د. طنوس شلهوب
إن التضخيم الإعلامي لدور الذكاء الاصطناعي، مقابل الخوف غير المنضبط من تبعاته، يفرضان نقاشا علميا يميّز بين الواقع والخيال، ويضع الأمور في نصابها: الذكاء الاصطناعي أداة متطورة تعزّز قدرة الإنسان، لكنها لا تحلّ محلّه في تحديد الغايات وصنع القرار.
في الحروب الحديثة اصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من منظومات القرار العسكري. غير أن الصورة الشائعة عنه — بوصفه “عقلا إلكترونيا يضغط الزناد” — تبقى أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. فالذكاء الاصطناعي لا يحل مكان العامل البشري، بل يعيد تشكيل البيئة التي يتخذ فيها العسكريون القرار.
يبدأ الدور الأهم في تحليل البيانات الضخمة. الجيوش الحديثة تغرق في سيل من الصور الفضائية، إشارات الاتصالات، مقاطع الطائرات المسيّرة، وبيانات الرادار. هنا تتدخل الخوارزميات لفرز هذا الكم الهائل، واكتشاف الأنماط الشاذة أو التحركات غير المعتادة.
مشاريع مثل “Project Maven” التابعة لـ
United States Department of Defense وزارة الدفاع الاميركية، تُظهر كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصر ساعات من التحليل البشري إلى دقائق، عبر التعرف الآلي على الأجسام والتحركات في ساحات القتال.
في مجال الاستخبارات الإشارية، يساعد الذكاء الاصطناعي على تحليل تدفقات الاتصالات اللاسلكية ورصد التغيرات الدقيقة في أنماط البث. هو لا “يقرأ العقول”، لكنه يستطيع ملاحظة أن نمطا معينا من الاتصالات تكرر قبيل تحرك عسكري سابق، فيرفع درجة الإنذار. هنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة تنبيه مبكر، لا صاحب قرار.
أما في الحرب السيبرانية، فيؤدي دورا مزدوجا: دفاعيا عبر اكتشاف الهجمات الإلكترونية بسرعة أكبر، وهجوميا عبر تحليل نقاط الضعف في الشبكات المعادية. ومع أن هذا المجال يظل محاطا بالسرية، إلا أن الثابت أن السباق فيه عالمي، تشارك فيه القوى الكبرى والإقليمية على حد سواء.
وفي ميدان الطائرات المسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل، يساهم الذكاء الاصطناعي في الملاحة، تجنب العوائق، وتحديد الأهداف المحتملة. لكن معظم الجيوش لا تزال تعتمد مبدأ “الإنسان في الحلقة”، أي أن القرار النهائي باستخدام القوة يبقى بيد عنصر بشري.
بعيدا عن ساحات القتال، يظهر دور أقل صخبا وأكثر تأثيرا في اللوجستيات والصيانة التنبؤية: توقع الأعطال قبل وقوعها، إدارة سلاسل الإمداد، وحساب الاستهلاك المتوقع للذخائر. هذه الاستخدامات لا تتصدر العناوين، لكنها تعزز القدرة القتالية بشكل ملموس.
من المهم التمييز بين الأنظمة العسكرية المغلقة وبين النماذج التجارية التي تطورها شركات مثل
Anthropic أو OpenAI.
الأولى تُبنى على بيانات سرية وتُدمج ضمن شبكات قيادة وتحكم عسكرية، بينما الثانية صُممت أساسا لأغراض مدنية وتجارية (وهذا لا يمنع من احتمال استخدامها عسكريا).
غير أن الاعتماد المتزايد على مؤشرات الذكاء الاصطناعي لا يخلو من مخاطر؛ فالخوارزميات، مهما بلغت دقتها، تبقى رهينة جودة البيانات التي تتغذى منها وافتراضات المصمّمين الذين بنوها. وإذا ما أُسيء تفسير مخرجاتها أو مُنحت ثقة مطلقة، فقد تقود إلى قرارات خاطئة تُضخم الخطأ بدل أن تصححه. لذلك يبقى الحكم البشري النقدي شرطا لازما لموازنة سرعة الآلة بحكمة التقدير.
في الخلاصة، الذكاء الاصطناعي ليس كيانا مستقلا يتخذ قراراته بمعزل عن البشر، بل هو أداة متطورة للغاية تعزز قدرة الإنسان على التحليل والاستنتاج واتخاذ القرار. قوته تكمن في سرعته الفائقة في معالجة البيانات، واكتشاف الأنماط التي قد تعجز العين البشرية عن رصدها، وتقليص هامش الخطأ في البيئات المعقدة. غير أن فعاليته وحدوده يحددهما دائما الإطار البشري. فهو يسرّع الفعل، لكنه لا يخلق الغاية؛ يعظّم القدرة، لكنه لا يستبدل الإرادة.
