الحركات الاجتماعية

في الذكرى الخامسة عشر من ولادة حركة 20 فبراير، نقدم هذه القراءة، نتمنى التفاعل معها لإضاءة شروط وإمكانيات نهضة جديدة للنضال الشعبي مستقبلا.

في الذكرى الخامسة عشر من ولادة حركة 20 فبراير، نقدم هذه القراءة، نتمنى التفاعل معها لإضاءة شروط وإمكانيات نهضة جديدة للنضال الشعبي مستقبلا.

مآلات حركة 20فبرايرالمغربية ودروسها السياسية
انبثاق حركة 20فبراير
انبثقت حركة 20 فبراير سنة 2011، وهي تتويج للنضالات الشعبية خلال عقود، حيث اندلعت انتفاضات شعبية منذ فترة الستينيات (1965-1973-1981-1984-1990-2007-2010)، وهي في الأصل قد تبلورت عبر أنوية شبيبة تنتمي لقوى سياسية يسارية ومدنية وحقوقية ، وكذلك لبعض أجنحة الإسلام السياسي المعارضة للنظام المخزني، وظفت هذه الأنوية الشبيبة وسائل التواصل الاجتماعي كشكل نضالي جديد ، من أجل توقيت الخروج إلى الشارع، وبلورت أرضيات تتضمن أهم مطالب الحركة، حيث سادت أرضيتين وحازت على أصوات أغلب المتدخلين في هذه الحركة:أرضية تضع سقفا سياسيا لمطالبها وهي المؤطرة بشعار "الملكية البرلمانية" والأرضية الثانية غير مسقفة سياسيا بهذا الشعار ولكنها كانت تدعو إلى إسقاط المخزن بطرق مختلفة، فيما نزلت قوى الإسلام السياسي ممثلة في "جماعة العدل والإحسان"، والتي كانت تطرح شعارين أساسيين: "فصل الثروة عن السلطة" و"القضاء على الفساد".
انكسار المشروع الديمقراطي
لم تعمر حركة 20 فبراير أكثر من ستة أشهر كحركة شعبية وسياسية شملت أغلب المدن والمداشر والقرى، كادت أن تتحول إلى قوة سياسية تعصف بركائز النظام القائم لولا انتهاج هذا الأخير استراتيجية امتصاص الطاقة السياسية في البلاد من الشوارع، وفي المقابل وبشكل جدلي غياب إستراتيجية للهيمنة من قبل القوى الديمقراطية والتقدمية.
هكذا اعتمدت إستراتيجية النظام على شقين مترابطين:
الشق الأول اجتماعي: من خلال تحييد النقابات والطبقة العاملة والفئات الوسطى من الموظفين والأطر، وتجلى ذلك في تنفيذ بنود اتفاق 2أبريل 2011 الذي كرس زيادة مهمة في أجور الموظفين الذين تجاوزت نسمتهم ثلاث ملايين ونصف، بحيث تراوحت الزيادة بين 51% و20% بالنسبة لسلالم الصغرى والمتوسطة ثم العليا، وبزيادة نسبة 51% في الحد الأدنى للأجور بالنسبة للقطاع الخاص، وإدماج المئات من المعطلين ذوي الشهادات العليا في أسلاك الوظيفة العمومية وشبه عمومية، إلى جانب العشرات من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وإعادة إدماج جزء من البرجوازية الكبيرة غير احتكارية في مشروعات اتفاقية التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي وأمريكا.
الشق الثاني سياسي: من خلال تقديم وعود بإصلاح النظام السياسي والقضاء على الفساد المستشري في الإدارة، وفي مقدمة هذا الإصلاح الإعلان عن مسودة دستورية التي جاءت مليئة بالتصريحات حول الإعلاء من شأن حقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بمناهضة التمييز ضد المرأة على أساس النوع الاجتماعي والاعتراف بالثقافة الأمازيغية واحترام كرامة المواطنين، فيما حافظ الملك على سلطاته التقليدية المطلقة كرئيس الدولة وللقوات المسلحة وكأمير المؤمنين، بالإضافة إلى صلاحيات أخرى لم تكن واردة في الدستور السابق، بحيث تحول الفصل 19 الذي يحدد اختصاصات الملك إلى توسيع هذه الاختصاصات في فصول متنوعة.
