السياسة

حين تتحول الدبلوماسية إلى سياسة خارج المساءلة: قراءة في الخطاب الرسمي حول الحرب على إيران.

حين تتحول الدبلوماسية إلى سياسة خارج المساءلة: قراءة في الخطاب الرسمي حول الحرب على إيران.

حين تحدث الأديب والباحث السوري بوعلي ياسين في مؤلف الثالوث المحرم عن منطق التحريم في المجال العمومي، لم يكن يقصد فقط وجود موضوعات يمنع الاقتراب منها، بل كان يشير أيضا إلى آلية أعمق: آلية تحويل بعض المجالات إلى مناطق مغلقة أمام النقد والمساءلة. وإذا كانت السياسة واحدة من تلك المجالات التي يشتد حولها المنع والوصم، فإن الدبلوماسية، بوصفها ممارسة سياسية بامتياز، لم تخرج عن هذا المنطق. بل لعلها أصبحت في كثير من السياقات الجزء الأكثر تحصينا داخل السياسة نفسها، بحيث يتحول مجرد نقد خطابها أو مساءلة اختياراتها إلى فعل يستقبل أحيانا كما لو كان خروجا عن الإجماع، أو مساسا بالمصلحة الوطنية، أو تشكيكا في الولاء. من هنا لا تبدو المشكلة فقط في مضمون المواقف الدبلوماسية، بل أيضا في الطريقة التي يمنع بها إخضاعها للنقاش العمومي، وكأن الدبلوماسية لا تمارس باسم الدولة فقط، بل فوق المجتمع أيضا. وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح في النقاش الذي رافق المواقف الرسمية من التصعيد العسكري المرتبط بالحرب التي تشنها الولايات المتحدة وحليفتها ازرائيل ضد ايران. فبدلا من أن يشكل هذا الحدث مناسبة لنقاش عقلاني حول طبيعة الصراع في المنطقة وموقع الدول داخله، تحول في كثير من الأحيان إلى مجال محصن ضد النقد، حيث ينظر إلى أي محاولة لتحليل الخطاب الدبلوماسي أو مساءلة تموقعه داخل موازين القوة الدولية بوصفها خروجا عن الإجماع أو مساسا بالمصلحة الوطنية.
غير أن الحروب، بطبيعتها، تكشف أكثر مما تخفيه الخطابات السياسية. فهي لا تعري فقط موازين القوة في النظام الدولي، بل تكشف أيضا طبيعة اللغة التي تُستخدم لتبرير تلك القوة أو الصمت عنها. وفي هذا السياق، يعيد التصعيد الحالي طرح سؤال أساسي: هل ما نسمعه في الخطابات الدبلوماسية هو توصيف متوازن للواقع، أم إعادة صياغة انتقائية له بما يتلاءم مع موازين القوة القائمة؟
إن المشكلة هنا لا تتعلق بمجرد اختلاف في التقدير السياسي، فذلك أمر طبيعي في العلاقات الدولية، بل تتعلق بظاهرة أعمق هي الانتقائية في توصيف العنف السياسي. ففي النظام الدولي المعاصر، كثيراً ما يُدان استخدام القوة حين يصدر عن طرف معين، بينما يُعاد توصيفه بلغة دبلوماسية مخففة أو يتم تجاهله عندما يصدر عن طرف آخر يتمتع بنفوذ أكبر في موازين القوة العالمية.
هذه الازدواجية ليست مجرد خلل في اللغة، بل تعبير عن طبيعة النظام الدولي نفسه، حيث تتداخل الاعتبارات الأخلاقية مع حسابات القوة إلى درجة يصعب فيها أحيانا الفصل بينهما. فالقوى الكبرى لطالما قدمت تدخلاتها العسكرية في العالم تحت عناوين مختلفة مثل حماية الأمن الدولي أو الدفاع عن الديمقراطية و الاستقرار أو مواجهة التهديدات الارهابية، بينما تكشف الوقائع على الأرض أن تلك التدخلات كثيرا ما ترتبط أيضا بإدارة النفوذ الجيوسياسي والتحكم في الموارد والتوازنات الإقليمية.
في هذا الإطار، لا يمكن فهم التصعيد الحالي مع ايران بمعزل عن السياق الأوسع للصراع على النفوذ في الشرق الأوسط. فالعلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تمثل أحد الأعمدة الرئيسية للمنظومة الأمنية التي تسعى واشنطن إلى ترسيخها في المنطقة، بينما تمثل إيران أحد الفاعلين الإقليميين الذين يحاولون الحفاظ على قدر من الاستقلال الاستراتيجي عن تلك المنظومة.
لكن المفارقة لا تكمن فقط في طبيعة هذا الصراع، بل في الطريقة التي يجري بها توصيفه سياسيا. ففي كثير من الخطابات الرسمية حول هذه الحرب، يجري التركيز على ردود الفعل الإيرانية بوصفها مصدر التوتر، بينما يهمّش أو يُغفل السياق الأوسع الذي أدى إلى هذا التصعيد. وهنا يتحول الخطاب السياسي من محاولة لفهم الواقع إلى إعادة صياغة انتقائية له بما يتوافق مع موازين القوة القائمة.
