأسمالي قائم على القهر والتشريد. شهاداتهن لم تعد طلب شفقة، بل اتهام صريح لسياسات ممنهجة: الطرد الجماعي، التلاعب بالعقود، التملص من التصريح في الضمان الاجتماعي، وتهريب رأس المال على جثث العمال.
في قلب هذا المشهد، يبرز دور أطاك طنجة كفاعل نضالي حاضر ميدانياً ويومياً إلى جانب العاملات والعمال. لم يقتصر حضور أطاك طنجة على إصدار بيانات تضامن أو تعبيرات رمزية، بل ترجم التزامه المبدئي إلى وجود دائم في ساحات الاعتصام، وإلى انخراط حي في تفاصيل المعركة.
مناضلات ومناضلو أطاك يتواجدون بشكل مستمر أمام بوابات المعامل، يشاركون في حلقات النقاش، يستمعون لشهادات العمال والعاملات، يساعدون في صياغة الشعارات والمطالب، ويعملون على نقل صوت المعتصمين والمعتصمات إلى الفضاء العمومي عبر التوثيق والنشر والتعبئة.
ابن الجبل