وغداة التعبئة لصالح الدستور الجديد، تم توظيف وتجنيد الزوايا الدينية وعلى رأسها الزاوية البوتشيشية التي حشدت الآلاف من مريديها للتظاهر في الشارع من أجل دعم المقتضيات الجديدة/القديمة لدستور 2011 معبرة عن قوتها الجماهيرية في مواجهة قوات جماعة العدل والإحسان، كما أسفرت نتائج الانتخابات التشريعية ل25 نونبر2011 عن فوز الجناح الإسلامي الموالي للنظام:حزب العدالة والتنمية وترؤسه للحكومة،فتم توظيفه بذكاء سياسي، مضفيا شرعية على محاربة الفساد المسروق من حركة 20 فبراير، في محاولة لاستمالة الجماهير الشعبية ودغدغة مشاعرها الدينية.
غير أن هذه الإستراتيجية لم تكن تحظى بالنجاح لولا الدعم المالي والاقتصادي والسياسي لاتحاد الأوروبي، كما استفاد من الدعم المالي والاقتصادي والسياسي لمجلس التعاون الخليجي ورحب به كعضو في نادي الملوك والأمراء، لكن تبدو هذه الإستراتيجية انتصارا تكتيكيا أكثر مما تبدو كنزع فتيل الاحتقان الاجتماعي والسياسي بصفة دائمة.
الدروس المستخلصة من حركة 20 فبراير والحراكات الشعبية
إذا كانت حركة 20 فبراير لم تحقق كل أهدافها السياسية، فهي على الأقل فتحت مسارا جديدا لانجاز التغيير الديمقراطي في المغرب، شريطة استيعاب شروط انبثاقها والدروس المستخلصة منها .
إن دراسة عوامل إجهاض الثورات في المنطقة المغاربية والعربية هو الشرط المسبق لتجذر فكر التغيير في المغرب ولن يكون بمقدور اليساريين والديمقراطيين المغاربة الانخراط في هذا المسار الثوري الجديد بدون تجديد أدوات التحليل و الارتكاز على تحليل معمق لمختلف عوامل الصراع الطبقي في بلادنا
لم تكن القوى الثورية ولا الإصلاحية مستعدة لقيادة حركة 20 فبراير.فمند انطلاقتها تبنتا تكتيك:"دعم حركة 20 فبراير" وبدون برنامج سياسي واضح يؤطر المرحلة وتعاملتا مع الشباب بشكل عفوي وبدون تأطير،وخلقتا "المجلس الوطني لدعم حركة 20 فبراير"كأداة لترجمة ذلك التكتيك تحول هدا المجلس فيما بعد إلى أداة بيروقراطية، تقوم بدور الإنابة عن الجماهير،إلى جانب التناقضات التي شلت الجموعات العامة ،بسبب تدخل المخزن على الخط وتفجيرها عن طريق "حركة المستقلين"كعنصر مندس في جلباب ثوري،سخره المخزن ليؤدي مهمة محاربة اليسار في قيادة حركة 20 فبراير وغرس تناقضات في صفوفه،مما ساهم في إفشال خططه.
بدت الحركات الاجتماعية،ضعيفة وهشة(الحركة النسائية،الحركة الأمازيغية،حركة دوي الشهادات المعطلين) فبمجرد تقديم تنازلات طفيفة من طرف المخزن حتى انفرط عقد هده الحركات وانزوت إلى الخلف.
أما الطبقات الأساسية في الثورة لم تنزل إلى الشارع وخصوصا الطبقة العاملة المكبلة من رأسها حتى أخمص قدميها بالثقافة السياسية للبيروقراطية والمخزن والفلاحون مستبعدون من المعادلة بحكم تبعيتهم للأعيان و المخزن والشباب المؤهل لخوض غمارا لثورة مؤطر في غالبيته من قبل الإسلام السياسي.
وعشية تراجع حركة 20 فبراير لم تكن الحركة التقدمية مستعدة لخوض الصراع الطبقي على واجهات البناء التنظيمي والسياسي والجماهيري الذي أفرزته حركة 20 فبراير، متجاوزة إخفاقاتها ومساهمة في بلورة حركة جماهيرية-سياسية جديدة ذات زخم قوي ،على غرار ما استنتجه حزب بوديموس باسبانيا من دروس المستوحاة من حركة الغاضبين.