ضمن هذا السياق، يمكن قراءة الموقف الرسمي المغربي من هذه الحرب بوصفه مثالا دالا على هذه الظاهرة. فقد ركز الخطاب الدبلوماسي المغربي على إدانة إيران والتنديد بسياساتها الإقليمية، لكنه لم يظهر الوضوح نفسه في توصيف الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وحليفها الصهيوني والتي شكلت لحظة التصعيد الأساسية في هذه المواجهة. كما أن هذا الخطاب تجاهل في الوقت نفسه سياقا أوسع من العنف في المنطقة، يتمثل في الجرائم المتواصلة التي ارتكبها الكيان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين خلال الحرب على غزة، إضافة إلى الضربات العسكرية الأخيرة التي استهدفت لبنان، وهي أحداث كان يمكن أن تشكل جزءا أساسيا من أي قراءة متوازنة لمصادر التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود الانتقائية في توصيف الأحداث، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمدى استقلالية القرار الدبلوماسي نفسه. فالدبلوماسية في جوهرها ليست مجرد تعبير عن موقف سياسي آني، بل انعكاس لدرجة استقلال الدولة في تحديد أولوياتها الاستراتيجية. وعندما يصبح الخطاب السياسي متماهيا بشكل شبه كامل مع سردية القوى المهيمنة في النظام الدولي، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود هذا الاستقلال.
كثيرا ما يبرر هذا النوع من التموضع الدبلوماسي بسردية مفادها أن الدولة تدافع عن مصالحها الوطنية، وفي مقدمتها قضاياها الاستراتيجية الكبرى. وفي الحالة المغربية، يستدعى هذا التبرير عادة بالقول إن التقارب مع الولايات المتحدة التطبيع مع حليغها الصهيوني يدخل في إطار الدفاع عن قضية الوحدة الترابية للمملكة. غير أن هذا التفسير، رغم ما يبدو فيه من واقعية سياسية، يخفي مفارقة عميقة.
فالدفاع الحقيقي عن المصالح الوطنية لا يقوم فقط على كسب دعم ظرفي من قوة دولية كبرى، بل يقوم أساسا على الحفاظ على هامش استقلال القرار السياسي. أما حين يصبح هذا الدعم الخارجي شرطا أساسيا في إدارة القضايا الوطنية، فإن ذلك قد يؤدي على المدى الطويل إلى تقليص هذا الهامش بدلا من توسيعه.
وبهذا المعنى، فإن الرهان المفرط على التحالف مع القوى المهيمنة في النظام الدولي لا يمثل بالضرورة تعبيرا عن استقلالية القرار السياسي، بل قد يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج علاقات التبعية داخل النظام العالمي. فالقوى الكبرى لا تقدم دعمها مجانا، بل تربطه دائما بشبكة من الالتزامات السياسية والاستراتيجية التي تؤثر في اتجاهات القرار الوطني.
إن أخطر ما في هذه المقاربة أنها قد تؤدي، دون إعلان صريح، إلى رهن جزء من مستقبل الاستقلال الاستراتيجي للدولة مقابل مكاسب دبلوماسية ظرفية. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول هذه المقايضة إلى مسار تدريجي لترسيخ التبعية، حيث يصبح من الصعب على الدولة أن تتخذ مواقف مستقلة عندما تتعارض مع مصالح حلفائها الأقوى.
غير أن فهم هذه الظاهرة لا يكتمل دون التوقف عند البنية المؤسسية التي تصاغ داخلها السياسة الخارجية نفسها. ففي الحالة المغربية، تكشف الهندسة الدستورية أن المجال الدبلوماسي يظل من أكثر مجالات القرار السياسي مركزية. فالدستور يمنح المؤسسة الملكية موقعا محوريا في توجيه السياسة الخارجية وتمثيل الدولة في العلاقات الدولية، وهو ما يجعل هذا المجال، بحكم بنيته الدستورية، أقل انفتاحا على آليات النقاش العمومي والمساءلة السياسية مقارنة بغيره من السياسات العمومية.
ولا يعني ذلك غياب أي دور للمؤسسات المنتخبة، فالدستور يتيح للبرلمان صلاحيات مرتبطة بالمصادقة على المعاهدات الدولية ومناقشة التوجهات العامة للسياسة الحكومية. غير أن هذه الإمكانات تظل محدودة عمليا عندما يتعلق الأمر بالخيارات الاستراتيجية الكبرى للسياسة الخارجية، التي تصاغ في الغالب داخل دوائر القرار التنفيذي. ونتيجة لذلك، يبقى النقاش العمومي حول الدبلوماسية في كثير من الأحيان نقاشا لاحقا للقرار لا سابقا له.
في مثل هذا السياق المؤسسي، يصبح من السهل أن يتحول الخطاب الدبلوماسي إلى مجال شبه محصن ضد النقد، لا فقط بسبب الحساسية السياسية للقضايا الدولية، بل أيضا بسبب محدودية القنوات المؤسساتية التي يمكن من خلالها تحويل هذا النقاش إلى مساءلة سياسية منظمة. وهكذا يتداخل البعد الثقافي للتحريم الذي أشار إليه بوعلي ياسين مع البنية المؤسسية للقرار السياسي، ليجعل من الدبلوماسية مجالا شديد الحماية من النقاش العمومي.
إن النقاش الحقيقي الذي تفرضه هذه الحرب لا يتعلق فقط بتحديد المسؤوليات في الصراع الدائر، بل يتعلق أيضا بطريقة فهم مفهوم المصلحة الوطنية نفسه. فالمصلحة الوطنية لا تقاس فقط بالمكاسب الآنية التي تحققها الدولة في علاقاتها الدولية، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ على استقلال قرارها في عالم تحكمه موازين القوة.
وفي نهاية المطاف، قد تستطيع القوة أن تفرض خطابها زمنا، وقد تنجح السياسة في إحاطة بعض مجالاتها بهالة من التحريم، لكن التاريخ يذكرنا دائما بأن ما يمنع نقده اليوم قد يصبح غدا موضوع مساءلة عامة. فالدبلوماسية، مهما بدت محصنة خلف لغة الدولة ومصالحها، تظل في النهاية فعلا سياسيا يمارس باسم المجتمع، وليس بديلا عنه.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *