بقلم :إبراهيم دربات.
دخل العالم مرحلة بالغة الخطورة والتعقيد نتيجة الصراع الاستراتيجي الـذي تجسده ظاهريـاً الحرب الروسية الأوكرانية، بينما يكمن في باطنه تنافس أوسع بين الشرق والغرب على إعـادة تشكيل موازين القوى الدولية. هذا الصراع اتخذ أشكالاً متعددة من الردع الاستراتيجي، شملت الحرب الاقتصادية بأخطر تجلياتها: حرب الطاقة، وحرب الغذاء، والصراع على النظام النقدي العالمي، إلى جانب صعود العملات البديلة والعملات الرقمية، والتهديد باستخدام الأسلحة الاستراتيجية، وتنامي ما يُعرف بالحروب الذكية.
كل ذلك يشير إلى أننا أمام لحظة مفصلية في التاريخ الدولي؛ لحظة تتآكل فيها مسلمات الهيمنة الأحادية، وتتبدل فيها قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية. إنها بداية تحوّل قد ينهي حقبة السيطرة المالية والسياسية المطلقة لصالح قوى بعينها، ويفتح الباب أمام نظام عالمي متعدد الأقطاب، لا يمكن التعامل معه بذهنية تقليدية أو بردود أفعال آنية، بل برؤية استراتيجية عميقة.
عالم يتحول إلى ساحة تنافس مفتوح
العالم اليوم أشبه بحلبة صراع مفتوح، عنوانه: من هو الأقوى سياسياً..؟
من يملك زمام الاقتصاد..؟
ومن يتفوق عسكرياً وتقنياً..؟
في هذا المناخ، تتصارع القوى الكبرى لإثبات التفوق وترسيخ النفوذ، بينما تقف الدول المتوسطة والصغرى عند مفترق طرق حرج، تبحث عن موقعها في خريطة دولية يعاد رسمها على عجل.
ومن بين هذه الدول، يقف السودان في قلب العاصفة.
السودان بين الحرب الداخلية والتحولات العالمية
يتزايد القلق وسط السودانيين بشأن مـآلات المستقبل، في وقت تتكاثر فيه المبادرات الرامية إلى حل الأزمة الوطنية وصناعة واقع أفضل. غير أن كثيراً من هذه المبادرات، رغم حسن نوايـاها، لا تزال تدور في إطار تقليدي لا يلامس عمق التحولات الجارية. فالأزمة السودانية ليست معزولة عن السياق الدولي، بل تتأثر به وتتفاعل معه بصورة مباشرة وغير مباشرة.
السودان ما زال يعيش آثـار الحرب، ورغم بوادر التعافي البطيء في بعض المناطق، فإن الهشاشة السياسية والاقتصادية تجعل البلاد أكثر عرضة لتداعيات المشهد العالمي المضطرب. فتعقيدات النظام الدولي الجديد، إذا لم تُقرأ بعين استراتيجية، قد تنعكس سلباً على الدولة السودانية، وتفاقم أزماتها القائمة.
يشهد العالم تراجع فرضية الهيمنة المطلقة وبروز ملامح نظام متعدد الأقطاب، تقوده قوى دولية كبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا. هذا التحول لا يعني نهاية النفوذ الأمريكي، لكنه يشير إلى توازنـات جديدة تفرض على الدول إعادة حساباتها.
حققت الصين تقدماً مذهلاً في مجالات التقنية المتقدمة، بما في ذلك الـذكاء الاصطناعي، والسيطرة على سلاسل إمداد المعادن النادرة، فضلاً عن تطوير قـدراتها العسكرية. هذا الصعود يعزز حضورها في إفريقيا، ويخلق فرصاً وتحديات في آن واحد.
بدأت الثقة العالمية في الـدولار الأمريكي تتعرض لاختبارات متزايـدة، مع بروز دعوات لبدائل في التعاملات المالية الدولية. ورغم استمرار قوة الدولار، فإن مجرد طرح البدائل يعكس تحولاً في المزاج الدولي.
تعاني الولايات المتحدة من تنامي الديون وتعقيدات ملف سندات الخزانة، بينما يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات اقتصادية عميقة، زادتها الحرب في أوكرانيا تعقيداً، مع بروز تباينات في المصالح عبر الأطلسي.