جاءت أزمة الاحتباس الحكومي سنة 2016 وما ترتب عنها من إعادة هيكلة الحقل السياسي الرسمي،بسبب تناقضات عميقة في القمة ،وبروز الحقل السياسي المضاد ،من خلال الحراك في الريف وزاكورة واوطاط الحاج ثم جرادة التي تحاول الاستفادة من أخطاء الحراك في الريف،فأمام هذه الوضعية الجديدة من تطور الصراع الطبقي،أصبح لزاما على قوى اليسار ومن يلتف حولهم استخلاص الدروس القمينة ببناء جبهة عريضة ،على قاعدة برنامج ديمقراطي قابل للتنفيذ وتجاوز أشكال التنظيم البيروقراطية أو الانعزالية ،فبدون الانخراط بالملموس في هذا الحراك عبر العمل الجاد ،وفي ذات الوقت تنظيم مختلف الاحتجاجات الشعبية عبر أشكال تنظيمية مرنة وديمقراطية، مع تنظيم مناظرات فكرية حول النموذج التنموي المأمول، لن تقوم قائمة لليسار مستقبلا.
بروز الحركة الاجتماعية المغربية
هذه الحركة التي كان ميلادها بتاريخ 28 دجنبر 2019، جاءت استجابة لعاملين : يتعلق العامل الأول بدرجة الاحتقان الاجتماعي الذي بلغ مستوى غير مسبوق في التاريخ، وبالتردي الفضيع لمسار تطور الحريات الفردية والجماعية ، وبالهجوم الشنيع على الحقوق المكتسبة وعلى رأسها التقاعد والإضراب، والمرفق العمومي ، خاصة التعليم والصحة، وبضرب حرية التعبير والتظاهر واعتقال المدونين الشباب، واستمرار الإعتقال السياسي، الذي يعكس ردة حقيقية في هذا المجال؛ ويتجلى العامل الثاني في بروز قناعة مشتركة لدى مختلف القوى السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية ، من أجل النضال على مطالب متعددة ، ولكن في إطار موحد ، وإن دل هذا عن شيء ، فإنه يدل على أن الشروط الموضوعية أضحت تستدعي تكتلات جديدة ، متجاوزة التفرقة، التي يستفيد منها النظام من أجل تمرير مشاريعه التي تخدم أجندة المنظمات النقدية المالية والاقتصادية، ضاربة عرض الحائط ما يترتب عن ذلك من فاتورة اجتماعية ومجالية ومناخية تقيلة ، تتحمل وزر أدائها الطبقات الشعبية وفي مقدمتها الطبقة العاملة والنساء والفلاحين والشباب المعطل. إن اللحظة السياسية الراهنة تعبر عن تمرين سياسي جديد ، يفرض انصهار كل القوى الديمقراطية والحية في البلاد في بوثقة النضال الوحدوي، من أجل وضع حد لهذا التردي الذي يشمل جميع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
كوفيد والحركة الاجتماعية
نتيجة فرض الحضر الصحي ، تمادت الدولة في تسييج الحركة الاجتماعية والحركة الحقوقية بسياح الحصار الإعلامي والتضييق على الحريات الفردية والجماعية ، وتنصيب محاكمات جائرة ضد المعارضين لسياساتها التفقيرية و قمع الأساتذة المفروض عليهم التعاقد في الساحات العمومية ، ووفيات بالجملة لعاملات وعمال معمل " سري" للنسيج بطنجة، وحرمان المئات من العائلات من مورد عيش بالفنيدق، مما أدى إلى انتفاضة شعبية ووجهت بالقمع والاعتقالات ، كل هذا يدل على ولوج المغرب مرحلة عصيبة من نضال الشعب المغربي، مما يفرض توحيد جهود كافة القوى اليسارية والديمقراطية وامتداداتها الجماهيرية ، من أجل مواجهة هذا الاستبداد المتجدد، والنضال من أجل وقف هذا النزيف ، وفرض مكتسبات اجتماعية وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين.
بروز حركة جيل z
