في ذكرى الشهيد نذكر تضحيات الرفاق الخالدين وندعو الى فعل يحيي دربهم اليوم، يتجدد في أعماقنا ذكرى اغتيال الشهيد محمد بن عيسى ايت الجيد، في جو لا يختلف عن سابقه، جو يغلب فيه العواطف والمشاعر السائدة على التفكر العقلاني الجاد والبحث عن مخارج حقيقية للمشروع الثوري الذي ضحى من أجله هذا الرفيق الشهيد ورفاقه من شهداء شعبنا المغربي العظيم.
ان تضحياتهم الجسيمة، تلك التي سالت دماؤها في ساحات النضال وأعماق الزنازن، لم تكن لمجرد تخليد ذكراهم بإعلانات حداد رسمية عابرة أو تعاطف زائف أو تلك التعبيرات العاطفية الشكلية التي تغطي على الفراغ السياسي والعجز عن الفعل الملموس.

هذه التضحيات كانت صرخة حية تدعو الى عمل مستمر ومنهجي، لا الى وقفات رثائية تنتهي بسرعة وتذوب في الهواء دون أثر، فهي دعوة لتحويل الدم المسفوك الى وقود لثورة شاملة تبني الغد.
نعم، يجب ان نشهر بحياتهم ونعرف الشعب بتضحياتهم الخالدة، ونطالب بكشف الحقيقة امام الجماهير المغربية بكل صراحة وشجاعة، حقيقة اغتيالهم واغتيال شهداء شعبنا، تلك القائمة الطويلة التي تطول يوما بعد يوم، من أعماق الزنازن المظلمة الى ساحات النضال المشرقة، مرورا بسجون الاستبداد وميادين الكرامة.
غير ان الاهم بكثير، والأكثر إلحاحا، هو جعل هذه التضحيات حية وفعالة، عبرة وعمل مباشر يتجاوز الذكريات السطحية، باتباع خطاهم بدقة وإخلاص، صيانة دمائهم بإصرار لا يلين، والسير على دربهم من خلال تطوير المشروع الثوري الشامل الذي يرتبط يوميا بالجماهير الشعبية في كل ميدان وكل حي، للوصول الى تغيير جذري يحقق مجتمع العدالة والكرامة حيث يعيش الجميع حر دون ظلم أو استغلال أو تبعية.
وفي هذه الذكرى، نتذكر شهيد القاعديين التقدميين وشعبنا المغربي المناضل، ونجد فيها مناسبة ذهبية لتوجيه و تذكير الى رفيقنا الماركسيين الراديكاليين في وطننا وخارجه.
ان شهداءنا ومعتقلينا جعلوا من ذواتهم شموعا تضيء طريق المضطهدين في كل مكان وزمان، تضحياتهم لم تكن للتخليد الشكلي فحسب، بل للعيش من اجل التغيير الفعلي الملموس؛ فقد ضحوا بانفسهم وحقهم في العيش الكريم، ليصبح المسير نحو الحرية والعدالة مجسدا في كل خطوة جماهيرية، في كل نضال يومي يبني الغد الأفضل ويفتح أبواب المستقبل. فلنحول هذه الذكرى الى وقفة عمل حقيقية، لا الى مجرد كلمات تذوب في الهواء أو شعارات تتردد دون فعل.
ان هذه المرحلة الحساسة من تاريخ المنطقة، في ظل التحولات العالمية المتسارعة والفراغ السياسي المحلي الذي يهدد بمزيد من الهيمنة والتخلف، تستدعي ضرورة التوقف الجاد والتفكر العميق مع الرفاق الراديكاليين في مستقبل موحد. اليوم أكثر من أي وقت مضى، نحتاج الى نقاش جماعي يعيد صياغة المشروع الثوري ليتناسب مع التحديات الجديدة، الاستبداد المتغلغل، الاستغلال الرأسمالي المتوحش، التفاوت الاجتماعي الهائل. يجب ان نجتمع في دواويرنا ومدننا، في الورش والحقول والجامعات، لنرسم خطة عملية تربط بين تراث الشهداء ومتطلبات اللحظة، خطة تعيد الثقة الى الجماهير، توحد الصفوف، وتحول الغضب الشعبي الى قوة منظمة قادرة على دفع حركة التاريخ الى الامام.
في هذه الذكرى، لا نريد مجرد تكريم شكلي، بل تجديد عهد مع دماء الشهداء.
نريد ان تكون تضحيات ايت الجيد ورفاقه بوصلة توجهنا نحو التغير الحقيقي، تلك التي لا تقف عند حدود الذكريات بل تمتد الى بناء مجتمع يضمن العدالة لكل مغربي. فليكن هذا اليوم بداية لمرحلة جديدة من النضال المنظم، حيث يصبح كل رفيق صوتا للشهداء، وكل خطوة فعلا يحيي إرثهم.
صيانة التضحيات وحفظ الذاكرة جزء من صيانة التراكم.