تواجه فرنسا تراجعاً ملحوظاً في حضورها الإفريقي، مقابل تمدد صيني وروسي متنامٍ في القارة، ما يعيد تشكيل موازين النفوذ في محيط السودان الإقليمي.
بدأ يتكون رأي عام عالمي تجاه ما يجري في السودان، بالتوازي مع أوضاع إقليمية متعددة قد تتيح فرصاً لتعاون استراتيجي إقليمي، إذا ما أُحسن استثمارها.
في ظل هذا المشهد المعقد، لا يمكن للسودان أن يتعامل مع أزمته بمعزل عن التحولات الدولية. فالمطلوب ليس مجرد حلول إسعافية أو تسويات مرحلية، بل صياغة رؤية استراتيجية شاملة تنطلق من فهم عميق للمتغيرات العالمية، وتحدد بوضوح أين يقف السودان، ومع من يتحالف، وكيف يحمي مصالحه الوطنية.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إنهاء الحرب أو إدارة الأزمة الراهنة، بل في بناء دولة قـادرة على التكيف مع نظام عالمي متغير، واستثمار التعددية القطبية لصالحها، دون الارتهان لمحاور متصارعة.
ففي عالم يعاد تشكيله، لا مكان للـدول التي تكتفي برد الفعل؛ وإنما البقاء للأكثر وعياً، والأقدر على قراءة التحولات وصياغة مستقبلها بيدها.
يقف السودان اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، تتقاطع فيها التحولات الدولية مع موقعه الجيوسياسي الفريد وإمكاناته الهائلة في إنتاج الغذاء والطاقة والمعادن الصناعية والاستراتيجية أصبح أداة تأثير ونفوذ. وبالنسبة للسودان، فإن هذا الموقع، مقروناً بموارده الطبيعية والبشرية، يشكّل فرصة ماسية للقفز بالزانة نحو مرحلة جديدة تعوّض سنوات الإخفاق وتفتح الباب لاختراق اقتصادي وسياسي يضعه ضمن القوى الجيوسياسية المؤثرة في محيطه الإقليمي والدولي.
لقد ظل السودان، لفترات طويلة، أسيراً لضغوط اقتصادية متراكمة، تفاقمت بفعل أدوات صراع متعددة مورست ضده، من عقوبات أحادية إلى منهجيات صناعة الأزمات والابتزاز السياسي والاقتصادي. ونتيجة لذلك، أصبح الاقتصاد عرضة للتدهور المستمر، فيما ظل الشارع تحت ضغط الأزمات المعيشية، وتكررت محاولات إغراء البلاد بالمساعدات والسلع الاستراتيجية مقابل تنازلات تمس القرار الوطني.
في خضم هذه التحولات الكبرى، ما تزال الساحة السياسية تعاني من أسر التفكير التقليدي، منشغلة بأجندات ضيقة وصراعات محدودة الأفق. تبحث بعض القوى عن الموارد في الخارج بدلاً من صناعة الموارد في الداخل، وتطالب بالاستحقاقات دون بناء أسس إنتاجها. بل إن بعض القوى المدعومة خارجياً سعت إلى تجاوز الإرادة الشعبية وإعادة توجيه مسار الثورة السودانية بما يخدم أجندات لا صلة لها بمصالح السودان الحقيقية، لتظل البلاد عالقة في دائرة الابتزاز والتبعية.
لقد آن الأوان لإعادة قراءة المشهد الدولي بواقعية، بعيداً عن براءة سياسية أثبتت التجربة عدم جدواها. فالعالم لا تحكمه النوايا الحسنة، بل المصالح والتوازنات. ومن دون وعي وطني جامع، تظل الدولة عرضة لاستخدام أدوات فاسدة لتجاوز إرادتها وإعادة تشكيلها وفق مرجعيات فكرية ومصالح خارجية. إن ضخامة المصالح الأجنبية في السودان تتطلب في المقابل رؤية وطنية واعية، والتفافاً داخلياً يعزز قدراتنا التفاوضية، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تراجع واضح في السياج الأخلاقي والقيمي في العلاقات الدولية.