تبلورت هذه الحركة الشبابية ، كامتداد أفقي لحركة افتراضية عالمية، لكنها اصطبغت بالأوضاع الاجتماعية المحلية، وقد نهضت هذه الحركة على ضوء النضالات البطولية لتنسيقيات أساتذة المفروض عليهم التعاقد، ونضال طلبة الطب، وبعد أن تم إخماذ نار هاته الحركة ، تارة بالقمع، وأخرى بالمساومة، برزت حركة جيل z، لتعيد للنضال زخمه،
و بغض النظر عن خلفيتها السياسية ومرجعيتها الاديولوجية التي تحتاج إلى قراءة خاصة ، فأهم شيء يميزها هو تكسير الطابع السلبي الذي ارتبط بردود فعل عن جمهور الرابور طوطو ، ثم القدرة التنظيمية التعبوية التي تعبر عن ذكاء تنظيمي في النزول إلى الشارع ، و الفديوهات التي عبر من خلالها عدد لا بأس به من مدعمي هذه الحركة عن خطاب رصين ، لا هو بسياسي احترافي ولا بإديولوجي مؤطر، بل خطاب واقعي يركز على أولوية المطالب التي تؤرق شباب اليوم الذي يخرج إلى الشارع بعد ربع قرن من حكم محمد السادس، وهذا التزامن يعكس رسالة سياسية غير مباشرة ، علما بأن الحسن الثاني في إحدى استجواباته صرح بأنه ترك لخلفه من الموارد السياسية الاستراتيجية ما يصل إلى ربع قرن. غير أن القمع العاصف الذي تعرضت له يعكس توجس السلطة من هذه الحركة الفتية ، مثلما يعكس في نفس الوقت حسابا سياسيا مضمرا ، يتعلق بقطع ذابر أي نضال شعبي جماهيري من جذوره ، في ظل وضعية سياسية هشة توجد عليها أحزاب اليسار ومنظماتها الجماهيرية، وفي ظرفية تشهد على تقوية التحالف الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية.
مآل الحركات الاجتماعية في ظل زواج السلطة بالمال
في ظل مناخ التطبيع السياسي مع الكيان الصهيوني وتقوية التحالف الاستراتيجي مع الامبريالية الأمريكية وتداعياتهما الاقتصادية والسياسية ، نظمت البرجوازية هجوما قويا على القوت اليومي من خلال ارتفاع أسعار المواد الغدائية، وتضييقا كبيرا على الحريات الفردية والجماعية، وتحميل الجماهير تأدية فاتورة الإستدامة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وحرمان الٱلاف من العائلات من سكن لائق نتيجة زلزال الحوز، والفيضانات في عدد من المدن، وتغيير الملامح العمرانية لمدينة الدارالبيضاء التي تشهد عمليات هدم البيوت والدكاكين ، ونقلهم إلى خارج ضواحي المدينة ، حيث شيدت لهم كانتونات البؤس الاجتماعي، ورغم النضالات البطولية لعاملات وعمال سيكوم ، وأخرى متفرقة لمختلف طبقات الشعب وفي مقدمتها الطبقة العاملة، ظلت أشكال التعبئة والدعم السياسي والتضامن الاجتماعي مع تلك النضالات ضعيفة جدا بسبب تشردم القوى الاجتماعية، بين مكونات الجبهة الاجتماعيةمن جهة ، وبين المركزيات النقابة من جهة ثانية، وكذلك تشردم القوى اليسارية والديمقراطية ، فرغم انعقاد مؤتمرين لحزب النهج الديمقراطي وفدراليةاليسار، لم تبرز لحد الآن مبادرات سياسية للتوحيد، تتغيى الجواب على معضلتين: وقف زحف السلطوية التي تتنامى بشكل مخيف وتجسيد الحماية الاجتماعية لمختلف الطبقات الشعبية وخصوصا الفئات التي تعيش الهشاشة الاجتماعية، على مستوى توفير فرص الشغل والتأمين الصحي والرفع من القدرة الشرائية عبر الزيادة في الأجور.

عن الكاتب

حسن صعيب

حسن صعيب

كاتب ماركسي مغربي

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *