السؤال أضحى أكثر ملحاحية اليوم من أي وقت مضى. فالتطبيع لم يعد مجرد قرار فوقي تتخذه بعض الأنظمة، بل أصبح خطابا متناميا يعيد تشكيل وعي المواطنين، وتقديم العلاقة مع الكيان الصهيوني باعتبارها أمرا عاديا في عالم تحكمه المصالح والواقعية السياسية.
خطاب التطبيع لا يعمل فقط عبر السياسة، بل عبر إعادة صياغة السردية نفسها: الكيان يقدم كقوة تكنولوجية متقدمة وشريك اقتصادي محتمل، بينما يعاد تقديم الصراع كحكاية قديمة مهتزة أنهكت الجميع. أمام هذا الخطاب، يجد المواطن نفسه بلا أدوات تحليل حقيقية لفهم ما يجري، و ما طبيعة الصراع.
الخطورة أن المجال ترك طويلا بين خطابين غير قادرين على إقناع المجتمع. فمن جهة، هناك خطاب ديني طائفي يختزل القضية في لغة مذهبية مغلقة، و أساطير و نبوؤات. فيبدو لكثيرين - خصوصا الأجيال الشابة - بعيدا عن فهمهم للسياسة والتاريخ. ومن جهة أخرى، هناك خطاب رسمي لأنظمة رجعية يقدّم التطبيع باعتباره تعبيرا عن “العقلانية” في مواجهة ما يسميه بالشعارات .
في هذا الفراغ ينمو التطبيع في جزء منه ، كظاهرة نفسية قبل أن يتحول إلى موقف سياسي.
هنا تحديدا تبرز الحاجة إلى دور اليسار التقدمي و العقلاني ، فمن المفترض تاريخيا أن يكون هذا التيار هو المنتج الرئيسي لخطاب عقلاني يشرح طبيعة الصراع بوصفه صراع تحرر وطني ضد مشروع استيطاني إحلالي. لكن للأسف فالواقع الحالي أظهر أن حضوره ظل في كثير من الأحيان محدودا في ردود فعل ظرفية.
فضيلة أكثر من سنتين من حرب غزة، اكتفى جزء كبير من هذا التيار بإصدار بيانات إدانة متكررة أو بالدعوة إلى وقفات احتجاجية موسمية. وهي خطوات مهمة من حيث المبدأ، لكنها لا تكفي وحدها لبناء وعي اجتماعي متماسك. فما نفتقده حقا هو العمل الثقافي والفكري المنظم: ندوات عامة، مهرجانات ثقافية، عروض أفلام ووثائقيات، ونقاشات مفتوحة تعيد شرح تاريخ القضية الفلسطينية وطبيعة المشروع الصهيوني للأجيال الجديدة.
لذلك فإن التحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في رفض التطبيع، بل في بناء سردية عقلانية ومقنعة حول فلسطين. سردية تشرح الصراع بلغة السياسة والتاريخ والقانون الدولي، لا بلغة الانفعال وحده. و لا بلغة تتماهى مع الخطاب المقاوم دون مسائلة ….
وهنا تحديدا يمكن لليسار أن يستعيد دوره الطبيعي: ليس فقط كقوة احتجاج، بل كمنتج للأفكار والمعاني. فالمعركة ضد التطبيع، في جوهرها، هي أولا معركة على الوعي.
حوارات ونقاشات