وعلى الجانب الآخر، فإن ضخامة المصالح الوطنية الممكن تحقيقها تفرض حتمية حل الأزمة من الداخل، وبإرادة سودانية خالصة. فتعقيدات المسرح الإقليمي والدولي، وما يفرزه من مصالح استراتيجية متشابكة، تجعل من الحل الداخلي خياراً ضرورياً لا ترفاً سياسياً. إن مبدأ “حل الأزمة السودانية عبر السودانيين” ليس شعاراً عاطفياً، بل قضية تتعلق بالأمن القومي وأمن المستقبل.
إن بلورة الإرادة الوطنية لا يمكن أن تتم بعون خارجي، والتجارب السابقة التي أُطلق عليها “حلولاً” جرت في سياقات تاريخية مختلفة وألحقت بالبلاد أضراراً جسيمة. أما اليوم، فالواقع مختلف، والتوازنات تتغير، والقلم بات في يد السودانيين ليكتبوا وثيقة مستقبلهم ويحددوا مصالحهم بأنفسهم.
العقد الحالي مرشح لأن يشهد استقرار نظام عالمي جديد، بقواعد وتوازنـات مغايرة لما اعتاده العالم. ورغم أن ملامح هذا النظام لم تكتمل بعد، إلا أن حقيقة واحدة تكاد تكون ثابتة: إفريقيا ستكون في قلب التوازنات الدولية الجديدة. وهنا يبرز السؤال الحاسم: هل يبادر الأفارقة – والسودانيون منهم – برؤية جادة ومحكمة تضع القارة في موقعها المستحق، أم يُترك المجال لآخرين ليصوغوا مستقبلها وفق مصالحهم؟ الخيار بأيدينا، والمسؤولية مسؤوليتنا.
أمام السودان فرصة ذهبية للانطلاق السريع نحو نهضة شاملة تتجاوز الفقر والضعف، وترتكز على أربعة محاور رئيسية:
التوسع في إنتاج الغذاء بما يؤهل السودان ليكون سلة غذاء حقيقية للإقليم والعالم.
بناء عملة قوية محمية بالذهب تعزز الاستقرار المالي وتحد من التبعية.
تطوير إنتاج الطاقة بمختلف مصادرها لدعم الصناعة وجذب الاستثمار.
إدارة ذكية للموقع الجغرافي، تجعله مركزاً للتجارة والنقل والربط الإقليمي.
غير أن هذه الفرصة التاريخية يفصلنا عنها جملة من التحديات الذاتية، في مقدمتها الخروج من حالة الانهزام النفسي، واستعادة الثقة في الكفاءات الوطنية من حكماء وعلماء وخبراء ومبدعين. كما يتطلب الأمر تغيير منهج التفكير، واعتماد عقل استراتيجي كبير يتناسب مع حجم الموارد البشرية والمادية والمزايا الجغرافية، والتوقف عن صراعات الكراسي والأجندات الصغيرة.
إن تأسيس عقل استراتيجي للدولة بـات ضرورة ملحة، عقل يخطط للمستقبل لا لإدارة الأزمات فقط، ويستثمر في الإمكانات لا في ردود الأفعال. ولعل المدخل الأنسب لذلك يتمثل في بلورة إرادة سودانية جامعة، والالتفاف حول مبادرات وطنية شاملة تسعى إلى توحيد الصف وبناء مشروع وطني جامع.
إن السودان لا ينقصه الموقع ولا الموارد، بل ينقصه القرار الموحد والـرؤية الاستراتيجية. وإذا ما اجتمعت الإرادة الوطنية مع وعي التحولات الدولية، فإن البلاد قادرة على أن تنتقل من موقع التلقي والضغط إلى موقع الفعل والتأثير. إنها لحظة اختيار: إما أن نكتب مستقبلنا بأيدينا، أو يُكتب عنا بما لا يشبهنا.
مصادر ومراجع :
إعداد / إبراهيم دربات.
تقرير قناة الجزيرة القطرية.
الحل السوداني / أ. د محمد حسين ابوصالح
أستاذ التخطيط الاستراتيجي القومي.








